الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحرّية والتكريم للإنسان

2018/08/26 | الکاتب : عمار كاظم


لا خلاف أنّ الحرّية أصل محمود يتوق إليه الإنسان بطبعه، وأنّ العبودية وصف مذموم ينفر منه المرء بفطرته، فالأولى أقرب إلى العدل والإنصاف، والثانية أقرب إلى الظلم والإجحاف، والناس قد ولدتهم أُمّهاتهم أحراراً، كما قال الإمام الحسين (عليه السلام): «كونوا أحراراً في دنياكم».

كانت العبودية قديمة قدم الظلم ولم يأتِ بها الإسلام، بل وجدها أمامه من رواسب الجاهلية فأراد أن يقضي عليها بالتدرج، ووضع لها حلولاً منهجية معروفة. وأكثر من هذا وذاك فقد جعل الله تعالى تحرير الأرقاء عبادة (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد/ 11-16). ومن المعلوم أنّ الحرّية نقيض العبودية وما يدخل في نطاقها من القيد والكبت والاسترقاق، أمّا الحرّية اصطلاحاً فلها معانٍ متعدّدة ومفاهيم مختلفة، لا يكاد يتفق عليها اثنان لاختلاف الأعراف والتقاليد بين الشعوب.

دعا الإسلام إلى العدل والمساواة بين الناس جميعاً، فلا تفاضل بين الناس إلّا على أساس تقوى الله والخوف منه، ولا يكون التفاضل أبداً على أساس العرق أو اللون أو الجنس، فقد رُوِي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «يا أيّها الناس! ألا إنّ ربّكم عزّوجلّ واحد، ألا وأنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود على أحمر إلّا بالتقوى، ألا قد بلغت؟ قالوا: نعم، قال: ليبلغ الشاهد الغائب». وقد كفل الإسلام الحرّية للإنسان وحماه من الظلم والاضطهاد، كما نصت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء/ 70). وممّا لا شكّ فيه أنّ الحرّية جزء لا يتجزأ من ذلك التكريم وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين/ 4). وإذا كان الله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم فليس من المعقول أن يفرض عليه المذلة والاسترقاق. وهذا ما بينه القرآن في آية أخرى حينما ضرب لنا مثلا في قيمة الحرّية فقال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ (النحل/ 75). والجواب معروف، فالحرّية والاسترقاق لا يستويان، وقال مخاطباً للمستضعفين معاتباً لهم على خضوعهم للظلم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء/ 97). وقال على لسان رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه مستنكراً للظلم والاضطهاد: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ (غافر/ 28). ووصف الله تعالى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه جاء رحمة للناس ومحرراً للعباد من الاستعباد ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف/ 157).

وقد فرض الله عزّوجلّ الجهاد دفاعاً عن الحرّية ونصرة للمظلومين والمستضعفين في الأرض، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحجّ/ 39-40)، وقال تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء/ 75).

ختاماً، لقد خلق الله الإنسان حراً، وخلق بني آدم أحراراً، ليسوا بعبيد للعبيد، وهذا هو الأصل فيهم، والله عزّوجلّ أعطى الإنسان إرادة، ومشيئة، واختياراً، فليس العبد مجبوراً على عمل، وإنّما هو حر في اختياره ومشيئته. قال الإمام عليّ (عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 442
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 المواقف الصلبة في حياة الإمام السجّاد (عليه السلام)
 طُرُق تهذيب النفس
 العمل التطوعي والشعور بالمسؤولية
 الحاجة الدائمة للسلام
 المنظومة القيمية في النهضة الحسينية
 ثقافة السلام
 الإمام السّجاد (عليه السلام) ومنهج الدُّعاء
 أقوال في الإمام الحسين (علية السلام) من علماء ومفكرين إسلاميين ومسيحيين وغيرهم
 الإمام الحسين (عليه السلام).. مدرسة في توحيد الشعوب
 الوصيّة الأخيرة للإمام الحسين (عليه السلام)

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا