الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
النظرة القرآنية للحياة الإنسانية

2019/01/03 | الکاتب : عمار كاظم


قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء/ 30). لعلّ البعض يخلط بين نظرة القرآن إلى الدُّنيا ونظرته إلى الحياة الإنسانية في هذه الدار الدُّنيا، فهو إذ قلّل من شأن الدُّنيا معتبراً إيّاها دار ممرّ إلى الآخرة ومحلّ ابتلاء للإنسان رفعَ من قيمة الحياة الإنسانية فيها إلى حدّ القداسة بحيث شكّلت النظرة القرآنية لمفهوم الحياة الإنسانية مدخلاً أساسياً لتصحيح مسيرة الإنسان والارتقاء بدوره الذي أوكل إليه ليحقّق الإرادة الإلهيّة، وليبتعد عن كلّ ما يسلب الإنسان حياته أو يعكّرها ويسلبه جمالها ورقيّها.

لاشكّ أنّ أي خلل في نظرة الإنسان لمعنى الحياة سوف ينعكس على سلوكه وأفعاله ومختلف تصرّفاته وإنجازاته، ولذلك سعى القرآن الكريم لتصحيح هذا المفهوم وتأصيله في الثقافة والفكر الإنساني ليقوم المجتمع بقيم الحياة وفق نظرة جديدة لا تقتصر على الإدراكات والمحسوسات التي تحيط بنا، بل تتعدّاها إلى ما هو أكثر سعةً ورحابةً بحيث تشمل كافّة الأبعاد الحقيقية للإنسان، فالحياة نبض وجود الإنسان على الأرض ومن دونها فمثله كمثل الأموات. وحقيقة الحياة في مدرسة الإمام عليّ (عليه السلام) ليست في بُعدها المعيشيّ بل بمقدار ارتباط المرء بربّه، فيقول: «لا حياة إلّا بالدين، ولا موت إلّا بجحود اليقين، فاشربوا العذب الفرات، ينبّهكم من نومة السبات، وإيّاكم والسمائم المهلكات».

وتتحقّق الحياة الإنسانية بتوحيد المرء لربّه فهو أعلى درجات الارتباط بالله تعالى، وهو السبيل إلى خلاصه وانعتاقه من قيود الشهوات والرذيلة، ولذلك ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام): «التوحيد حياة النفس». وكذلك بالذكر الجميل فعن الإمام عليّ (عليه السلام): «الذكر الجميل إحدى الحياتين». وبالعلم يطرد الإنسان حياة الجاهلية التي هي شكل من أشكال موت الإنسان، هذا الموت الذي جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليرفعه عن البشرية وليستبدل به حياةً حقيقية، فعن الإمام عليّ (عليه السلام): «العلم إحدى الحياتين». وعنه (عليه السلام): «اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة».

كما أنّ الهداية للإنسان على طريق الصواب هو الحياة بعينها كما قال تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة/ 32). عن الإمام الصادق (عليه السلام) – لمّا سُئل عن الآية – قال: «مَن أخرجها من ضلال إلى هدى فكأنّما أحياها، ومَن أخرجها من هدى إلى ضلال فقد قتلها». وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضاً: «من حَرقٍ أو غَرقٍ، قلت: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟ قال: ذاك تأويلها الأعظم».

عن الإمام عليّ (عليه السلام): «اعلموا أنّه ليس من شيء إلّا ويكاد صاحبه يشبع منه ويملّه، إلّا الحياة فإنّه لا يجد في الموت راحة، وإنّما ذلك بمنزلة الحكمة التي هي حياة للقلب الميت، وبصر للعين العمياء، وسمع للأذن الصمّاء، وريّ للظمآن، وفيها الغنى كلّه والسلامة». فكما أنّ الإنسان يرفع ظمأه بالماء فكذلك يرفع ظمأ حاجاته المعنوية بالحكمة فتضفي على وجوده معنىً آخر وقيمةً أخرى. وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «طعم الماء الحياة».

نعم للحياة أهميّة وقيمة، قال تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة/ 32). ولا يقوم القرآن بالتأصيل لقيم الحياة فحسب، وإنّما يسنّ القوانين والأحكام لحفظ هذه القيم، فينهى عن مساس بهذه الحياة مشدِّداً على قداستها ويؤسِّس للعديد من القيم والقواعد التي يستهدف من خلالها الحفاظ على الحياة كقاعدة «دم المسلم لا يذهب هدراً»، وقاعدة «كلّ عضو يقتص منه مع وجوده وتؤخذ الدية عند فقده»، وغيرها من القواعد الفقهية التي صان فيها الدِّين الإسلامي حُرمة الحياة الإنسانية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 151
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 التآخي الوطني والتعايش الاجتماعي
 تعالوا ننشر ثقافة المحبّة والسلام
 تقوى القلوب
 الدرجات العليا من الصبر
 العقل.. ميزان اليقين ومصنع السعادة
 المفهوم الإيجابي للهجرة
 الإسلام غايته السلام العالمي
 الإمام الصادق (عليه السلام).. مصدر القيم الإنسانية
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا