الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
مجتمع الرحمة والتسامح

2019/02/19 | الکاتب : عمار كاظم


قضية الرحمة في الإسلام هي من القضايا القيميّة الممتدّة في كلّ جوانب الحياة، ونحن نعرف أنّ الرسالة كلّها، والرُّسل كلّهم، هم رحمة للعالمين، من وصايا الإمام الكاظم «عليه السلام» لتلميذه هشام بن الحكم: «يا هشام، مكتوب في الإنجيل: طوبى للمتراحمين، أُولئك هم المرحومون يوم القيامة»؛ أي هؤلاء الذين يعيشون في مجتمعاتهم ليرحم بعضهم بعضاً. كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/ 107)، هم رحمةٌ في الخُلُق، وفي القيمة، وفي الأسلوب الذي يلين فيه القلب، ويلين فيه اللسان، وقد قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران/ 159).

تعدّ الرحمة والتسامح من الصفات النبيلة التي تعزز الترابط بين أفراد المجتمع وتساعد على نشر المحبّة بين الناس، حيث ينعكس أثره على حياة الفرد والمجتمع ويبرز من خلاله العديد من الدلالات التي تلامس قلوب البشر فينغرس فيها الاحترام والمودّة، ويظهر هذا المفهوم في الكثير من المجالات منها: قبول الناس لبعضهم بعضاً، وقدرتهم على التعايش فيما بينهم في ضوء اختلافاتهم.

ورسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان نموذجاً حيّاً للتسامح والعفو والمغفرة والرحمة ففي يوم فتح مكّة قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوم مكّة الذين آذوه وحاربوه وأخرجوه من داره: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». ورُوِي أنّه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان ويرفع الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله... قال صلى الله عليه وآله وسلم: تحلُم على مَن جهل عليك، وتعفو عمّن ظلمك، وتُعطي مَن حرمك، وتصل مَن قطعك».

الإنسان القادر على الرحمة بمجتمعه والتسامح معهم والتركيز على إيجابيات مَن حوله بدلاً من السلبيات والذي ينظر إلى مَن حوله بعين النحلة التي تنظر دائماً إلى العسل.. فالنتيجة هي الحصول على مغفرة ورحمة خاصّة من ربّ العباد. وقد دعانا الله تعالى كمجتمع مسلم إلى العفو والتسامح والصفح. فيقول عزّ مَن قائل: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن/ 14).

إنّ المعاملة بالرفق واللين والقدرة على التعامل بالفضل والإحسان والقدرة على نسيان الإساءة وتلمس طرق الإصلاح...هي أخلاق نبيلة وصفات حميدة لأصحاب عقول وقلوب كبيرة أفاض الله تعالى عليهم برحمته وإحسانه ورزقهم السعة في الصدر والمقدرة على الغفران. وللتسامح والرحمة آثار نفسية إيجابية على الفرد المسلم؛ فالشخص الذي يتسامح ويرحم مع نفسه ومع مَن حوله ومع أفراد أُسرته ومجتمعه هو شخص سعيد إيجابي لا ضغينة في صدره لأحد. إنّ سلامة الصدر لها فوائد ومزايا عظيمة وآثار حسنة في الدُّنيا والآخرة من أعظمها حصول التحاب والتواد بين المسلمين، ودفع العداوة والبغضاء بينهم، وتقوية الأواصر والعلاقات الإنسانية، والقضاء والتضييق على أسباب الفرقة والخلاف.

أن ترحم الإنسان الآخر، بأن ترحم عقله، لتخاطبه بمستوى عقله، وأن ترحم قلبه، لتفهم طبيعة التعقيدات والهموم أو الأحزان التي تعيش في قلبه، وأن ترحم واقعه، فتقدّر ظروفه في حركة الواقع، كما أنّك ترحمه لتشفق عليه، وتساعده، وتضمّد جراحه، وتخفّف آلامه. ولذلك فإنّ كلمة «الرحمة» هي الكلمة التي تدخل في مفاصل علاقات المجتمع بعضه مع بعض، والله سبحانه وتعالى يريد للمجتمع أن يرتكز على أساس الرحمة، ليكون المجتمع هو المجتمع المتراحم فيما بين أفراده لنصل للمفهوم الأوسع والأشمل وهو العدل المجتمعي.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 172
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين
 السعي لبناء مجتمع خير وصلاح
 مرحلة الشباب.. فرصة لتهذيب النفس وإصلاحها
 شكر الله تعالى على نِعَمه الدائمة
 إكرام كبار السنّ
 قاعدة الأخلاق السوية
 غزوة حنين ومعاني الثبات والاستقامة
 المودّة والرحمة الأساس في بناء الكيان الأُسري
 البيئة.. رؤية إسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا