الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
روحانية القرآن في شهر الرحمن

2019/05/15 | الکاتب : عمار كاظم


يقول تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة/ 185). إنّنا نلاحظ في هذه الآية، أنّ الله سبحانه وتعالى وهو يتحدّث عن شهر رمضان، ينقلنا من خلال إيحاءات هذا الشهر إلى القرآن، ليحدّثنا عن أنّ الله أنزل فيه القرآن، وإذا عرفنا أنّ الله أنزل القرآن من أجل أن نتفهّمه، وأن نستوحيه، وأن نستضيء به، وأن نخرج به من الظّلمات إلى النّور، وأن نعمل به، فإنّ معنى ذلك أنّ شهر رمضان ارتبط بحركيّة القرآن في حياة كلّ إنسان، لأنّ الله أنزل القرآن فيه من أجل أن يعيش الناس القرآن كلّه في أجواء هذا الشهر.

فقد انطلقت أوّل آية أنزلها الله في أجواء القرآن من خلال هذا الشهر، فاحتضن الشهر القرآن، ودخل فيه دخولاً حيويّاً، كما لو كان القرآن يجري في عروقه، وفي ثوانيه، ودقائقه، وساعاته، وأيامه. وبذلك، تحوّل الزمن إلى روح قرآنيّة يعيش الإنسان فيها وهو يستوحي القرآن، وحيث لم ينزله في شهر رمضان مجرداً، بل عقبه بقوله تعالى: (هُدًى لِّلنَّاسِ)، فقد أنزل الله القرآن في هذا الشهر، ليهتدي الناس بمفاهيمه وعقائده وشرائعه ومناهجه وأساليبه وأخلاقياته، ما يعني أنّ عليك وأنت تقرأ القرآن في هذا الشهر، أن تقرأه قراءة الإنسان الذي يبحث عن الهداية في قراءته، لا الإنسان الذي يستهلك الآيات في عجالته، وأن تقرأه لتكتشف المتاهات التي تتحرّك بها في الحياة، والأضاليل التي وضعتك ظروفك فيها، حتى تتحسّس حالة الضّياع والحيرة التي تتخبّط فيها هنا وهناك، لتقرأ القرآن، وتبحث عن أيّ هدى تهتدي به عندما يحدّثك القرآن عن الشّريعة إذا انحرفت عنها، وأي هدى تهتدي به في الحياة إذا ضلّت بك الدروب لتكتشف الطريق المستقيم، وأيّ هدى تهتدي به إذا اختلطت بك المفاهيم والأفكار التي تختزنها في عقلك، وإذا تنوّعت الأصوات هنا وهناك، فأيّ صوت تسمع. إنّ عليك أن تسمع صوت الله ولا تسمع أيّ صوت آخر، لأنّك عندما تسمع صوت الله، فإنّك تسمع الحق كلّه في كلّ شيء، وتشعر بأنّ بالفراغ يمتلئ بالله، وحتى صوت الرسول هو صوت الله، وحتى صوت الأولياء المعصومين هو صوت الله، فلا تستغرق في ذواتهم، وإن كانت ذواتهم تعيش مع الله، بل استغرق في رسالتهم، فهم التّجسيد العمليّ للرّسالة.

هدى وبيّنات:

(هُدًى لِّلنَّاسِ)، وحيث إنّك عندما تقرأ القرآن وأنت في حالة من الضّياع والحيرة والتمزّق والتيه، فإنّك بعد قراءة القرآن، تشعر بأنّك انفتحت على خطّ جديد، وعلى الطمأنينة والسكينة وزيادة الإيمان، (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً) (الأنفال/ 2). وإذا دخلت ساحة الصّراع، وقدّم الناس برهاناً هنا وهناك، وقرأت القرآن، فإنّك تقرأ في القرآن البيّنات التي توضح الحقيقة فتهديك إليها، والبيّنات التي تبيّن لك الخطّ الفاصل بين الحقّ والباطل، فهي الفرقان الذي يفرق بين هذا وذاك، فلا يختلط الباطل عندك بالحقّ، ولا يختلط الحقّ عندك بالباطل، ولا يمتزجان ببعضهما البعض، بل ترى الحقّ حقاً في القرآن فتتبعه، وترى الباطل باطلاً في القرآن فتجتنبه، فهو يرفع عنك التشابه الذي يوقعك في الحيرة.

والله تعالى في هذه الآيات، يريدنا أن ندخل في عالم القرآن الذي هو عالم الهدى وعالم البيّنات التي توضح الحقيقة، وتفصل بين الحقّ والباطل، وتوحي إلينا أنّ شهر رمضان لا ينفصل عن القرآن، فالله أنزل القرآن فيه من أجل أن يعيش الناس أبعاده ومعانيه، حتى لا يكون شهر رمضان فارغاً من كلام الله ومن مواعظه ووصاياه ونصائحه وشريعته وما إلى ذلك.

تدريب الإرادة:

(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/ 185)، أيّ أن على من حضره وعاشه أن يصومه، فإنّ الله أراد للإنسان في شهر رمضان، أن يكون إنسان القوّة في الإرادة، والوعي في مضمون الإرادة، فليست المسألة فقط أن تكون إرادتك قويّة، بل أن تكون ذات مضمون ينفتح على الحقّ، وعلى ما يحبّه الله ويرضاه. ولذلك، فإنّه سبحانه وتعالى أراد الصوم تدريباً لإرادتك في خطِّ التقوى، وليس تدريباً لإرادتك لتكون امتيازاً شخصيّاً لك، فتحركها في خطّ الشّرّ، أو خطّ الضّلال، أو أيّ خطّ منحرف آخر، فالله في الوقت الذي يريد للإنسان أن يكون قويّ الإرادة، يريده أيضاً أن يكون واعي الإرادة، حتى لا تتحرك إرادته في مواقع الاهتزاز في خطوط الشرّ والباطل.

ولذلك، يريد الله لإنسانيّتك أن تكون في عناصرها الحيّة غنيّة بمبادئك، والكثير من الناس يحاولون إغناء شخصيّاتهم بالقوّة والبطولة والصحّة والعافية والموقع، ولكن من دون مضمون ينفتح على المبادئ، حيث يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن جميع نواحينا، حفظاً عاصماً من معصيتك، هادياً إلى طاعتك، مستعملاً لمحبّتك»، فلا أريد يا ربّ أن تحفظني حفظاً أستخدمه في معاصيك، أو أتحرّك به على خلاف طاعتك، أو أبتعد به عن مواقع محبّتك، بل أعطني الحفظ الذي يجعلني الإنسان الذي ينفتح عليك بمسؤوليّاته كلّها وبمحبّته كلّها.

رأفة الله بعباده:

(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً)، يضرّه الصوم، بسبب مرضه، (أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، مهما كان السّفر متعباً أو مجهداً، (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فالله جعل الصوم فريضة على الصحيح جسدياً، وعلى الحاضر في بلده أو المقيم فيه، أمّا المريض والمسافر، فإنّ بإمكانهما أن يصوما في أيام أُخَرَ غير شهر رمضان، عندما يصح المريض من مرضه، وعندما يحضر المسافر من سفره. وهنا تأتي اللفتة الإلهية الحنونة الرؤوفة: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة/ 185)، فالله لا يفرض عليكم تكاليفه مما حرّمه وأوجبه من أجل أن يثقل عليكم، بل إنّ الله كلّفكم بما يتيسّر لكم، (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، فلا يكلّفكم بالصوم في المرض، لأنّه يمثّل عسراً على الصحّة، ولا يكلّفكم بالصّوم في السفر، لأنّ السفر يمثل حالة عدم الاستقرار. ولذلك، لا يريد لك الله في الحالة التي لا تشعر فيها بالاستقرار، كما تشعر به في بلدك، أن يفرض عليك ما يثقل وضعك.

وهكذا، كانت القاعدة؛ قاعدة اليسر وقاعدة نفي الحرج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج/ 78)، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، تمثّل الهيكليّة التشريعيّة التي تحدّد كلّ التّكاليف، مما لا يكون فيه حرج، ولا يكون فيه ضرر، ولا يكون فيه عسر. ولهذا، يعرّفنا الله أنّه يرحمنا في تشريعه، كما يرحمنا في رزقه وفي عافيته وفي أمنه، ومن خلال ذلك، فالتشريع الإلهي هو رحمة من الله، لأنّه تشريع يرتكز على اليسر، ولا يرتكز على العسر. ولذا، ورد في الدعاء الذي ندعو به: (رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) (البقرة/ 286). والإصر هو الثقل، ولذلك، لم يثقل الله علينا، فلم يكلّفنا ما لا طاقة لنا به، (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ)، لتصوموا شهر رمضان من أوّله إلى آخره، حتى يكون شهر رمضان صوماً بكلّه، (وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)، لتقفوا بين يدي الله، وتتصوّروه في مواقع كبريائه وفي مواقع عظمته، وتروا أنّه هداكم من خلال ما أودعه في كيانكم من وسائل الهداية التي تهديكم سبل الحياة، ومن خلال ما هداكم لدينه، فأن تكبّروا الله، هو أن تعرفوا عظمة الله في الهداية التكوينيّة التي هداكم بها في وجودكم وفي ما يحيط بكم، والهداية التشريعيّة التي هداكم بها في ما خطّه لكم من سبل حركتكم في الحياة، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة/ 185)، عندما تنفتحون على نعم الله الماديّة والروحيّة والمعنويّة، لتزدادوا شكراً لله عندما تتصوّرون الحقيقة، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) (النحل/ 53)، (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) (النحل/ 18). (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) من خلال وعيكم لنعم الله سبحانه وتعالى، وليزيدكم الله في شكره.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 227
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 الشباب.. طاقة مبدعة
 عمق رابطة الإخاء والمحبّة
 التقوى من سمات المُسلِم
 العطلة الصيفية فرصة أُخرى للتربية والتعليم
 العبادة.. مبادئ وقيم سلوكية
 الإيمان والمعرفة في القرآن
 ترسيخ أهميّة القراءة لدى الشباب
 ملتقى الفضائل في شخصية الإمام الرضا (عليه السلام)
 الشباب وحاجتهم للقدوة الصالحة
 مدرسة الدُّعاء الروحية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا