الصفحة الرئيسية » رمضانيــات
في وداع شهر رمضان المبارك

2019/06/02 | الکاتب :


بناء الشخصية المتكاملة على قاعدة الدُّعاء...

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر/ 60)، وفي آية أُخرى يقول سبحانه: (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة/ 186)، وقال سبحانه: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ) (الفرقان/ 77).

تركّز هذه الآيات على أهميّة الدُّعاء، فهو الذي يجعل الإنسان قريباً من الله بشكل أساسي، لأنّ الدُّعاء هو أن تتحدّث مع الله؛ أن تناجيه، أن تشكو له، أن تطلب منه ما تحتاجه، أن تحدّثه، وهو العالِم بما يدور في نفسك، عن كلّ آلامك وأحلامك ومشاكلك، لأنّه وحده في الكون القادر على أن يحلّ لك مشاكلك، ويزيل عنك آلامك، ويقضي لك حاجاتك.. وليس من الضروري في الدُّعاء أن تحمل الكتاب وتدعو، بل يكفي أن تدعو بحسب لغتك؛ أن تقول عندما تشعر بالتعب: «يا ربّ، أنا تعبان ومتألم»، أن تتكلّم مع الله تعالى بطريقتك الخاصّة، لتشعر أمامه بالراحة والسعادة. وكما أنّ الصلاة هي معراج روح المؤمن إلى الله، كذلك الدُّعاء هو الطريقة التي تتصل فيها بالله وتتقرّب فيها إليه.

الدُّعاء مدرسة العلم والأخلاق:

ونحن لدينا تراث إسلامي في الدُّعاء، ومنها الأدعية التي وردت في القرآن الكريم؛ فالله تعالى علّم رسوله (ص) أن يدعوه ليزيد في علمه، لأنّ العلم هو نور يقذفه الله في قلب مَن يشاء: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (طه/ 114)، وفي ذلك إشارة إلى ضرورة أن يستزيد الإنسان من العلم، إذ جعل الله العلم ميزان القيمة في الناس: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر/ 9). فالله فضّل الأكثر علماً على الأقلّ علماً، لأنّ العلم ينير عقل الإنسان، ويفتح قلبه، ويحرك حياته في الطريق المستقيم. ونقرأ في دعاء إبراهيم (ع): (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء/ 83-89).

كما أنّنا نلاحظ أنّ في أدعية الإمام زين العابدين (ع)، سواء في أدعية الصحيفة السجادية، أو في دعاء أبي حمزة الثمالي، الكثير من الخطط التربوية والانفتاح على الله، ففي دعاء أبي حمزة الثمالي، مثلاً، نجد ما يعلِّم الإنسان كيفية التعبير عن ندمه على عصيان الله، فيقول: «إلهيّ لم أعصك حين عصيتك وأنا بربويتك جاحد، ولا بأمرك مستخفّ، ولا لعقوبتك متعرّض، ولا لوعيدك متهاون، ولكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي، وأعانني عليها شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليَّ». هذه الأُمور الطارئة التي تنطلق من النفس الأمّارة بالسوء، فيطلب الإنسان من الله أن يغفر له معصيته، ويُشهده على أنّه لا يزال ملتزماً بتوحيده والانفتاح على رحمته.

وهكذا، يعالج في دعاء الافتتاح مسألة تأخير استجابة الدُّعاء: «فإن أبطأ عني عتبتُ بجهلي عليك، ولعلَّ الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمك بعاقبة الأُمور»، فليس كلّ ما تطلبه من الله هو مصلحة لك. وعندما نقرأ في الدُّعاء أنّ الله يرفع المستضعفين ويضع المستكبرين، يشعر الإنسان المستضعف أنّه ليس إنساناً ساقطاً، ولكن الله يرفعه بحسب ما يهيئه له من وسائل الرفعة، وأنّ المستكبرين ليسوا هم الذين يملكون السلطة والقوّة، بل إنّ الله يضع المستكبرين وينزل قدرهم بحسب حكمته.

وهناك نقطة مهمّة في دعاء شهر رمضان، وهي أنّه يجعل الإنسان يفكّر في الآخرين، فيقول فيه: «اللّهُمّ ادخل على أهل القبور السرور ـ بحيث تفكّر في كلّ مَن في القبور؛ كيف قدموا على الله؟ هل حصلوا على رحمته وغفرانه؟ ثمّ تطلب من الله أن يرحمهم ويغفر لهم ـ اللّهُمّ اغنِ كلَّ فقير ـ أن تفكر كيف يمكن أن تحلّ مشكلة الفقر عند الفقراء ـ اللّهُمّ اشبع كلّ جائع ـ بأن تطلب من الله أن يهيئ لهم السبيل لإشباعهم ـ اللّهُمّ اكسُ كلّ عريان، اللّهُمّ اقضِ دَين كلّ مَدين، اللّهُمّ فرِّج عن كلّ مكروب، اللّهُمّ ردّ كلّ غريب، اللّهُمّ فكّ كلّ أسير، اللّهُمّ اصلح كلّ فاسد من أُمور المسلمين ـ وهنا تنفتح على كلّ قضايا المسلمين في العالم، وتدرس كلّ أوضاع الفساد السياسي والاجتماعي والثقافي، وتطلب من الله أن يهيّئ لهم أوضاع الصلاح والخروج من الفساد ـ اللّهُمّ اشفِ كلّ مريض، اللّهُمّ سدّ فقرنا بغناك، اللّهُمّ غيّر سوء حالنا بحسن حالك، اللّهُمّ اقضِ عنّا الدَّين واغننا من الفقر إنّك على كلّ شيء قدير».

إنّنا نجد في كلِّ هذه الأدعية الكثير ممّا ننفتح به على الله، وممّا يربطنا بالناس، فيحصل من خلال ذلك هذا التفاعل بيننا وبين الناس الذين يعانون المشاكل من حولنا، والتفاعل مع كلّ قضايا الإسلام والمسلمين، ومن خلال ذلك، يتحوّل الدُّعاء إلى حالة ثقافية اجتماعية سياسية يمكن للإنسان أن يقرأه وينفتح به على الله، ليشعر أنّه في الوقت الذي يرتفع إلى رحاب الله، فإنّه لا يبتعد عن الحياة وعن الناس وعن كلّ قضايا الإنسان في كلّ مواقعه وأوضاعه.

لذلك، علينا أن نستجيب لله في دعوته: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر/ 60)، وأن نشعر بأنّ الله قريب منّا، في كلّ آلامنا وآمالنا وأحلامنا، وهذا هو الذي يقوّي إيماننا بالله وتوحيدنا له سبحانه. وفي نهاية شهر رمضان، ينطلق الدُّعاء ليقول: «اللّهُمّ إن كنت رضيت عني في هذا الشهر، فازدد عني رضى، وإن لم تكن قد رضيت عني، فمن الآن فارضَ عني». وجاء في الدعاء: «اللّهُمّ ادِّ عنّا حقّ ما مضى من شهر رمضان، واغفر لنا تقصيرنا فيه، وتسلّمه منّا مقبولاً، ولا تؤاحذنا بإسرافنا على أنفُسنا، واجعلنا من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين».

نسأل الله أن يوفّقنا للحصول على محبّته ورحمته ورضوانه، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، ويوفّق المجاهدين، وأن يفكَّ أسر المسلمين والمجاهدين، إنّه أرحم الراحمين.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 539
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 في وداع شهر رمضان المبارك
 ما هو نصيبنا من شهر رمضان؟
 رسالة الصوم
 شهر رمضان.. شهر الربح لا الخسارة
 ليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر
 ساعدوا الفقراء في شهر الخير
 فن إدارة الوقت في رمضان
 حقوق الناس في شهر رمضان
 علاقة الصيام بالتقوى
 رمضان شهر تصحيح المسار

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا