الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحاجة الإنسانية لثقافة الحوار

2019/01/15 | الکاتب : عمار كاظم


الحوار تعبير عن قيمة عظيمة، بل القيمة الكبرى في التكوين الأساسي للإنسان والبشرية، الفطرة، فالدِّين هو الفطرة، قال تعالى: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) (الروم/ 30)... فطرة الله هذه، دين الإنسانية هذا، تكرر ذكره في الكُتُب السماوية فحمل تعابير متنوّعة وكلّها هي الحوار. فالدِّين هو الحوار، يقول عزّ وجل: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة/ 256). والحوار هو الدِّين: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125)، وقد وردت مادّة حوار في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا) (الكهف/ 34). (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف/ 37). (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة/ 1). إنّه وسيلة للتخاطب والتفاهم حول قضايا تهمّ الجميع للوصول إلى تفاهماتٍ حول قضية معيّنة، وهو أسلوب حضاري يعمل على إحداث نقلة نوعية في عقلية البشر وأسلوب تعاملهم مع الأحداث والمستجدات. إنّه أسلوب يضيء مناطق خفيّة، ويجعل الإنسان يكتشف الآخر، في كلّ ما يفكِّر به أو يشعر به، أو في أغلب ما يفكِّر به أو يشعر به. إنّ الحوار يمنحك الوضوح في نظرتك إلى الإنسان الآخر، ويمنح الآخر الوضوح في نظرته إليك، لذلك فالحوار ضرورة حياتية اجتماعية بكلّ أبعادها.

يقول ابن خلدون في مقدّمته: «إنّ الإنسان اجتماعي بطبعه»، وهذا يعني أنّ الانسان فطر على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين فهو لا يقدر على العيش وحيداً بمعزل عنهم مهما توفّرت له سُبُل الراحة والرفاهية، لذلك يجب على الإنسان حتى يتفادى الأحكام المسبقة وسوء الفهم الناتج عن عدم الوعي بمواقف الآخرين وغياب الرؤية الحقيقة لديهم، وأن يقترب من بعضه البعض من خلال حبّ الاطلاع والمشاركة الوجدانية ونقل المعرفة، ولكي نقضي على العنف ولكي نبني نهضة جديرة بنا يجب علينا أن نتعاون في بناء مجتمع يحترم قيم الحوار ومبدأ الرأي والرأي الآخر.

لابدّ للحوار من مُناخ يعيش فيه، كي يتحوّل إلى عملية منتجة، بدلاً من أن يكون عملاً ضيِّقاً عقيماً في الشكل والمضمون. وقد أراد الله تعالى أن يُوجد القاعدة الأساسية لهذا المُناخ، بالتخطيط العملي لتوفير الخصائص الضرورية لذلك، وفي مقدّمتها، شخصية المحاور الذي يقود عملية الحوار ويتبناها وشخصية الطرف الثاني للحوار، حيث الحالة النفسية التي تعيش مع الحوار في طريق المعرفة والإيمان، لا في الجدل العقيم.

إنّ الحوار بصفة عامّة ضرورة حضارية، وعلى العموم فإنّ عصرنا هو عصر الحوار بدون قيد ولا شرط. ولذلك فلابدّ من فتح النوافذ وإقامة جسور الحوار بين الأطراف المختلفة، فهو البلسم الشافي للصراع بين أصحاب التوجهات والمشارب المختلفة، قال تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125). ولا يمكن أن تتحقّق التنمية والازدهار في أي مجتمع من مجتمعات العالم من دون أن تترسخ ثقافة الحوار وروح التسامح والتنوّع الفكري في نفوس هذا المجتمع. لذلك لكي نضمن الخروج من الكارثة التي حلت بنا بأقل تكلفة وبأسرع وقت ممكن من الضروري أن نبدأ فوراً في إرساء قواعد أخلاقية جديدة في مجتمعنا تقوم على الاحترام المتبادل وحل الخلافات عبر آليات الحوار والتفاهم.

للحوار في الواقع إيجابيات عديدة في حياة البشر لكونها دعوة ربّانية من الله - سبحانه وتعالى- لأنبيائه وعباده جميعاً: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة/ 83)، وإذا كان الخالق عزّوجلّ قد حاور إبليس وهو الذي خالف أمره عندما طلب منه تعالى أن يسجد لآدم وعصى ربّه، فلذلك حكمة بليغة للبشرية جميعها في مسألة الحوار وضروراته. ومن هنا، فلا شكّ أنّ للحوار ثمرات عظيمة للبشرية، لأنّها دعوة - جاءت - من خالق البشر، وهو العارف بقلوبهم وعقولهم ونفسيّاتهم، وقد أثمرت الكثير من الحوارات عبر التاريخ الإنساني في مجال الدعوة والتربية والثقافة في إجلاء الكثير من الحقائق والتبصير بها والاهتداء للحقّ والصواب، وإيجاد المؤمن الصالح والمتواضع والمتوازن في حياته، وأوجدت المثقف المنفتح المبدع والمعرفة الحقّة والكلمة الصادقة النافعة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الكلمة الطيِّبة صدقة».. فتصدقوا لإرساء هذا المفهوم الذي هو من أهم أسباب سعادة البشرية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 185
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين
 السعي لبناء مجتمع خير وصلاح
 مرحلة الشباب.. فرصة لتهذيب النفس وإصلاحها
 شكر الله تعالى على نِعَمه الدائمة
 إكرام كبار السنّ
 قاعدة الأخلاق السوية
 غزوة حنين ومعاني الثبات والاستقامة
 المودّة والرحمة الأساس في بناء الكيان الأُسري
 البيئة.. رؤية إسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا