الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الذوق الإنساني بين التيه والرشاد (أ. مجيد الحداد)

2011/10/05 | الکاتب :


أغدق الله تعالى على الإنسان نعما جمة ، حسية ومعنوية ، بدونها تصير الحياة هولا لا يطاق وضنكا ما له من فواق ، و يصير العيش مخزيا، ومسلكا مضنيا ، وإن من هذه النعم التي تضخ الحياة في العالمين ، كما يضخ الدم في الشرايين ، وتروي الوجود كما تروى بذور الورود ؛ ملكة الذوق الإنساني الرفيع ، التي جعلها الله سبحانه هبة زكية و ميزة أبدية، يرشف بها الإنسان الجمال الساري في هذا الكون الفسيح ، الذي حيث ما نظرت إلى زاوية من زواياه إلا ولمحت وعاينت عن كثب جماله الدال على جلاله وكماله سبحانه ، إن الذوق بساط الارتقاء والسمو بالروح عن مدنـساتها الأرضية و البهيمية التي إذا أذعنت لها النفس واشتاقت لها اشتياقا مفرطا ، عاشت الشقاء والتعاسة ، وآل مصيرها إلى الخراب .
ارتباطا بذلك آثرنا أن نقدم هذه المساهمة المتواضعة قاصدين منها إثارة مشكلة الانحراف في توجيه هذه الملكة العظيمة ، وهي مشكلة إنسانية وأخلاقية عاشتها البشرية قديما وتعيشها اليوم بإلحاح ، وذلك برصد بعض مظاهر الانحرافات الذوقية غير البريئة ، وتأسيسا لذلك أحببنا أن نستهل مساهمتنا بتحديد مفهوم الذوق وبعض معايير انضباطه، مرورا بعنصر هام حاولنا من خلاله إبراز بعض ملامح عناية الإسلام بالذوق رفعا لشبهة الخصومة المفتعلة بين الإسلام والجمال.
مفهوم الذوق ومعايير انضباطه
الذوق فضيلة من الفضائل ، وقيمة من القيم النفيسة التي تسمو بالسلوك ، وتجعل لوجود الإنسان معنى ولتصرفاته طعما ، وهي كلمة موحية بالجمال ، و اللطف ، وحسن الخلق ، وسلامة التصرف، تحتضن دلالاتها معاني النبل الإنساني، والرقي الروحي الذي به يترفع الإنسان عن عالم الحيوان، و به يرتقي في سلم التفاضل بين باقي الكائنات، لذلك كله ، لم تنبذها النفوس يوما ، ولم تمجها العقول دوما، مــــا دامــــت على عهد الفــطرة ودرب الصــفاء و النقاء ، وما دام لم يطلها غبش الانحرافات البشرية غير البريئة.
غالبا ما ينصرف الذهن عند سماع هذه الكلمة إلى الذوق المادي، الذي يتم بحواس الإنسان و على رأسها اللسان، الذي نتذوق به الطعام، فيقال: ذقت الطعام أذوقه ذوقاً ومذاقاً إذا عرفته ، وميزت الحسن والقبيح منه . وإن كان هذا جزء من أسباب إثارة هذا الموضوع، إلا أن مقصدنا ينصرف إلى أكثر من هذا التخصيص المادي أو الحسي للذوق، إلى الذوق المعنوي العام والمشترك منه خاصة، والذي هو الآخر قد تشــــارك الحـواس في تحــقيقه، و الذوق بصفة عامة جزء من ثقافة الإنسان التي تتحكم فيها ـ طبعا ـ خلفيات ، وعقــائد ، وأعراف ... ، و إذا كان محل الذوق المادي : الحواس، فإن محل الذوق المعنوي : العقل و القلب و الروح.
إن " الذوق هو الأخلاق حين نرتدي أجمل ثيابها وهو عطر الأخلاق ونفحاتها.. و الذوق هو قمة الأخلاق حين تتألق في إنسان وتتجلي في أحاديثه وتعاملاته التي تنطوي على أجمل المشاعر وأنبل العواطف. فالذوق حركة من لطائف الروح وصفاء القلب. والذوق هو سلوك الروح المهذبة ذات الأخلاق المرضية " (1) .
إذا كان للذوق رفعة ، واتفق على كونه قيمة وفضيلة تتوج منظومة القيم الإنسانية التي ترشد تصور وتصرف الإنسان ، فثمة تساؤل يثار حول المعايير التي بها ينضبط الذوق ، على الرغم مما قد تحمله هذه الكلمة ـ الذوق، من بعض الخصوصية التي صارت مسلمة عند عدد كثير من الناس ، وصارت الأذواق ـ كما يقال ـ لا تناقش ؛ حيث تم التضخيم من هذه الخصوصية وأعطي لها أكثر مما تستحق، وما ذلك إلا مؤشرًا على مدى التأثر بالثقافة الغربية التي جعلت الحبل على الغارب ؛ بإعلانها الحرية في كل شيء ، و من ذلك : مسألة الذوق ، هذه الحرية المفرطة التي لا نغالي إذا قلنا عنها أنها أوقعت البشرية في أزمة ذوق أتت خلاصة لانحراف الرغبات والحاجات ، و حملت في طياتها ملامح أزمة الإنسان المعاصر، وصرنا نحن المسلمين اليوم نجد صعوبة في هضم إفرازات هذه الثقافة التي بدأت تسري في تمثلاتنا وثقافتنا الشعبية ، سواء انتبهنا لذلك أو لم ننتبه.
إذا سلمنا مبدئيا بأن الأمر فيه خصوصية نسبية، ألا يمكن أن نتوحد حول ذوقيات عامة ؟ وبناء على هذا التساؤل ، هل الذوق العام لا يناقش ؟ أو بمعنى آخر، أليس هناك حدودا ينبغي أن تتوقف عندها رغبات الناس وحاجاتهم ؟ سيما إذا كان الأمر لا يعود بالنفع على الإنسان لا في دينه ولا في دنياه ، بل ربما هدد الأمر حتى وجوده . إذا كان الأمر معكوسا ، فما هي المعايير التي بها نضبط ذوقيات الناس حتى تكون سلوكياتهم رشيدة ؟
إن إثارة فكرة انضباط الذوق قد تبدو عند الوهلة الأولى أطروحة منبوذة ، لأنها تستفز مسألة الخصوصية والاستقلالية التي يحظى بها أي إنسان ، لكن عند التأمل في الباعث وراء إثارة هذه المسألة الذي يلخصه حجم الاعوجاج والانحراف في أذواق بعض الناس اليوم ، أكيد سيغدو الأمر مقبولا لأنه يلامس مسألة القيم التي بها يرشد ويهتدي الوجود الإنساني .
ثمة وجود جملة من المعايير التي تضبط تصرفات الناس أن تزل أو تنحرف عن سيمات هذه الفضيلة التي ميزت الوجود الإنساني عبر العصور. لاشك أن الوحي الإلهي المتجسد في كتاب الله المسطور : القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو المتضمــــن الأول لهـــــذه المعايـــــــير، و المحتضن الدافئ لمقاييس انضباط الذوق وسموه . فلكي يكون الذوق سليما لابد أن يتأسس على جملة قواعد وقيم إنسانية مشتركة ، وينأى عن كل تصور تعود نتائجه بالتعاسة على وجود الإنسان ، وإن الشريعة الإسلامية الغراء التي يعتبر الوحي أول مصدر لها ، لراعية لهذه المعايير، فهي المحتكم الأقوى والمرجع الأسمى ، بل إن مدار أحكامها التفصيلية ليقوم على قاعدة مركزية ملحوظة في جميع هذه الأحكام ، فحواها : جلب المصالح ودرأ المفاسد، وهي تصلح ضابطا من أقوى الضوابط في توجيه الأذواق ، وترشيد الأشواق ، وتنبيه العشاق.
إن فلسفة الضروريات الخمس التي اجتهد فيها علماء الإسلام وصاغوها صياغة محبكة حتى صارت موجها للفكر الإسلامي في مختلف ميادينه، لما لها من وظائف بيانية و اجتهادية و تشريعية وحقوقية ، لتعتبر المنفذ السليم والمنهج الحكيم في صياغة ضوابط الذوق الإنساني القويم ، فبها نقيس الأفعال والتصرفات ونميز بين منافعها ومضارها ، فكل تصرف يعود بالضـــرر على إحدى هذه الضروريات أو الكليات الخمس التي حددها العلماء في الدين والنفس و العقل والنسل والمال، لا ينهض أن يكون ذوقا رفيعا ، والعكس صحيح . وسنعود لرتب هذه المصالح التي راعتها الشريعة المباركة ، التي صنفها العلماء إلى ضروريـات وحاجيـات وتحسينات أو كماليات عند حديثنا عن عناية الإسلام بالذوق ، خاصة في جانب التحسينات، بشيء من الاختصار حسب ما يقتضيه المقام.
إن من بين المعايير الكفيلة لانضباط الذوق حتى يكون ذوقا سليما ، أن يكون مستحسنا لدى العقول السليمة ، ومتوافقا مع دواعي الفطرة التي فطر عليها الإنسان ، فكل تصرف حاد عن نهج الفطرة، ومجته العقول ، اعتبر فاسدا لا ينهض أن يكون ذوقا ، وإن كان مستحسنا عند بعض الناس الذين انحرفت عندهم هذه المعايير أو انحرفوا عنها ، واختلط عليهم المليح بالذميم ، والصحيح بالسقيم ، كما سنرى في بعض الذوقيات المعوجة عند الحديث عن مظاهر انحراف الذوق .
كما ينبغي للأذواق أن توجه نحو تحقيق سعادة الإنسان وطمأنينته في الدنيا والآخرة، وأن تساهم بذاك في الرقي بالوجود الإنساني، أما الممارسات التي يكون مآلها التعاسة والضنك ، على الرغم من احتضانها لعوامل المتـــــعة الزائفة ، سواء ما كـان منها ماديا أو معنويا فهي الأخرى أذواق فاسدة .
و أقوى المعايير التي نصنف بها الأذواق أن لا تتعارض هذه الأخيرة مع المفاهيم الكونية والشرعية للجمال المتعارف عليها والمستحسنة لدى الناس. فكل تصرف ليس له بعد وظيفي أو رمزي أو جمالي، فليس من الذوق الرفيع الذي راعته الشرعية الإسلامية في شيء.
ملامح من عناية الإسلام بالذوق
تعلو اليوم بعض الشبهات التي يروجها المغرضون والحاقدون عن الإسلام ، فحواها أنه دين ليس للجمال فيه مجال، وليس للذوق فيه آمال ، إنه دين التكاليف الشرعية العارية عن أي اهتمام بالذوق الإنساني الرفيع ، وهي شبهة زائفة مردودة ، ما تلبث أن تهوي كما تهوي الصخرة الكبيرة في قعر المحيط أمام مظاهر اهتمام الإسلام بهذه القضية التي تعتبر ـ كما سبق وأن أشرنا ـ مدار الأحكام الشرعية التفصيلية ، وقد يكون السبب في عدم إدراك هذه الحقيقة آيل إلى انحراف المعايير التي بها تضبط الأذواق التي لا تخضع للمقاييس الشرعية والكونية التي توجهها وترشدها.
أولى الإسلام عناية غير مسبوقة بالذوق ملحوظة في جميع الأحكام الشرعية التفصيلة التي حيث ما قلبت حكما منها إلا وتجده يتصل بقريب أو ببعيد بمسألة السمو بالذوق ، وبديهي أن لا تغفل شريعة سماوية اعتبرت خاتمة الرسالات كرسالة الإسلام الجامعة والشاملة عن هذه القضية ، أو لا تلقي لها بالا ، فحراسة هذه الفضيلة ليعتبر مقصدا من المقاصد الكبرى التي راعتها شريعة الإسلام.
بالرجوع إلى المصدرين الأولين القرآن والسنة المحتضنين لرسالة الوحي الإلهي ، نجد عناية الإسلام بالذوق ماثلة بقوة منذ أول آية إلى آخرها، وحاضرة في معظم التوجيهات النبوية الشريفة ، خذ مثلا قضية الإعجاز البلاغي والبياني للقرآن ، كيف يسرد القرآن القصص، ويصور الأحداث في قوالب موحية ، وصفية ، و تشخيصية ، واستنباطية ... تجعل من المستمع عنصرا يعيش وسط الحدث ويشارك تفاصيله، وإن في صور البلاغة النبوية التي أوتيت جوامع الكلم ، والأساليب الحوارية الراقية التي كان يوظفها الرسول صلى الله عليه وسلم من ملاطــفة ، و تمثيل ، وتشخيص، ومحاكمة وموازنة (2)... كل ذلك لمن صميم عناية الإسلام بالذوق.
ومن النصوص الناطقة بهذه العناية الإسلامية نذكر على سبيل المثال ، ما يلي :
يقول الله تعالى : " يا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " (3).
ويقول أيضا : " أفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ " (4).
و يقول سبحانه : " وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ و تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (5).
أخرج أبو داود عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دون، فقال ألك مال، قال نعم، قال من أي المال، قال قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال فإذا أتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته. وهو حديث صحيح.
وفي الحديث الذي صححه الألباني قال صلى الله عليه و سلم : " حُبّب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة " .
وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه و سلم : " إن الله جميل يحب الجمال " . وقال للصحابي الذي أراد أن يتزوج ثيبا : " هلا بكرا تداعبها وتداعبك " ...
وفي سيرته العطرة شواهد يطول المقام لسردها لاهتمامه صلى الله عليه وسلم بالذوق و التنبيه عليه في عدد من المواقف والمناسبات.
إذا ذهبنا بعيدا نجد ملامح وصور رائعة لعناية الإسلام بالذوق في جانب العمران والبنيان، خذ على سبيل المثال المساجد، فإن العناصر الفنية التي أضيفت إلى عمارتها ، جعلت من هذا المبنى مرتعا للجمال الروحاني ، وقديما عبر المسلمون عن الجمال باللطف الروحاني (6) .
إن عمارة المساجد التي تتضمن بين جوانبها روح الإسلام ، وقيم الإسلام ، وتوجيهات الإسلام ، ليشكل لوحة فنية من لوحات الجمال الإلهي في الكون ، " ولأن الجمال مرتبط بالكمال المطلق ، والكمال المطلق هو الواحد الإلهي ، فإن الفكر الجمالي الإسلامي يسعى للبحث عن سر العلاقة المعمارية في المسجد من باب الكمال الإلهي ، الذي يزداد وضوحا في الحرمين الشريفين ، وفي قبة الصخرة ، ثم المساجد الألفية كالأموي بدمشق ، وجامع قرطبة ، وجامع القيروان " (7) .
وإن في رتب المصالح التي صنفها العلماء إلى ضروريات وحاجيات و تحسينيات ملامح أخرى من عناية الإسلام بالذوق الإنساني ، ملحوظ ذلك خاصة في عنصر التحسينيات التي قامت على " الأخذ بما يليق من محاسن العادات ، وتجنب الأحوال المدنسات التي تألفها العقول الراجحات ، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق ... ففي العبادات كإزالة النجاسة ـ وبالجملة الطهارات كلها ـ وستر العورة ، وأخذ الزينة ، والتقرب بنوافل الخيرات ... وفي العبادات كآداب الأكل والشرب، و مجانبة المآكل و النجسات ، والمشارب المستخبثات ، والإسراف والإقتار في المتناولات ... " (8).
وملحوظ عناية الإسلام بالذوق في الأركان التي قامت عليها هذه الشريعة ، فالصلاة مثلا التي تعتبر عماد الدين أعظم وسيلة للارتقاء بالذوق والسمو بالروح، وإن في حركات صلاة المسلم من قيام ، و ركوع ، وسجود ، وجلوس ... لوحات فنية من أروع اللوحات الجمالية التي تزيد هذا الكون رونقا وبهاء ، وكم تــــكون الصـــورة أجمل وأبهى عـندما يجتمع المسلمون في صـفوف مرصوصة ، وحركـات دقيقة و متوازنة ، وأصـوات التكـبير والتهليل و التسبيح رنات موسيقية زينت المشهد ، و" هذه الصلاة الجامعة في وقارها وبساطتها لا يفوتها أي نوع من أنواع العبادات الجامعة، إذ يقف المصلون معتدلي القامة في صفوف يسودها النظام في المسجد ويتبعون زعامة الإمام بكل دقـة و احتـــرام . ولعـــــمري إن منظــــــرهم ليكون دائمــــا بالغ الأثر في النفس " (9) ، وحسبك في صوت المؤذن وهو ينادي للصلاة ، ما يكفي على إحاطة هذه العبادة بالذوق الإنساني في جميع فرائضها وسننها ومستحباتها ...
و هكذا في جميع الشعائر لا تنفك ملامح الذوق واللطف و الجمال والبهاء ماثلة سواء بصورة ظاهرة أو مستترة.
وبتسليط الضوء على فلسفة الزي الإسلامي وما اشتملت عليه من وصفات راقية للجمال ، ليكفينا تمثيلا على العناية الإسلامية الفائقة بالذوق تلك المواصفات البهية للباس المرأة ـ الحجاب ، الذي تشن عليه اليوم حربا ضروسا . إن المعايير التي اتخذتها الشريعة في تحديد مواصفات لباس المرأة في الإسلام بغض الطرف عن أبعادها الرمزية والدينية التي بها تكون المرأة طائعة لربها وملتزمة بقيم دينها ، و التي لا يفقهها دعاة التحرر والمجون والمتاجرة في جسد المرأة ، وبغض الطرف عن أبعادها الوظيفية المتجلية في الوقاية من ضرر الحر و البرد ، والتي لا يلقي لها بالا دعاة الموضة الزائفة، بعيدا عن ذلك كله، نقف عند جانب المعايير الجمالية و الذوقية التي لا ينكرها أي لبيب في الحجاب الشرعي ، فمن خلال مواصفات شرعية عامة تحترم كيان المرأة ، ظهرت ألوان وأشكال راقية ومحترمة للحجاب الشرعي، شكلت لوحات فنية جميلة ليس لها مثيل تنضاف إلى لوحات هذا الكون الجميل.
وإذا كان حجاب المرأة عنوانا على الحياء ، فإن للحياء جمالية هي " من المقتضيات الفطرية للأنوثة . والحياء بطبيعته يميل إلى التخفي ؛ لأنه به يحفظ وجوده في النفس وفي المجتمع . إن الحياء كالزئبق، بمجرد ما ترفع عنه الغطاء يطير في الهواء ويتلاشى ! ومن هنا كان لا حياء مع العري، وكان لا حياء مع البروز الفاضح . التخفي سر بقاء الحياء ، و الحياء سر بقاء الجمال ! وإنما جمال الوردة ما لم تقطف فإذا قطفت فركتها الأيدي ففقدت بهاءها ، فلا جمال بعد ! ومن هنا كانت الوردة الأجمل هي تلك المحصنة بين خضرة الأوراق وتيجان الأشواك ! " (10) .
إن من عنايـة الإسلام بالذوق في قضية اللباس جمالية التعبير القرآني عنه حيث ذكره ، ثم كنى عنه بالريش في قوله تــعالى : " يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ " (11) وذلك لما للطائر من جمال إذ ينطلق بريشه محلقا في الفضاء أو مستقرا على الشجر ، أو ماشيا على الأرض . و ما أتعسه من طير فقد ريشه ! أو نتفه من يعذبه به ! (12) .
وفي دفن المسلم و حث التراب على قبره بعد غسله وكفنه، وتطييبه ، والصلاة عليه ، والدعاء له ، وتشييع جنازته ، وغيرها من مراسيم الدفن، وتكريم الميت التي حث عليها الإسلام ، لشواهد أخرى ناطقة بالعناية الإسلامية الفائقة بهذه الفضيلة التي تلازم الإنسان حتى وهو يـفارق الحياة و يصعد إلى جوار ربه ، وهو الأمر الذي نجده مفقودا في بعض التقاليد والأعراف القديمة والحديثة ، الهندوسية والفرعونية مثلا ، من قبيل حرق جثث الأموات ، أو رميها في النهر والبحر ... بل إن من الطقوس الغريبة التي لا يزال يعرفها عصرنا، أن الأموات تأكل أعضائها عند بعض القبائل ويحسبون ذلك تيمنا أو تكريما للميت واحتفالا به (13).
إن ما سبق عرضه من بعض ملامح عناية الإسلام بالذوق ليعتبر غيضا من فيض ، قصدنا أن نكتفي بهذه النماذج لأن غرضنا الأسمى يتجه نحو إبراز بعض الانحرافات الذوقية التي تاهت عن تعاليم الإسلام دين الجمال الذي أفرز ذوقيات رشيدة ، متزنة ، رفرفت بالروح إلى عالم الملكوت الأعلى، وارتقت بالسلوك إلى فضاء الرشد والتؤدة، أعادت الاعتبار إلى إنسانية الإنسان فاحتضنت بذلك مفاتيح السعادة الأبدية ، بما حوت من يسر ورقة وشمول للزمان والإنسان والمكان ، وصدق الذي قال : " إن الذوق سلوك للروح " (14).
انحراف الذوق الإنساني بين الأمس واليوم
انحراف الذوق الإنساني ظاهرة قديمة حديثة، سببها التغيرات الحضارية التي يتبعها تبدل القيم التي فطر عليها الإنسان نتيجة الحيدة عن المنهاج الإلهي في توجيه السلوكات الإنسانية .
لقد عرف التاريخ البشري مظاهر عديدة لانحراف الذوق عند الإنسان، ولعل ملامح الانحراف الأولى نرصدها من خلال الخطيئة التي قام بها بني آدم قابيل في قتله لأخيه ، حتى أنه عجز أن يواري سوءة أخيه ، " فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ " (15)، ومنذ ذلك الحين والبشرية تعرف انحرافات رغم تنوعها إلا أنها تصدر من معين واحد ، وإن في قصة لوط مع قومه أنموذج أبين يصور بجلاء مسألة الانحراف عن الذوق الفطري الرشيد ، فحسبك في الرغبة المعوجة والشوق المجنون الذي آثر شهوة الرجال على النساء وهو ما سمي : باللواط ، واستحسان ذلك ، ما يكفي في تأمل حجم الانحراف الذوقي عند أولئك القوم، الأمر الذي أثار حفيظة نبي الرشد لوط عليه السلام وقال فيهم مستنكرا هذا الصنيع " يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ " (16) " إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ " (17) لينتقل هذا الانحراف الذوقي من مرحلته الجنينية إلى واقع متطور اليوم ، أعـــطيت له مسميات ظريفة من قبيل : الزواج المثلي ، لا تحمل الدلالة الثقيلة التي يحملها مصطلح اللواط أو السحاق وهو عكس الأول، وكل ذلك من قبيل العبث بذوقيات الناس ، حتى صار الأمر مشروعا عند بعض الأمم التي احتسبته جزء من حقوق الإنسان .
بعض مظاهر الانحرافات الذوقية المعاصرة.
تمر البشرية اليوم بمرحلة انتقالية غريبة لا نغالي إذا وصفناها بالجنونية ، حيث صار فساد الذوق سواء أكان ماديا أو معنويا أمرا مألوفا ومستساغا ، بل يعتبر عند البعض من رواد الحداثة عنوانا للمدنية وسمة مألوفة للحضارة التي ربما اضطربت وعادت القهقري إذا تم التمرد على هذه التغيرات الحديثة التي جاءت حسب زعمهم ، نتيجة لتحرر الإنسان و انعتاقه من قيود وأغلال ثقيلة أفرزها الفكر الأسطوري.
إن المستقرئ لمظاهر الانحرافات الذوقية المعاصرة ليطلع على حياة غريبة ، تملأها رغبات زائفة تتشابك وتتكامل لتشكل عالم من الفقاعات التي تنضح بمعالم تيه الإنسان المعاصر . انحرافات مادية في المأكل و المشرب و الملبس ... ، وانحرافات معنوية إحصاؤها يغدو صعبا لتولدها يوما بعد يوم ، وما كان منها صالحا اليوم لا يصلح أن يكون تصرفا مقبولا في الغد، ما دامت تخضع لطاغوت يؤطرها يدعى الموضة.
تعتبر الموضة من أقوى المداخل لانحراف الذوق الإنساني، لما تملكه من سحر في توجيه الرغبات والأذواق في منأى عن المعايير الأخلاقية والإنسانية ، إن المعايير التي تفرضها الموضة لا تتجاوز دائرة الربح من جهة، والإثارة بكل أشكالها وأنواعها من جهة أخرى ، وصارت هذه المعايير الجديدة هي التي تحكم قبضتها على الرغبات وتوجه الأذواق .
والسلوك الاستهلاكي الذي تؤطره الموضة لا يخضع لأي منطق أو معنى أو هدف ، والنتيجة أنه يتحول إلى غاية في حد ذاته و" عندما يتحول الاستهلاك إلى غاية يتحول إلى عقيدة ، واليوم تعيش البشرية مع طاغوت الموضة وآلتها الجهنمية الإشهار بمختلف طرقه، تعيش حالة من الصنمية وحالة من الاستصنام إزاء الاستهلاك ، تحولت الموضة كوسيلة للإغواء والإغراء للاستهلاك إلى قيمة مطلقة ، إلى إله يعبد من دون الله ، وهذا نوع من الشرك الخفي " (18).
ففي عالم اللباس صور غريبة وعجيبة لانحراف الذوق، لا يسعنا المقام أن نسردها وحسبك أن تنظر إلى حال الشباب اليوم لتطلع على حجم هذا الانحراف وهذا السلوك الفارغ من أي بعد قيمي. إن لباس المرأة ـ على سبيل المثال ـ الذي يخضع يوميا وموسميا لمعايير ومواصفات دندنها الوحيد هو الإثارة الجنسية ، حتى صرنا نرى من المرأة ـ مع كامل الأسف ـ ما لم يكن يراه زوجها وهي في خذرها ، إن في ذلك شرخ واضح ، وجرأة بينة على مقاييس الذوق الرفيع ، وإنه انحراف ذوقي يمكن أن نعتبر عنوانا للانحرافات الذوقية الأخرى ، وموجهها الفريد نحو المزيد من الضلال والتيه .
من النكت الشائعة على النساء في مجال قضية الاستهلاك المرضي الذي يدل على فساد الذوق ، أنهم يقولون : إن المرأة تشتري الشيء في السوق لأنه ليس أرخص منه والمرأة تغرى دائما برخص الأسعار ، أو لأنه ليس أغلى منه ، و المرأة تغرى دائما بالمفاخرة بأغلى الأسعار ، أو لأن جميع صديقاتها قد اشترينه فتريد هي أن لا يفوتها ذلك ، أو لأن لا إحداهن قد اشترينه فتريد أن تنفرد بذلك ، معنى ؛ أي منطق والمنطق المعاكس ، وهذه النكتة تبين أن الاستهلاك منطق اللامنطق ومعنى اللامعنى وغاية اللاغايات (19) .
وفي مجال الفن الذي يعكس ملامح التشكل الثقافي ويجسد الفكر الإنساني، نجد الفن الحديث عكس بشكله ومضمونه ورؤاه كل المعاني الآلية والضوضاء والقلق والذهول وضياع الإنسان... إلى آخر تلك المعاني التي تشكل الروح العامة لهذا لعصر، واتجه بثورته الجامحة ومفاهيمه الجديدة إلى الخصوصية والفردية المتطرفة التي قادت الفنان إلى مآل العبث والعدم والفوضى والفراغ ، وأدت هذه الحرية إلى تلك العشوائية والمجانية والخواء الذي اجتاح الإنتاج الفني ، والذي تفرغ معظمه من كل فكر ومضمون ، وخلا كثير منه من أي قيمة جمالية ، وهكذا حمل الفن الحديث أزمة الإنسان الحديث، وهكذا أصبح الفن صورة مجسدة من أزمة العصر الحديث (20).
لقد عبر عدد من النقاد بأقوال لاذعة ونعوت قاسية عن صدمتهم من هذه الأعمال الفنية المفجعة، فهذا لويس فوسيل يقول : " إنها وحوش نبشت أظفارها في الفن " وهذا مارسيل نيوكول يصرح بأن " هذه اللوحات أشبه بشطحات بربرية ساذجة لطفل يعبث بعلبة ألوان جاءته هدية يوم عيد ميلاده الأول " ، و لم يهذي كاميل موكلير في نعته الفـنانين بقوله " لقد قذف هؤلاء الفـنانون الجمهور بسطل من الألــوان " (21).
من العبث بالذوقيات أن يقوم الرسام أو النحات باستسهال مفضوح ، وجرأة نادرة ، متجاسرا على القيم الأخلاقية ، برسم المرأة والرجل، صورا داعرة مفضوحة، ويحرص أشد الحرص على إبراز ونقش الأعضاء التناسلية ، وتفاصيل جسد المرأة ، ثم يعرض لوحته في المزاد وتقدر بآلاف الدولارات كل ذلك تحت مسمى الفن.
إن البشرية لتقف على زاوية الانهيار الأخلاقي و القيمي بفعل الضلال الفكري والمنهجي الذي يعرفه الإنسان المعاصر الذي لا ينفك التوتر والارتباك عن سلوكاته وتصرفاته ، إلى مستوى أن صارت هذه التصرفات جنونية بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، واللبيب الذي لازالت فطرته سليمة لا يكاد ينكر هذا الانحراف والاعوجاج والتيه في أذواق ورغبات الناس ، إنه انحراف في الذوق الإنساني المشتـــرك والطبيعي تجـــاوز مسألة الخصوصـــــية و الفردانية ، فساد يدل على أن إنسان اليوم تحرر من كل المقومات والخصائص و السيمات التي تتشارك في تحديد معاني الأذواق .
أسباب وعوامل الانحراف
قبل محاولتنا تصنيف وتحليل بعض عوامل أزمة الذوق الإنساني ، يمكن إرجاعها إلى عامل رئيسي يتجلى في البعد عن المنهاج الذي رسمه الوحي الإلهي ، وسبق وأن أشرنا إلى أن تغير القيم إنما يكون بفعل الضلال الفكري والمنهجي ، قد يكون الذي يؤطر ذلك خلفيات و عقائد وفلسفات ومذاهب منحرفة ، وقد يكون باعث ذلك كله ؛ هوى النفس ، و هوس الشوق الذي لم يترك المترفين المهووسين ينعمون بكنز القناعة الذي لا يفنى ، ورحيق السعادة الذي لا يبلى ، " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ "(22) " وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " (23).
لقد رسم الوحي الإلهي معالم الرشد الإنساني، حيث حدد معايير وضوابط تحترم المفاهيم الكونية للجمال والخير الذي بها يهنئ الإنسان، وبذلك استقامت الأشواق ولم تضطرب الأذواق يوم كان الوحي هو الموجه للرغبات والضابط للحاجات، فسما بالأرواح إلى عالم السعادة التي عجزت الفلسفات المادية أن تسافر بها إليها ، ولما حادت البشرية اليوم عن هذه المعايير الرشيدة والمرشدة ـ التي سبق وأن اشرنا إليها ـ عاشت الفوضى والتيه ، ولأدل على هذا التيه في الأذواق المصحوب بالجشع المقيت سلوك الفرد الاستهلاكي اليوم الذي أفرغ الإنسان من كل شيء قيمي ، إلى أن صار هذا الأخير حيوانا اقتصاديا بامتياز لسان حاله يقول : « إنني أريد كل شيء لنفسي، وإنني أجد المتعة في الاقتناء وليس في المشاركة ، كما يعـني أنني يجب أكون جشعا ، لأنه إذا كان هدفي هو التملك ، فإنني أكون أكبر بقدر ما تزيد ملكيتي ، ويجب أن أشعر بأنني خصم للآخرين جميعا، لزبنائي الذين أريد أن أخدعهم ، ولمنافسي الذين أريد أن أقضي عليهم، وعمالي الذين أريد أن أستغلهم، وإنني لا يمكن أن أشبع ، لأنه لا حد لرغباتي ، وإنني لابد من أن أحسد من يملك أكثر مما أملك، وأخاف ممن يملك أقل » (24).
وإذا شئنا تصنيف بعض عوامل الانحراف والتيه في الأذواق يمكن استعراض العناصر التالية:
وسائل الإعلام المضللة : تسعى وسائل الإعلام اليوم بما تملكه من ترسانة معرفية وتقنية في توجيه وتضليل الرأي العام ، ويرتقي هذا التضليل رويدا رويدا ليطال مسألة الذوق الإنساني التي كانت بالأمس القريب من الأمور التي تدخل في الدائرة الحمراء التي لا يمكن اختراق صرحها لما تحمله من الاستقلالية و الفردانية التي يتمتع بها كل شخص، لكن اليوم استطاعت هذه الوسائل بما أتيته من سحر في جلب العقول ، أن تنبش فوق هذا الصرح وترن على وتر الذوق الإنساني ، ولا نجانب الصواب إذا قلنا أن جل الدعايات الإعلامية ، أول ما تستفز، هو هاجس الرغبة عند الإنسان التي صارت لا تقيدها قيود ، بغض الطرف عن مدى جدية المنتوج ، أو توافقه بالأحرى مع المعايير الأخلاقية والوظيفية والجمالية حتى ، وهذا ما انتهى إليه عدد من النقاد الغربيين الذين انتبهوا إلى خطورة الإعلام في توجيه الرأي العام (25).
طغيان الماديات : يشهد العالم اليوم موجة غير مسبوقة من طغيان الماديات ، وصارت المادة هي المعيار الوحيد والمحتكم الفريد في تثمين الأشياء وإعطائها قيمتها، و إن في طغيان الماديات الذي ولد حالة من الترف الفاحش الذي حاد بالإنسان عن نهج الاعتدال والتوازن في السلوك الاستهلاكي، أقوى العوامل التي ساهمت في انحراف الذوق الإنساني ، إن " الترف عنوان على الكفر بنعم الله تعالى، لأن المترف ينغمس في شهواته وملذاته ، وينسى حق الله تعالى في ماله فلا يشكره ، وقد جعل الله من سننه الكونية أن الترف إذا فشا في قوم وتمكن منهم كانت عاقبــــــتهم التدمـــير و الخراب وسوء المنقلب " (26) ، فكيف لشخص استحكمته المادة حتى أعمت بصيرته، و سحق الضلال ضياء فطرته، وأخذت بلبه شهوات الدنيا الفانية، أن يستقيم سوقه أو يسمو ذوقه ، وترتقي روحه إلى مقام الصفاء والنقاء الذي يتركه الزهد في الدنيا والقناعة بما وجد منها ؟
إن عالم اليوم " بحاجة إلى ثقافة روحية، هذا العالم المادي الذي كان تحت تأثير اعتقاد جازم بأنه بتقدمه المادي المطرد قد بلغ مرتبة الكمال، ولكن أحداث الثلاثين عاما الأخيرة قد بدلت هذا الاعتقاد. فالرقي المادي الذي وصلنا إليه في هذا القرن لم يؤت ثمرته الفعلية من إسعاد الناس بل على العكس جلب التعاسة والخراب " (27).
وارتباطا بطغيان المادة وأثرها في انحراف الذوق الإنساني، ثمة وجود عامل آخر من إفرازات ونتائج الأول وهو :
كثرة المغريات : يشهد العالم اليوم شططا غير مسبوق في الإنتاج والتسويق ، حيث تجاوز حجم العرض مسألة الطلب ، وأضيفت عوامل مثيرة زينت المنتجات ، وجلبت الأنظار إليها ، رغــم الاكتـــــفاء وضــــعف الحاجة ، " وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ " (28). إن مشروبا يسبب الغازات ، ويزيد البطنة ، ويضر بالأمعاء، يعرض في قالب يجعل الشخص يشعر بالظمأ فينقاد إليه طواعية ، ويكون الإنسان مصابا بالتخمة فيشاهد منتوجا فيأخذه الجوع الشديد ... إنه منطق الرغبات الكاذبة والزائفة التي يريد أباطرتها أن يجعلوا من الإنسان حيوانا مسعورا كلما شاهد منتوجا سال ريقه، وطاش عقله .
ضعف التربية الأسرية: إن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الأبناء القيم و يتشربوها من خلالها، ولقد أولى الإسلام عناية فائقة بالأسرة بدء بمعايير اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة ، ومرورا بحقوق الزوجين وحقوق الأطفال ، ولعل أبرز هذه الحقوق حق الطفل في التربية الحسنة و التوجيه الرشيد ، لكن اليوم بدأ دور الأسرة يتراجع ، وتخلى الأبوان عن مسؤوليتهم الجسيمة في توجيه الأبناء ، فكان ذلك من أهم عوامل انحراف سلوكاتهم التي استلهمت من وسائل الإعلام قيم الانحلال ، والمجون ، والجشع ... وغيرها من ملامح تيه الإنسان المعاصر.
المؤسسات التربوية : تتحمل المؤسسات التربوية مسؤولية عظمى في هذا الانحراف الذي صار سمة مألوفة يعرفها العالم الحديث ، وإذا سبق وأشرنا بأن الذوق قيمة بدونها لا يستقيم صرح المنظومة القيمية ، فإن المؤسسات التربوية هي الحارسة الأولى لهذه القيم ، وعندما تغيب القيم الموجهة للفعل التربوي ، تفقد العملية التربوية بريقها ، وتتعطل حيويتها ، وعوض أن تنتج ناشئة ، رشيدة ، ملتزمة ، قادرة على العطاء الاجـــتماعي و التأثـــير الحضـــاري و التاريخي لهذه الأمة ، تفرخ لجيل مدجَّن ثقافيا ، وفارغ روحيا ، و منفصم حضاريا ، تستحوذ عليه الميوعة ، وتأخذ بتلابيبه إفرازات عولمة القيم وخطابها الذي لا ينفك يتمحور حول ثنائية الجنس والعنف ، فيتأثر بها ويتخذها خيارا حضاريا لمواكبة العصر و الحياة ، فلا يقوى بعد ذلك بسبب ضعف التحصين الثقافي أن ينفك من براثين هذه الإفرازات التي ربما قد تؤدي به في آخر المطاف إلى انتحار حضاري.
على سبيل الارتقاء بالذوق الإنساني
بناء على ما سبق وعرض من بعض مظاهر تيه الأذواق، التي أهوت بالإنسان إلى مستنقع الشهوات الموجهة من طرف الرغبات الزائفة، نخلص إلى كون هذه القضية لتعتبر مشكلة إنسانية مشتركة ، لأنها ترتبط ببعد من أثقل الأبعاد التي تشكل الوجود الإنساني ، ألا وهو البعد القيمي ـ الأخلاقي ، الذي يعطي للإنسان معنى ، كما أن إفراغ الإنسان من القيم لا يبقي له معنى . إنها معضلة أخلاقية تتطلب انتباهة سريعة ويقظة قوية ، من أجل إعادة الاعتبار إلى إنسانية الإنسان التي عبث بها الماديون والإباحيون ، الذين بأراجيفهم المتهافتة جعلوا الإنسان مفعولا به وليس فاعلا رشيدا ، وهم يظنون أنهم على سبيل الرشد سالكون ، وبالأذواق الإنسانية مرتفعون .
إن إنسان اليوم هو في أمس الحاجة من أي وقت مضى إلى هاتف الفطرة ، وخطاب العقل ، ومفتاح البصيرة الذي يخلخل كيانه من جديد، ويجعله ينتفض ويستفيق من سباته العميق الذي أرقده ردحا من الزمان ، حتى انطفأت جذوة إيمانه ، فصار يرى الدنيا وزينتها أكبر همه ومبلغ علمه ، يحتاج إلى من يعيد صياغة تصرفاته من جديد، إلى التوجيه الصحيح والسليم الذي به تستقيم أذواقه وحاجاته ورغباته ، عساه ينتشل من براثين التيه الذي تعرفه البشرية.
إن خطاب الوحي الذي احتضنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليعتبر المصدر العذب ، والمورد الصافي ، و المرجع الأسمى في اقتراح الوصفات العلاجية التي بها ترتقي الأذاوق ، وحتى لو ترك الإنسان لوحده فبتأمل عميق في كتاب الله المنظور ـ الوجود الكوني ، كاف بأن يعيد الإنسان إلى رشده وتؤدته ، ونحسب أن محاولتنا في تحديد بعض المعايير التي بها تنضبط الأذواق ، من مراعاة للمعايير الجمالية والأخلاقية ، والرمزية ، والوظيفية ... ومن توافق مع الفطرة والعقل ... و غيرها من المفاهيم الشرعية والكونية ، كافية في تحديد معالم الارتقاء من جديد .
إنها دعوة إلى تصحيح المسار ، من أجل ولادة إنسانية جديدة ، تقوم على أنقاض الانحرافات الذوقية المعاصرة ، فإذا عجزت التجربة الغربية على إعادة صياغة الإنسان ، وتقويم تصرفاته التي بلغت بطيشها مقاما العدمية التي حكم بها على الإنسان ، حتى أعلن عقلاء الغرب من فلاسفتها ومفكريها ومنظريها ، على موت الإنسان (29) بعد إعلانهم عن موت الإله ، فإن التجربة الإسلامية ، تنضح بالأمل ، وتعتبره عنوانا لارتفاع الإنسان من جديد ، لا تسلمه لليأس ، ولا تخضعه للفشل، فثمة سبل كفيلة لإعــــادة الارتقاء بالذوق الإنساني الذي ارتضـــــته رســــــالة الإســــــــلام، يقول ربــنا سبــحانه : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (30) .
الهوامش :
* الإجازة في الدراسات الإسلامية ، حاصل على شهادة الأهلية التربوية ، يعمل حاليا مدرسا لمادة التربية الإسلامية بالمملكة المغربية.
1. عباس السيسي، الذوق سلوك الروح ، ص : 4.
2. ينظر كتاب : الرسول المعلم وبعض أساليبه في التعليم ، عبد الفتاح أبو غدة.
3. سورة الأعراف ، الآية : 30.
4. سورة ق ، الآيات : 6 ـ 7 ـ 8 .
5. سورة النحل ، الآيات : 4 ـ 8 .
6. د عفيف البهنسي : المدلولات الروحية في عمارة المساجد ، مجلة عالم الفكر ، المجلد 31 ، 2 أكتوبر ـ ديسمبر ، ص 119 .
7. نفسه ، ص 118.
8. أبو إسحاق الشاطبي ، الموافقات ، المكتبة التوفيقة ، ص :9 ، ج :2 .
9. عفيف عبد الفتاح طبارة ، روح الصلاة في الإسلام ، نقلا عن تاريخ العرب ، دار العلم للملايين ، ط : 23، 2006، ص : 154.
10. د : فــريد الأنصاري ، سيـــماء المـــرأة فــي الإســـــلام بين النفـــس والصورة ، سلـــسلة اخـــترت لكم ـ 16 ـ ، منشورات ألوان مغربية ، الطبعة الأولى 1424ـ2003، ص : 41.
11. سورة الأعراف ، الآية :25.
12. د : فريد الأنصاري ، نفس المرجع السابق، ص : 54 .
13. أورد د : حنفي محمود مدبولي في بحثه " الخطر في تغيير الفطر بين جنون البقر وجنون البشر " ....أن قبائل البابوا في غينيا الجديدة في أستراليا يأكلون الإنسان الذي يموت عندهم ظنا منهم أنهم يخلدونه بذلك ، فيقوم الرجال بأكل العضلات ، والنساء والأطفال بأكل المخ والحبل الشوكي ، وهو ما أدى إلى ظهور مرض خطير يدعى كورو يصيب الإنسان بشلل في الأطراف مع رعشة يصاحبها نوع من الضحك الهيستيري .
14. هذه العبارة مستوحاة من عنوان لكتيب صغير : " الذوق سلوك الروح " لعباس السيسي ، مرجع سابق.
15. سورة المائدة ، الآية : 30.
16. سورة هود ، الآية : 78 .
17. سورة الأعراف ، الآيات : 80ـ 81.
18. د المقرئ الإدريسي أبو زيد من خلال محاضــرة التاريخية : المــوضة و الاستيلاب الحضاري ، والتي اندرجت ضمن سلسلة أحاديثــه إلى الشباب ، نونبر 2003.
19. نفس المرجع السابق .
20. د: إيناس حسني ، التلامس الحضاري الإسلامي ـ الأوروبي ، سلسلة عالم المعرفة العدد 366 أغسطس 2009.ص 133 ـ 136 .
21. نفس المرجع السابق ، ص : 181.
22. سورة الجاثية ، الآية : 22.
23. سورة طه ، الآية : 123.
24. الدكتور عبد الله معصر ، ضوابط حماية المستهلك من منظور الاقتصاد الإسلامي ، نقلا عن إريك فروم : الإنسان بين الجوهر والمظهر ، الطبعة الأولى 2003، مطبعة آنفو برانت ، ص : 55.
25. من أمثال هؤلاء هلبرت تشللر من خلال كتابه القيم : المتلاعبون بالعقول ، وجيلي ماندر من خلال كتابه : أربع منـاقشات لإلغاء التـلفـزيون ، و فيليب تاليور من خلال كتابه قصف العقول ، ترجمة سامي خشبة ، سلسلة عالم المعرفة العدد 256، وغيرهم كثير.
26. د . عبد الله معصر ، ضوابط حماية المستهلك من منظور الاقتصاد الإسلامي ، مرجع سابق ، ص : 65.
27. عفيف عبد الفتاح طبارة ، روح الدين الإسلامي ، دار العلم للملايين ، ط 25 ، 1985 ، ص: 159.
28. سورة النمل ، الآية : 24.
29. ينظر كتاب مـوت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر للدكتور عبد الرزاق الدواي ، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت. الطبعة الأولى 1992.
30. سورة الزمر ، الآية : 52.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 1398
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا