الصفحة الرئيسية » الدين والحياة
كرم الله المطلق

2018/06/13 | الکاتب : العلامة الراحل السيِّد محمد حسين فضل الله


◄(جاء في دعاء الافتتاح): "الظَّاهِرِ بالكَرَمِ مَجدُه، الباسِطِ بالجُودِ يَدَهُ".

مجد الله وَجُوده

إنّ مجد الله يظهر من خلال كرمه، لأنّ كرمَ الله شاملٌ لكلّ المخلوقات، فهو الذي أعطى كلَّ نفسٍ هداها؛ النملة لها نظام معيّن وتنظيم، والنحل عنده تنظيم دقيق، والعنكبوت تنظيمها لبيتها وتموينها لنفسها دقيق أيضاً... هذه أشياء صغيرة جدّاً، وحتى الماء مثلاً، عندما تراه بالعين المجرّدة، فإنّك لا ترى فيه شيئاً، ولكن عندما تراه في المجهر، ترى عالماً من الحشرات والكائنات الدقيقة الموجودة! عندما نرى الكون كلّه، بعضه مركّب على بعض، والله قد جعل لكلّ شيء في هذا الكون نظاماً معيناً يتحرّك من خلاله، بحيث ترى الموجودات الكونية تحمي نفسها، وتنظّم نفسها، وتطوّر نفسها من خلال طبيعة الأنظمة الذاتية التي أودعها الله فيها، فترى الحشرة تمشي طبيعياً بمجرّد أنْ تولَد، وكأنّها أخذت دروس كلّ الحشرات من ملايين السنين، وترى الحيوان ينطلق تلقائياً بمجرّد أن يولَد!

مَن الذي علَّم الطفل أن يلتقي ثدي أُمّه؟ وما هو اللّبن الذي تعطيه الأُمّ للطفل؟ في البداية، يحتوي اللّبن مواد معيّنة، ثم تتغيّر هذه المواد كلّما تقدّم الطفل في العمر، فكيف ومَن أودع ذلك وقاسه بهذا المقياس المتناهي في الدقّة؟ اليوم، يحتاج الطفل إلى مواد معيّنة، بعد شهر أو شهرين، يحتاج إلى عناصر أخرى، فكيف صارت هذه العناصر؟ مَن أودَعَها؟ مَن الذي وضع الحدود في الحليب وهو يأتي من ثدي الأُمّ؟

مثلاً، جهاز التوزيع الموجود في المعدة؛ فأنت عندما تأكل أكلة فيها فيتامينات معيّنة، فيها حديد و...، العظم يحتاج إلى فيتامين معيّن، الدم يحتاج شيئاً آخر، والأعصاب تحتاج إلى شيءٍ آخر، والدماغ يحتاج إلى شيءٍ آخر، فهذه المعدة من أين أتتها هذه التوجيهات، حتى توزّع للدم ما يريد، وتبعث للجهاز العصبي ما يحتاج؟ فالله أودع على امتداد الكون سننه وقوانينه. ما نعلمه من قوانين الكون قليل، وما نجهله أكثر.

ما هي معلوماتنا عن موجودات البحار؟ نحن نعرف أنّ في البحر سمكاً، لكن دراسات الأسماك وقوانينها وتنوّعها ما هي معرفتنا بها؟ ما هي معرفتنا بخصائص المعادن وكيف تتكوّن، وهكذا.

إذاً، فكرم الله سبحانه وتعالى ليس من قبيل ما يمارسه الناس من كرم، فأنتَ إذا أعطيت المال أو الغذاء لشخص محتاج، فأنت كريم، ولكنّ كرم الله أنّه أعطى كلّ شيء وجوده، وأعطى كلّ وجودٍ عناصره التي توجِّهه إلى ما أعدَّه الله له. وهذا دليل مجد الله، فلو لم يكن لله من العظمة والقدرة والغنى، ما يملك به كلّ هذه العناصر التي أعطاها لمخلوقاته، لما أمكَنَ لمخلوقاته أن تتحرّك بهذا الاتجاه. ونحن نتعرَّف مجد الله وعظمته من خلال كرمه، لأنّ كرمه هو الكرم الشامل الذي لا يقتصر على موقعٍ دون موقع.

"الظاهر بالكرمِ مجدُه، الباسطِ بالجودِ يَدَه".

طبعاً، الله ليس جسداً مثلنا حتى يكون له وجه، وحتى تكون له يد، ولكن هذا من قبيل التعبير الكنائيّ، لأنّ اليد هي - عادةً - أداةُ العطاء، واليد هي أداة القوّة. ولذلك نقول: "بل يداه مبسوطتان"، يعني أنّ عطاءه عطاء مبسوط، وهكذا (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (القصص/ 88). المقصود ذاته، وليس المقصود بالوجه المعنى المادّي للوجه، وكذلك "الباسِطِ بالجودِ يده"، يعني الذي كان جودُه منفتحاً بالعطاء على كلِّ مَن يريد ذلك "الذي لا تنقص خزائنه".

الإنسان عندما يستمدّ الثروة من مصادر محدودة، فمن الطبيعي أنّ المصادر المحدودة تفرض موارد ونتائج محدودة. فكلّما كان الشيء محدوداً، ينقص إذا صرفت منه، أمّا بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى، فهو لا تنفدُ خزائنه، لأنّه لا يحتاج، وكلُّ شيءٍ له، وملكُه لا حدَّ له، والشيء الذي لا حدَّ له، من غير الممكن أن ينقص، (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (الكهف/ 109). ولذلك، فالإنسان يطلب من الله كلّ شيء، لأنّ الله لا تنفد خزائنه.

عطاء لا ينقطع

"ولا تزيدهُ كثرة العطاء إلّا جوداً وكرماً". بعض الناس يملّ من العطاء، ويقول: كفى فأنا عندي عائلة، فإذا استمررت في إعطاء الناس، فآخر الأمر سأفتقر، ولذلك، فهو يكون متحمّساً في البداية، لكنّ مع مرور الزمن وكثرة المحتاجين، تخفّ حماسته للعطاء. ولكنّ الله سبحانه وتعالى الذي أعطى للكون وجوده، وللأشياء وجودها، "الذي لا تنفد خزائنه"، يعطينا غداً مثلما يعطينا اليوم، ويعطينا بعد غد مثلما اليوم، باعتبار أنّ العطاء والكرم هما سرُّ ذاته، فليس العطاء والكرم شيئين من خارج ذات الله ليتغيّر حسب تغيّر الطوارئ، ولذلك، فإنّ كثرة العطاء لا تزيدهُ إلّا كرماً وجوداً، لأنّ عطاءه منطلقٌ من سرِّ ذاته، ومنطلق من حكمته ورحمته، فكما أنّ حكمته، ورحمته، ولطفه، وكرمه، لا يمكن أن تضعف، كذلك عطاؤه لا يمكن أن يضعف (أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) (ص/9) العزيز الذي لا يستطيع أحدٌ أن ينتقصَ من قدرته وقوّته وعزّته، وهو الوهّاب الذي يهب الناس كلَّ ما يحتاجون إليه، والوجود كلَّ ما يحتاج إليه.

ضآلة الطلب أمام كرم الله

"اللَّهُمَّ إني أسألُكَ قليلاً مِنْ كثيرٍ مع حاجَةٍ بي إليهِ عَظِيمةٍ، وغِناكَ عنهُ قديمٌ، وهوَ عندي كثيرٌ، وهوَ عليكَ سهلٌ يسيرٌ".

في هذه الفقرة، يقف الإنسان بين يدي الله، ليتوجّه إليه بحاجاته، بعد أن انفتح على حمدِهِ وثنائه، وهو يتحدّث إلى ربّه على أساس ما يقدّمه من طلباتٍ لله في كلّ ما أهمّهُ من شؤون دنياه وآخرته، ليقول لله سبحانه وتعالى: "اللّهُمّ إنّي أسألك قليلاً من كثير". إنّ هذه الطلبات التي أقدّمها بين يديك، لا تمثِّل شيئاً أمام حاجاتي الكثيرة، أو أمام حاجات الناس التي تقدِّم إليك، أو أمام كرمك الكبير ومُلكِكَ العظيم.

"اللّهُمّ إنّي أسألك قليلاً من كثير"، وهذا القليل من الكثير، يمثِّل شيئاً مهمّاً عندي يا ربّ، لأنّ ما أطلبه منك، يتّصل بضرورات حياتي، ويتّصل بطبيعة حاجاتي في الحياة، حتى أجد في الحياة راحتي وطمأنينتي واستقراري، وأن لا تضغط عليَّ الحاجات فتشغلني عنك، وأن لا تطبق عليَّ المصائب فتبعدني عن الانفتاح عليك.

إنّ حاجاتي هذه التي أطلبها منك هي حاجات عظيمة عندي، باعتبار أنّها تمثِّل القضايا الملحّة في حياتي، في دنياي وفي آخرتي، أمّا أنتَ يا ربّ، فأنتَ الغنيّ عن هذه الأشياء التي أطلبها، كما أنتَ غنيّ عن كلّ شيء، وغناك عن ذلك ليس شيئاً طارئاً، إنّما هو غنىً قديم، لأنّك يا ربّ الغنيّ في ذاتك، فليس لك كالناس حالتان: حالة فقرٍ وحالة غنى، ولكنّها حالة واحدة؛ فأنتَ الغني عن كلّ خلقك، وكلّ خلقك محتاجون إليك. الغنى سرّ ذاتك، والحاجة سرّ ذاتهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر/ 15).

"اللّهُمّ إنّي أسألُكَ قليلاً مِن كثيرٍ، مع حاجَةٍ بي إليهِ عظيمةٍ، وغِناكَ عنهُ قديمٌ، وهوَ عِندي كثيرٌ"، وإن كان لا يمثِّل شيئاً أمام خزائنك وأمام قدراتك وأمام مُلكك "وهو عليكَ سهلٌ يسير"، إنّه لا يكلّفك شيئاً يا ربّ، لأنّك تخلق ما تُعطي، كما أنتَ تخلق مَن تعطي.

ما هو الخطّ الذي يطلبه الإنسان من ربّه؟

اللّهُمّ إنّ هناك قضايا أساسية في حياتي: أنا يا ربّ المذنب، فقد كانت حياتي مليئة بالذنوب التي أتحرّك بها في مواجهتك. أنا يا ربّ الخاطئ الذي أحاطت به خطاياه. أنا يا ربّ الظالم الذي ظلم نفسه. وها أنذا يا ربّ أطلب منك أن تعفوَ عن ذنبي، وأطلب منك أن تتجاوز عن خطيئتي، وأطلب منك أن تصفحَ عن ظلمي. إنّني أقف بين يديك يا ربّ، وهذه هي الحاجات الأساسية عندي، وأُريدُ منك أن تحرّرني من ضغط هذه الحاجات، لأنّني لا أطيق أن أقف بين يديكَ غداً وذنوبي تُثقِلُ ظهري، وخطاياي تُحيطُ بي، وظلمي لنفسي يرهق مصيري، وأعمالي القبيحة تفضحني على رؤوس الأشهاد، أريد العفو عن ذنبي، والتجاوز عن خطيئتي، والصفح عن ظلمي، والستر على قبيح عملي، وأنا أحسّ يا ربّ أنّك أعطيتني ذلك كلّه، لأنّك الربُّ العَفُوُّ والغفور، المتجاوز، الحليم، الساتر...

"اللّهُمّ إنّ عَفْوَكَ عن ذَنْبي، وتَجاوُزَكَ عن خَطيئَتي، وصَفْحَكَ عن ظُلْمي، وسَتْرَكَ على قبيحِ عَمَلي"، هذا التاريخ الذي عشت معه بين يديك، وأنا أحسُّ بعفوك من خلال وعدك، وتجاوزك من خلال كرمك، وصفحك من خلال حلمك، وسترك من خلال رحمتك.

"وحِلْمَكَ عن كثيرِ جُرْمي"، لقد كنتُ المجرم في أكثر من موقع، في ما قمت به من ألوان الجرائم التي حذّرتني منها، ومع ذلك، حلمت عنّي يا ربّ، فلم تؤاخذني بجرمي، ولم تعاقبني بما قمتُ به.

"عند ما كانَ من خَطَئي وعَمْدي". فتاريخي الذي كنتُ أخطئ فيه وأتعمَّد الخطأ، جعل عندي حالة طمعٍ أكثر؛ "أطمَعَني في أنْ أسألَكَ"، لأنّ العطاء - وخصوصاً مع الذنب - يوحي للإنسان بالامتداد في طلباته، لأنّه يشعر بأنّ الربّ المعطي لا يتوقّف عند أخطاء مَن يعطيه، فهو يعطي مَن سأله، ويعطي مَن لم يسأله، ويعطي مَن أطاعه، ويعطي مَن عصاه، وذلك ما يوحي للإنسان بالطمع في أن يطلب أكثر، "أطمَعَني في أنْ أسألَكَ ما لا أسْتَوْجِبُهُ منكَ"، ما هو الذي أسألك ممّا أستحقّه؟ لأنّه ليس عندي ما يجعل لي الاستحقاق، لأنّ الذين يستحقون الرحمة والمغفرة والحلم والستر والعفو هم المطيعون، هم المتّقون، هم السابقون، هم الذين يتحرّكون في خطّ القُرب من الله سبحانه وتعالى، وأنا العبد الخاطئ، لذلك "أطمَعَني في أنْ أسألَكَ ما لا أسْتَوْجِبُهُ منكَ الّذي رزقْتَني مِن رحمتِك، وأرَيْتَني مِن قُدْرَتَك، وعَرَّفْتَني مِن إجابَتِك". لقد أريتني الكثير يا ربّ، ورزقتني الكثير من رحمتك، في ما رحمتني به من وجودي ومن كلّ الجوانب الطيِّبة في هذا الوجود.

"وأرَيْتَني مِن قدرتك"، في ما صرفت عنّي من بلاءٍ ومصائب وأعداء من خلال قدرتك، "وعَرَّفْتَني مِن إجابَتِك"، فقد كنتُ أدعوك في الصغير والكبير من حاجاتي، وكنتَ تجيبني على الرغم من خطاياي.►

 

المصدر: كتاب في رحاب دعاء الافتتاح

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 394
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الإحساس المستمرّ بعظمة الله تعالى
 تعزيز الثقة بالله
 الآثار الوجدانية لأسماء الله الحسنى الدالة على وجوده
 الطريق نحو الله
 الرحمة.. فيض إلهيّ
 الأعمال الصالحة التي تقرّبنا من الله
 الثقة بالله تعالى.. غاية الإيمان
 الإخلاص لله تعالى وموانعه
 الرقابة الإلهيّة في حياة الإنسان
 السير إلى الله جلّ جلاله

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا