الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الزاد الروحي في شهر رجب

2019/03/08 | الکاتب : عمار كاظم


من الأشهر التي اصطفاها الله شهر رجب؛ هذا الشهر الذي نسأل الله أن يوفّقنا فيه لنيل فيوضات الرحمة الإلهيّة فيه. فقد ورد في هذا الشهر استحباب قراءة الكثير من الأذكار والأدعية والصوم التي تساهم في تحقيق هذه الغاية وتؤدِّي إليها.. وهذا الاستحباب ليس لقراءة هذه الأدعية ككلمات لا تخرج من القلب، وإنّما الاستحباب لما تحتويه هذه الأدعية من مضامين روحية وتربوية للفرد المؤمن. إنّ صوم شهر رجب الحرام يزيدنا قوّة روحية إضافية في هجرنا لنزواتنا وشهواتنا، التي تحبط أعمالنا، بحيث يشكّل الصوم مناسبة حتى نعود إلى الله عودة محمودة، فيها كلّ العهد على التزام الحقّ، والإقلاع عن المحرَّمات التي تفسد أخلاقنا وتوقعنا في شباك الشيطان، كما أنّ الاستغفار والتسبيح ممّا يليّن القلوب، ويجعلها تلهج بذكر الله؛ هذا الذِّكر وهذا التسبيح اللذان يرفعان عن الإنسان الغشاوة، ويجعلانه يستشعر الأنس بالقرب من الله تعالى، وطلب التوبة يعكس أيضاً مدى إرادة المرء في الانقطاع لله، والابتعاد عن أماكن سخطه، فهو لذلك يظهر مقدار جديّته وعزيمته في نبذ كلّ مظاهر الفساد والانحراف. كثير منّا يكتسب الذنوب ويعيش الغفلة، فيأتي الصوم حتى يدرّب نفس الإنسان على الصبر والإحساس بالآخرين، ويهذب المشاعر حتى تتوجه إلى الله وحده، فتعيش الأنس به، وتترفع عن الصغائر وتهجر الرذائل. فلنجرب في صومنا في رجب هجران الذنوب، وتهذيب مشاعرنا، وتقوية إرادتنا، وتدريب أنفُسنا على التزام الحقّ في الموقف والسلوك، فإذا صمنا، فلتصم جوارحنا ومشاعرنا عن الانحراف، ولنتذوّق ثمرة الصيام في عودتنا إلى الله تعالى.

لهذا الشهر حرمته - كما ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - في صيامه وقيامه، فعن عبدالله بن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا جاء شهر رجب جمع المسلمين من حوله وقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر مَن كان قبله من الأنبياء فصلّى عليهم، ثمّ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّها المسلمون، قد أظلّكم شهر عظيم مبارك وهو الشهر الأصبّ - وقد سُمّي بالأصبّ لأنّ الله يصبّ فيه رحمته على عباده - يصبّ فيه الرحمة على مَن عَبَدَه، إلّا عبداً مشركاً أو مظهر بدعة في الإسلام.. مَن صام يوماً واحداً في رجب أُمن من الفزع الأكبر وأُجير من النار.. شهر رجب هو شهر عظيم الخير..». وفي «ثواب الأعمال» قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا إنّ رجب شهر الله الأصمّ، وهو شهر عظيم، وإنّما سُمّي الأصمّ لأنّه لا يقاربه شهر من الشهور حرمة وفضلاً عند الله، وكان أهل الجاهلية يعظّمونه في جاهليتهم، فلما جاء الإسلام لم يزده إلّا تعظيماً وفضلاً، ألا وإنّ رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أُمّتي، ألا ومَن صام من رجب إيماناً واحتساباً استوجب رضوان الله الأكبر، وأطفأ صومه في ذلك اليوم غضب الله، وأغلق عنه باباً من أبواب النار». وقد ورد في الحديث: «رجب شهر الاستغفار لأُمّتي، فاكثروا فيه من الاستغفار فإنّه غفورٌ رحيمٌ».

أمّا التصدق وفعل الخيرات وإعانة الفقير والمحتاج، فمن الأعمال التي تزيد الإنسان سمواً روحياً، وتجعله يشعر بروحانية عالية تفتح آفاقه على مزيد من المشاركة في الشعور تجاه مجتمعه، وعلى أنّه عضو فاعل فيه يتحمّل واجباته، ويسعى كي يقوم بما عليه حتى ينفع غيره بكلّ صدق وإخلاص لله تعالى. ومن الأُمور التي يستحبّ الإكثار منها والتفرغ لها، مهما أمكن لها من مجال، محاسبة الذات، والتأمّل في تصرّفاتها، وما أسلفت من أعمال ومواقف، كي تعيد النظر فيها، وتصحّح ما اعوجّ منها وجعلها أكثر صحّة وامتثالاً لأمر الله تعالى. كما ويستحبّ زيارة الأرحام والتواصي خيراً بهم وبالمؤمنين، والتزاور بين الناس، وتعزيز الروابط الاجتماعية والإنسانية، بما يرضاه الله تعالى من حُسن التعاون والتكافل والتعارف والتراحم. فالتواصل والتزاور بين الأرحام تيعطينا إحساساً عالياً بالرابط الإنساني والأخلاقي، وينعكس مزيداً من الروحانية والسكينة والألفة.

إذاً شهر الله لابدّ وأن نعمره بالمشاعر الروحية الطيِّبة والزكية التي تنظف صدورنا من الغل والعصبيات والأحقاد. إنّ الفرصة متاحة للجميع كي يحسنوا إحياء شهر الله بكلّ ما يحقّق لهم ذواتهم الأصيلة التي تجذّر الإيمان في النفوس، وتجعله أكثر حضوراً وفاعلية وتأثيراً في الحياة الخاصّة والعامّة. وعندما نتحدّث عن الاستغفار في هذا الشهر الشريف، فإنّنا لا نريد منه الاستغفار باللسان فقط، بل بإجراء الإنسان مراجعة لماضيه السيِّئ وتقصيره، للبدء بمرحلة جديدة هي أفضل في العلاقة بالله وبنفسه ومع الآخرين. والتزوّد من البرنامج التربوي والروحي والإيماني الذي أُعِدّ لهذا الشهر. فقد ورد في برنامج هذا الشهر، الحثّ على صيامه كلّه، أو صيام جزء منه، والانفتاح على كلّ الوسائل التي تقرّبنا من الله تعالى من خلال الاستغفار والذِّكر والأدعية.. فهي خير وسيلة.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 269
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 ابتسم وتسامح
 خطّ العبودية والإخلاص لله وحده
 الإمام عليّ (عليه السلام) ومعاني المسؤولية
 العمل التطوعي وبناء الجيل الشاب
 السلام المجتمعي
 في ذكرى حرق المسجد الأقصى
 الصلاة.. طريق الإيمان والاطمئنان
 منهج المباهلة في إدارة الصراعات
 عيد الأضحى.. زخم وحدوي وبُعد عالمي
 عيد الغدير امتداد للرسالة الإسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا