الصفحة الرئيسية » الدين والحياة
الكلمة الطيِّبة أبلغ لغةً في الخطاب الإنساني

2019/03/10 | الکاتب : العلّامة الراحل السيِّد محمّد حسين فضل الله


◄يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (الإسراء/ 53).

يريد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية، أن يبيّن المنهج الإسلامي في مسألة التخاطب بين الإنسان المسلم والإنسان الآخر، سواء كان قريباً في داخل العائلة، أو كان في المواقع التي تتصل بعلاقاته النسبية أو الاجتماعية، وذلك بأن يفتش عن الكلمة الأحسن التي تفتح عقل الآخر على الحقّ، وقلبه على المحبّة، والعلاقة به على التواصل والتكامل والتحابب والوحدة، وحركته على التعاون مع الإنسان الآخر، لأنّ الكلمة عندما تنطلق من إنسان إلى آخر، فإنّها تترك تأثيرها الإيجابي إذا كانت كلمة خير، أو السلبي إذا كانت كلمة شرّ، لأنّ الإنسان في مشاعره وأحاسيسه يتأثّر بالكلمات، ولاسيّما في مخاطبة الإنسان الآخر له، أو في حواره معه.

لذلك، لابدّ للإنسان من أن يفكّر في تأثيرات الكلمة قبل أن يطلقها، وقد ورد في الحديث عن الإمام عليّ (ع): «إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه، وإنّ قلب المنافق من وراء لسانه»، قيل له: فسّر لنا ذلك يا أمير المؤمنين، فقال (ع): «لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلّم بكلام تدبّره في نفسه، فإن كان خيراً أبداه، وإن كان شرّاً وَاراه»، فيكون العقل هو القائد، واللسان جندي في إطاعة القائد. أمّا المنافق، فإذا خطرت الكلمة في ذهنه، فإنّه يطلقها كيفما كانت، فإذا تركت تأثيرها السلبي يرجع إلى العقل ليحلّ له مشكلة، فيكون اللسان عنده هو القائد، والعقل جنديٌ عند اللسان.

وقد أكد تعالى هذه المسألة بقوله: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ـ فكما أنّ الإنسان يختار كلّ ما يأكله أو يشربه بدقّة وعناية، عليه أن يختار بالدقّة نفسها كلماته التي يطلقها، لما لهذه الكلمات من تأثير على علاقته بعائلته وبالناس من حوله ـ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ـ فالشيطان يدخل في عبّ الكلمة، فإذا كانت تثير المشاكل، فإنّه يدخل من خلالها ليعقّد العلاقات الإنسانية ـ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)، والعدوّ لابدّ من أن نتعامل معه بحذر شديد، وأن نجهّز أنفُسنا بكلِّ وسائل الحماية والوقاية منه.

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

وفي آية أُخرى، يبيّن لنا الله تعالى الأسلوب الأفضل للدعوة، فإذا أردت أن تقرِّب الآخر من الفكرة التي تؤمن بها ليقتنع بها ويلتزمها، فعليك أوّلاً أن تدرس عقليّته، لتعرف ما هي الكلمة المناسبة التي التي يمكن أن تستخدمها في مخاطبته: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ـ والحكمة هي وضع الشيء في موضعه ـ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ـ وهي الكلمة التي تحبِّب الآخر بالفكرة وتظهر له منافعها ـ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ـ جادل بالأسلوب الطيِّب، لأنّ مهمّتك هي أن توجّههم وتعلّمهم وترفع مستواهم ـ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل/ 125).

وهذا ينسحب حتى على مسألة الحوار بين الأب وأولاده، أو بين الزوج وزوجته، فلابدّ من أن يكون الحوار والجدال بالتي هي أحسن، فلا يتجبّر الأب في بيته ويمنع أن يناقشه أحد، بل عليه أن يفسح في المجال للحوار، ولاسيّما إذا كانت زوجته مثقّفة ومتعلّمة وكذلك أولاده.

ويقول تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ـ والحسنة تتمثَّل بالأسلوب اللّين والطيِّب، والسيِّئة تتمثِّل بأسلوب العنف والقسوة، وهذان الأسلوبان لا يتساويان ـ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ـ إذا حصلت مشكلة بينك وبين إنسان آخر، فكّر في الطريقة الأحسن لحلّ هذا الخلاف ـ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصّلت/ 34). والله سبحانه يؤكّد ضرورة أن يربح الإنسان صداقة الآخر ليحوّله من عدوّ إلى صديق، ولكنّنا من خلال أسلوبنا في إدارة الخلافات، نحوّل أصدقاءنا إلى أعداء، مع أنّ الإسلام يعلّمنا كيف يمكن أن نكون أصدقاء العالم، حتى لو اختلفنا فيما بيننا على المستوى السياسي والديني والاجتماعي والثقافي، ما عدا الذي يفرض عليَّ العنف، لأنّ مَن يوجّه إليَّ رصاصةً، لا يمكن أن أقابله بوردة. ونحن نقول دائماً لإخواننا وأخواتنا، إنّكم تبحثون عن أصدقاء كُثر، ولكن هناك صداقة لابدّ من أن نبحث عنها ونوثّقها، وهي صداقتنا لله تعالى، فعلينا أن نصادق الله، فنجلس إليه ونحدثه عن آلامنا ومشاكلنا لكي يخفف عنّا.

الرِّفق النبويّ واللّين الرسالي

وفي هذا الجوّ، يحدّثنا الله تعالى عن أخلاق النبيّ (ص)، فيقول: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ـ فقد كنت، يا محمّد، اللّين في مشاعرك وأحاسيسك مع الناس ـ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا ـ قاسي اللسان ـ غَلِيظَ الْقَلْبِ ـ لا تحمل المحبّة والرحمة للناس ـ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ـ إذا أخطأوا معك ـ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ـ ليتعلّموا كيف تكون علاقتهم بالقادة ـ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران/ 159).

وجاء في رواية أُخرى، أنّ النبيّ (ص) كان جالساً ذات يوم مع زوجته عائشة، فمرّ عليهما يهودي، فقال للنبيّ (ص): السام عليك، أي الموت عليك، فأجابه النبيّ (ص): «وعليك»، فرأت عائشة أنّ هذا اليهودي يدعو على النبيّ (ص)، فانطلقت تتكلّم معه بطريقة قاسية غليظة، فقال لها النبيّ (ص): «يا عائش، إنّ الفحش لو كان ممثّلاً لكان مثال سوء، إنّ الرفق لم يوضع على شيء قطّ إلّا زانه، ولم يرفع عن شيء قطّ إلّا شانه».

هذا هو خُلق الإسلام، وهذه هي أخلاق النبيّ (ص)، وهذا هو الخُلق الذي يرتفع به الإنسان ليكون إنساناً مع الآخرين، ولينفتح من موقع إنسانيّته على إنسانيّتهم، وهذا ما يقرِّب الناس بعضهم من بعض، ويجعل المجتمع مجتمعاً متواصلاً متراحماً متعاوناً على البرّ والتقوى.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 413
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الكلمة الطيِّبة أبلغ لغةً في الخطاب الإنساني
 مسؤولية الكلمة واستثمارها في الخير
 في فن الخطاب
 الكلمة تقرر المصير

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا