الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
الإقبال على الله تعالى بالدُّعاء

2019/05/10 | الکاتب : عمار كاظم


يقول تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (المؤمن/ 60). الدُّعاء إقبال العبد على الله، والإقبال على الله هو روح العبادة، والعبادة هي الغاية من خلق الإنسان. إنّ القرآن الكريم صريح وواضح في أنّ العبادة هي الغاية من خلق الإنسان، يقول تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات/ 56)، وهذه هي حقيقة الدُّعاء، وهي ذات أهميّة كبيرة في هذا الدِّين. وقيمة العبادة أنها تشدّ الإنسان إلى الله وتربطه به تعالى. ولذلك، فإنّ قصد التقرُّب إلى الله في العبادة أمر جوهري في تحقيقها. ومن دونه لا تكون العبادة.. فالعبادة في حقيقتها حركة إلى الله، وإقبال على الله، وقصد لوجه الله، وابتغاء لمرضاته. وهذه الحقيقة الثانية. فالدُّعاء إقبال على الله، ومن أبرز مصاديقه الانشداد والارتباط بالله، ولا يوجد في العبادات عبادة تُقرِّب الإنسان إلى الله أكثر من الدُّعاء. وكلّما تكون حاجة الإنسان إلى الله أعظم، وفقره إليه تعالى أشدّ، واضطراره إليه أكثر، يكون إقباله في الدُّعاء على الله أكثر. فإنّ الحاجة والاضطرار يلجئان الإنسان إلى الله، وبقدر ما يشعر بهذه الحاجة يكون إقباله على الله، كما أنّ العكس أيضاً كذلك. يقول تعالى: (كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق/ 6-7). إنّ الإنسان ليطغى ويعرض عن الله بقدر ما يتراءى له أنّه قد استغنى، ويُقبل على الله بقدر ما يعي من فقره وحاجته إلى الله. وتعبير القرآن دقيق (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)، فلا غنى للإنسان عن الله، بل الإنسان فقر كلّه إلى الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر/ 15)، ولكنّه يتراءى له أنّه قد استغنى، وغرور الإنسان هو الذي يخيل إليه ذلك. فإذا تراءى له أنّه قد استغنى عن الله أعرض ونأى بجانبه وطغى. فإذا مسّه الضر، وأحسّ بالاضطرار إلى الله عاد وأقبل عليه. إذن الدُّعاء في حقيقته إقبال على الله، ومَن يدعُ الله تعالى، ويتضرّع إليه، فلابدّ أن يُقبل عليه تعالى.

وهل هناك أفضل من شهر رمضان لنكثر من الدُّعاء، ولنستغلّ هذه الفرضة الذهبية، لنقف بين يدي الله خاشعين، وقد فتح لنا أبواب كرمه، ودعانا إلى أن نكون ضيوفه، وعلى مائدة رحمته؟! وهل يردّ الله عبداً لجأ إليه خائباً، وهو الذي آلى على نفسه أن يجيب دعوة المضطرّ إذا دعاه: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل/ 62)؟! وإذا كان الله حييّاً كريماً، كما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردّهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً»، أفلا يحثّنا ذلك على الدُّعاء في كلّ آن وكلّ حين، وخصوصاً في الشهر الكريم؟ والله عند حُسن ظنّ عبده به، كما جاء في الحديث القدسي: «أنا عندَ حُسن ظنِّ عبدي المؤمن بي».

رمضان المبارك هو شهر الدُّعاء، حيث جاءت في سياق آيات الصيام لفتة عجيبة تخاطب أعماق النفس، وتلامس شغاف القلب، وتسرِّي عن الصائم ما يجده من مشقة، وتجعله يتطلّع إلى العوض الكامل والجزاء المعجّل، هذا العوض وذلك الجزاء الذي يجده في القُرب من المولى جلّ وعلاّ، والتلذّذ بمناجاته، والوعد بإجابة دعائه وتضرعه، حين ختم الله آيات فرضية الصيام بقوله سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة/ 186)، فهذه الآية تسكب في نفس الصائم أعظم معاني الرِّضا والقُرب، والثقة واليقين، ليعيش معها في جنبات هذا الملاذ الأمين والركن الركين. ولما کان هذا الشهر الفضیل هو شهر الموسم، فتاجروا الله تجارة تنجيكم من عذاب أليم، فإنّ تجارة الله رابحة. فيا أيُّها العبد المسكين الذي خدعته الدُّنيا بغرورها وغرق في وحل شهواتها، التحق بركب الصُّلحاء والصِّدِّيقين وتضرَّع إلى بارئك وانقطع إليه متوسلاً به وبأفضل خلقه محمّد وأهل بيته الكرام (علیهم السلام) وناجه: «إلهيّ اَذِقني حلاوةَ ذِكرِك».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 176
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 خطّ العبودية والإخلاص لله وحده
 الإمام عليّ (عليه السلام) ومعاني المسؤولية
 العمل التطوعي وبناء الجيل الشاب
 السلام المجتمعي
 في ذكرى حرق المسجد الأقصى
 الصلاة.. طريق الإيمان والاطمئنان
 منهج المباهلة في إدارة الصراعات
 عيد الأضحى.. زخم وحدوي وبُعد عالمي
 عيد الغدير امتداد للرسالة الإسلامية
 الوقت رأس مال المؤمن

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا