الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الانفتاح على مواقع العزّة الإلهية

2018/07/24 | الکاتب : عمار كاظم


قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعا) (فاطر/ 10). الإنسان كموجود إلهيّ له رسالة في الحياة؛ رسالة إثبات الذات وإعمار الأرض، والله تعالى يقبل منه فقط ما يصدر من كلام طيب نافع، ويرفع له في كتابه العمل الخالص لوجه الله، الذي يصلح في ميزان الأعمال، ويعود بمنفعته على ذات الإنسان والجنس البشري بوجه عامّ، والإنسان الباحث عن تأكيد هُويّته وذاته، وتأصيل وجوده على قواعد ثابتة لا تهتزّ، بالشكل الذي يرفع من شأنه وينمّي كلّ طاقاته، عليه أن ينفتح بكلّ قواه على الله تعالى، المالك لكلّ شيء، بما يمثّل من عزّة وقوّة تمدّ الإنسان بما يلزم من عناصر تثبّت له مسيرته، فهو الذي يملك كلّ مواقع القوّة في الأرض والسماء، فله كلّ شيء، ولا يملك أحدٌ معه شيئاً.

إنّ الباري تعالى يريد من المؤمنين المخلصين الموحِّدين، أن يربّوا أنفُسهم على أن يعيشوا العزّة في كلّ تحرّكاتهم وأوضاعهم بعمق ووعي وقناعة، ولا يكون ذلك إلّا في مدى انفتاحهم على مواقع العزّة الإلهيّة التي لا حدود لها، والتي تدعو الناس إلى التفاعل معها بشكل جدّيّ ومسؤول، لينعكس ذلك على مظاهر حياتهم وتفاصيل كلامهم ومواقفهم، بما يقوّي نظرتهم إلى الحياة، ويجعلهم ينطلقون في كلّ حركاتهم وسكناتهم من موقع القوّة المستمدّة من قوّة الإيمان بالله والإخلاص له، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسَه»، وهذه هي الروح التي أراد الله للناس المؤمنين أن يعيشوها في داخلهم بعمق ووعي وإيمان، ولا يتسنّى لهم ذلك إلّا في التفكير الدائم في عظمة الله ومواقع قدرته في رحاب الأرض والسماء، وفي تكوين الإنسان وسيطرته المطلقة عليه، وهكذا نجد أنّ الله يريد أن يعمِّق الشعور بالحاجة إليه وحده، لينطلق المؤمن في الحياة مرتبطاً به، فيكون قوياً وعزيزاً بالله، فالله تعالى هو الخير المطلق الذي يدعونا إلى فعل الخيرات وصناعتها، رحمةً وعدلاً في الحياة والعلاقات، والله تعالى هو الكمال المطلق، والجمال المطلق، والغنى المطلق الذي يحفِّزنا على أن نعتني به وننفتح على هديه، لنكون الأعزّاء الأقوياء أمام كلّ مغريات الحياة ومظاهرها.

إنّ الله تعالى يُقبل على عبده الصالح الذي لا يلهج لسانه إلّا بكلام الحقّ والصدق والعدل، ولا يحرّك كلماته إلّا في خطّ نشر الوعي والمعرفة، لجهة العقيدة الحقّة والفكر المنفتح على عظمة الله وفضله ورضوانه، وينطلق من خلال شعوره الصادق الصافي الخالص من كلّ الحسابات الضيِّقة، ليعبِّر عن روحية الإنسان الشفّافة المفطورة على توحيد الله الذي يتحرّك بمصاديقه في كلّ تفاصيل الحياة الخاصّة والعامّة. نعم، إنّ الله يتقبّل الكلام الطيّب المعبِّر عن روحية الإنسان، المنطلق من مواقع الصدق في فكره وشعوره وموقفه، ويعطي الإنسان أجره على ذلك، وهذا ما توحي به كلمة الصعود إليه، فهي كناية عن قبول الكلام الذي يتحرك في الحياة ليؤكّد الحقّ، وليثير فيها ما ينفع الناس ويستقيم بهم في نهج العقيدة والعمل الصّالح. كما في قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر/ 10). أمّا عمل الإنسان، فهو الأساس عند الله، بما يتركه من أثر مادّي ومعنوي يعود بالنفع على الإنسان نفسه في دنياه، ويأخذ عليه أجره في القرب من الله تعالى، كجزاء بما التزم به من حقّ الله في أداء حقّه بأعماله، وسلوكه الفعلي، بحيث حوَّل إيمانه إلى عمل في الواقع يرفع من قيمته وقيمة الحياة من حوله. وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل». فالعمل الصالح يرفعه إليه، لأنّ العمل لا يبقى في الأرض ليكون مجرد حركةٍ تنطلق في نشاط الناس، ثمّ تموت في ذهاب الصورة وغياب الزمن، بل يرتفع إلى الله، بما فيه من نفع للإنسان والحياة في معناه الإيماني، وغايته التوحيدية، وروحيته الإنسانية الرسالية المتعلقة بالله، الخاضعة له، فالإنسان يكون عزيزاً عند الله، بمقدار ما يكون طيباً في كلامه، صالحاً في عمله.. فالمؤمنون هم الذين يثبّتون الكلام الطيِّب عبر العمل الصالح في الحياة كلّها، فالكلمة مسؤولية وأمانة، والعمل الصالح يعبِّر عن جوهر وجودنا وأصالة شخصيتنا، وهو سجلّ مصيرنا أمام الله تعالى في الدنيا والآخرة.

ختاماً، إنّ الدّفاع عن الحقّ والمطالبة به، فريضة فرضها الله على الناس، لأنّ التخلّي عن هذه الفريضة وعدم أدائها في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني ببساطة أنّ المجتمع سلَّم قراره وإرادته لمن هو أكثر قوّة وسطوة وجبروتاً، والنتيجة، كما قال الإمام عليّ (عليه السلام) : «ما ترك الحقَّ عزيزٌ إلّا ذلّ، ولا أخذ به ذليلٌ إلّا عزّ. وما ضاع حقّ وراءه مطالب».. إنّ التفريط بعزّتنا ليس أمراً متروكاً لنا، فالله سبحانه لم يفوّض للمؤمنين أن يكونوا أذلاء، ويحنوا هاماتهم للباطل، لذلك يقول الله تعالى قول الحقّ: (وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون/ 8). وقد ورد في الحديث الشريف: «إنّ الله فوَّض إلى المؤمن أُموره كلّها، ولم يفوِّض إليه أن يكون ذليلاً».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 409
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 ابتسم وتسامح
 خطّ العبودية والإخلاص لله وحده
 الإمام عليّ (عليه السلام) ومعاني المسؤولية
 العمل التطوعي وبناء الجيل الشاب
 السلام المجتمعي
 في ذكرى حرق المسجد الأقصى
 الصلاة.. طريق الإيمان والاطمئنان
 منهج المباهلة في إدارة الصراعات
 عيد الأضحى.. زخم وحدوي وبُعد عالمي
 عيد الغدير امتداد للرسالة الإسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا