الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
الارتباط بالله في الشدّة والرخاء

2018/12/28 | الکاتب : عمار كاظم


قال تعالى في محكم كتابه: (وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ)، فكأنّه لم يبتهل إلى الله (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (يونس/ 12). الله (عزّ وجلّ) يريد أن يقول للإنسان إن عليك أن تذكر الله وترتبط به وتبتهل إليه وتخشع له وتطيعه في حالي الرخاء والشدّة، فعندما أزال الله الضرّ عنه تحرّك في دروب الضلال والإسراف على نفسه عندما نسي ربّه. (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ) أي أعطيناهم الغنى بعد الفقر، وأعطيناهم الصحّة بعد المرض والأمن بعد الخوف (إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا) أي إنّهم يحاولون التحرّك في التدبير الخفيّ الذي يستبطن المكر والمعصية (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) (يونس/ 21). فإذا كنتم تتجبرون وتصنعون الحيلة بعد الحيلة، فإنّ الله هو المهيمن على الأمر كلّه وهو القادر على تحريك كلّ الوسائل في الدُّنيا والآخرة. فالعبرة في النتائج وليست في المكر الذي تصنعه، ذلك أنّ الله أسرع مكراً عندما يبتليك في الدُّنيا، والآخرة هي نهاية المطاف. ولكنّ الله عادل حليم، كما ورد في دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام): «وقد علمت أنّه ليس في حكمك ظلم ولا في نقمتك عجلة إنّما يعجل مَن يخاف الموت». فإلى أين تذهب، حتى لو صعدت إلى آفاق السماء ونزلت إلى أعماق الأرض، فآخر أمرك (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) (ق/ 19). (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) (يونس/ 21). وستحاسبون على ذلك ثمّ أنّ الله بعد ذلك يعطي المصداق (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) كما لو أحاط الاعداء بالإنسان من كلّ جانب فلا يستطيع الدفاع عن نفسه (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (يونس/ 22). سنؤكّد الشكر العملي بعبادتنا لك وطاعتك والسير فيما تريده لنا (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (يونس/ 23). وفي غير الاتجاه الصحيح (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (يونس/ 23). اعمل ما تشاء ولكن إلى أين؟ إنّك مُقبل على ربّك وسيرتد عليك سلباً ما قمت به من بغي ضد نفسك وضد الرسالة وضد الناس لأنّك ستواجه الله (عزّ وجلّ) فينبئك بما كنت تعمل. وفي آية أخرى (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا). فهناك نِعمة استحالت إلى نقمة، وهنا رحمة كانت موجودة ثمّ نزعت (مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) (هود/ 9). أي أنّه لا يعتبر أنّ هذه الحالة الطارئة قد يختبر الله الإنسان بها ولكنّه ييئس ويكفر بربّه (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) أي أعطيناه الصحّة بعد المرض (لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) ولا يذكر ربّه (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) (هود/ 10). فرح بما حدث وفخور كناية عن إنّه لا يعيش وعي ما أفاض الله عليه من ذلك: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ). أي فكّر في النِّعَم التي تحيط بك عندما تأكل وتشرب وتتلذذ وترتاح وتنام وتستيقظ، واقرنها بذكر الله لأنّ هذه النِّعَم هي من الله (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل/ 53). أي تصرخون، فأنتم لا تذكرون نِعَم الله في الرخاء والحالات الطبيعية، بل في حالة الضرّ فقط (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ). وزال المرض أو الخوف عنكم (إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (النحل/ 54).

(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ) كما في الحالة التي وصفها القرآن (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ). فالآية استدلت كدليل على أنّ الإيمان بالله ينطلق من عمق الفطرة. فللإمام الصادق (عليه السلام) حديث في هذا المضمون أراد من خلاله أن يثبت أنّ الإنسان يتجه بفطرته إلى الله في وقت الشدّة حيث لا مُعين ولا مُنجي غيره، حيث قال لأحد أصحابه مدللاً على وجود الله: «هل حدث أن كنت في البحر وكسرت السفينة بك وليست هناك أرض تقف عليها ولا أمل في النجاة؟»، قال: نعم، قال: «هل تعلّق قلبك بشيء ينجيك؟»، قال: بلى، قال: «ذلك هو الله».. فالإنسان يندفع إلى الله في مثل هذه الدلالات من عمق فطرته (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) عن الله وعن طاعته وعبادته (وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا) (الإسراء/ 67).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 166
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 التآخي الوطني والتعايش الاجتماعي
 تعالوا ننشر ثقافة المحبّة والسلام
 تقوى القلوب
 الدرجات العليا من الصبر
 العقل.. ميزان اليقين ومصنع السعادة
 المفهوم الإيجابي للهجرة
 الإسلام غايته السلام العالمي
 الإمام الصادق (عليه السلام).. مصدر القيم الإنسانية
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا