الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
تزكية النفوس في ظلال الصوم

2019/05/21 | الکاتب : عمار كاظم


رمضان فضاء واسع يحمل الكثير من وحي الجمال والرقة، ففي رمضان تتألق الروح في مدارج الشفافية إذ يتخفف الجسم من أعباء الطعام والشراب، ومع هذه الروح ظلال من الخشوع والتقوى والإخلاص ومراقبة القلب لله عزّوجلّ، وفي رمضان مباهج اعتاد عليها المسلمون وهم يستشعرون أنّه شهر الله تعالى، فهي عادات تعظيم وتبجيل واحترام، ولا تخرج عن الاهتمام بالعبادة، فيه انتظار على موائد الإفطار، في هذا الانتظار متعة الروح رجعت من رحلة في عالم الصفاء والطهر الذي عرجت إليه على أجنحة من الجوع والظمأ، وفيه امتناع عن شهوات النفس التي لا تتأنى في الهجوم عليها في غيره من الشهور، وفيه السحور، وفيه مدفع رمضان، وفيه قناديل رمضان وزينته، وفيه المآذن المنارة والمساجد المضاءة، وألفة القلوب حينما تجتمع في بيوت الله، رمضان جميل بعبق الإيمان في صباحاته وأماسيه. فشهر رمضان شهر الإخلاص وتزكية النفس، وهو تدريب النفس على مقاومة إغراء الشهوات حتى يتمكن الإنسان من تصريف نفسه فيها على الوجه الذي شرعه الله تعالى أياً كان وفي أي مجال كان، وبهذا يكون كمال الإيمان. وعلى المسلم أن يسير في كلّ ما أمر الله به سير الإخلاص الذي أمر الله به في الصيام وأثنى على أهله ووعدهم جزاءً لا يحده إلّا جوده الذي لا حدود له فقال سبحانه وتعالى: «فالصوم لي وأنا أجزي به». وقد بدأ الله تعالى آيات الصيام بآية بيّن فيها المراد منه والسبب والحكمة من مشروعيته والثمرة التي يجنيها منه فقال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/ 183). فإذا كانت التقوى هي العمل بما يرضي الله تعالى ومباعدة ما لا يرضيه فإنّ التقوى لا تتحقّق بدون أن تكون مبنية على الإخلاص لوجه الله تعالى، ولا يبلغ العبد كمال التقوى - وهي الغاية من الصيام - إلّا إذا كان الإخلاص سجية لها وذلك بتزكية النفس قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ 9-10).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتساباً إلّا أوجب الله ـ تبارك وتعالى ـ له سبع خصال: أوّلها: يذوب الحرام من جسده، والثانية: يقربُ من رحمة الله عزّوجلّ، والثالثة: قد كفّر خطيئة أبيه آدم، والرابعة: يهوّن الله عليه سكرات الموت، والخامسة: أمان من الجوع والعطش يوم القيامة، والسادسة: يطعمه الله عزّوجلّ من طيّبات الجنّة، والسابعة: يعطيه الله عزّوجلّ براءة من النار». فشهر رمضان هو خير طريق يوصلنا إلى ربِّنا الجليل وهو المدرسة التي تتربّى فيها قلوبنا على وعي الحقائق، وإدراك المعارف، وهو مدرسة الروح والفكر والضمير، إنّه الشهر الذي يفتح الله فيه أبواب مغفرته وكرمه وجوده لعباده، إنّه الشهر الذي غُلّت فيه مردة الشياطين، وأغلقت فيه أبواب النيران، إنّه الشهر الذي دُعينا فيه لضيافة الرحمن، شهر يبسط فيه الخالق سبحانه وتعالى، ضيافته الكريمة لعباده، ويفتح أبواب رحمته ومغفرته ليزيد المطيعين ثواباً. فشهر رمضان مدرسة، والصوم فيه رسالة هدفها تطهير النفس من الرذائل. وكرامة شهر رمضان لا تخصّ الصائمين فقط، بل تشمل حتى أصحاب العذر الشرعي الذي يسوِّغ لهم الافطار ـ كالمسافر والمريض ـ، فالعناية الإلهية في هذا الشهر تشمل الجميع. فإذا أردنا أن نفيد من فريضة الصيام وأن نحقّق أغراضها في أنفسنا وواقعنا فعلينا أن نتبع الأسلوب المحمّدي معنوياً ومادّياً لنخرج من شهر رمضان بوجود ربّاني جديد وولادة قرآنية مباركة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/ 24). هذا هو الصوم الحقيقي الذي يُراد به صنع الإنسان القوي السعيد والذي تدعو إليه المدرسة الإسلامية ليكون الإنسان خليفة الله في أرضه. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس الصيام من الطعام والشراب، إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك وبطنك وفرجك واحفظ يدك، وأكثر السكوت إلّا من خير». ورُوي عنه (عليه السلام): «إنّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، إنّما للصيام شرط يحتاج أن يحفظ حتى يتم الصوم، وهو الصمت الداخل، أما تسمع قول مريم بنت عمران: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (مريم/ 26)، يعني صمتاً، فإذا صمتم: فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا، ولا تغتابوا، ولا تماروا، ولا تكذبوا، ولا تباشروا، ولا تخالفوا، ولا تغاضبوا، ولا تسابوا ولا تزاجروا، ولا تغفلوا عن ذكر الله وعن الصلاة وألزموا الصمت والسكوت والحلم والصبر والصدق ومجانبة أهل الشر واجتنبوا قول الزور، والكذب والإغراء والخصومة، وسوء الظن والغيبة والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرة... منتظرين لما وعدكم الله متزودين للقاء الله وعليكم السكينة والوقار والخشوع والخضوع وذل العبد الخائف من مولاه. راجين خائفين، راغبين، راهبين قد طهرت القلوب من العيوب، وتقدست سرائركم من الخبث.. وخشيت الله حقّ خشيته في السرّ والعلانية ورهبت نفسك لله في أيّام صومك، وفرغت قلبك له ونصبت قلبك فيما أمرك ودعاك إليه فإذا فعلت ذلك كلّه فأنت صائم لله بحقيقة صومه، صانع لما أمرك».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 165
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 عيد الأضحى.. زخم وحدوي وبُعد عالمي
 عيد الغدير امتداد للرسالة الإسلامية
 الوقت رأس مال المؤمن
 الحث على بذل المعروف والعمل به
 تجليات الطاعة في التقرُّب من الله تعالى
 الأركان الأساسية في صيانة المجتمع
 وعي ومعرفة يوم الغدير
 حركية الإمام محمّد الباقر (عليه السلام)
 مجتمع الأخلاق الحسنة
 الوقوف على صعيد عرفات

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا