الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المودّة والرحمة الأساس في بناء الكيان الأُسري

2019/06/10 | الکاتب : عمار كاظم


الأُسرة هو موضوع الحياة، لأنّ الله تعالى لم يخلق الحياة متناثرةً، فعندما ندرس الظواهر كلّها، فسنجد للكواكب أُسرة، وقد يحدّثنا بعض العلم عن الشموس كأُسرة. ونجد هناك في كلّ ظواهر الطبيعة، أنّه ليست هناك ظاهرة وحيدة تنفصل عن الظواهر الأُخرى، بل إنّ الحياة تمثّل هذا النوع الأُسري من الظواهر التي تعطي كلّ واحدة منها للظاهرة الأُخرى شيئاً من خصائصها وأسرارها، لتكون الحياة نتاج ذلك كلّه، هذا في الطبيعة المتحركة التي لا تنطق، والجامدة التي تمتدّ في هدوئها، ولكنّها تعطي من أسرارها الكثير.. الأُسرة هي الدائرة الأُولى التي نتعلّم فيها الحياة، نتعلّم فيها بداياتها، نحن نعيش في داخل وجودنا الطاقات التي تتهيّأ لتتحرك وتنظّم واقعها، ولكنّنا نحتاج أن نتعلّم كيف نأكل ونشرب وندير حياتنا. والأُسرة هي المدرسة الأُولى الطبيعية والإنسانية التي لا يتعلّم فيها الإنسان بالكلمات، ولكنّه يتعلّم من خلال روح هنا وقلب هناك وحضن هناك وانفتاح هنالك، إنّنا نتعلّم الحياة من خلال الأُسرة.

قضية الأُسرة هي قضية تفاعل إنساني، يبدأ فيه الإنسان عندما يصير زوجاً وزوجة، فالعلاقة الزوجية هي المرحلة الأُولى لبناء الأُسرة، وعندما ينطلق الإنسان في المسألة الزوجية، فإنّه يشعر بأنّ هذا الفراغ الذي يعيشه في داخله، وهذا القلق الإنساني الذي يتحرّك في عقله وقلبه، لم يعد موجوداً. فنحن نعتبر أنّه على الرغم من أنّ كلاً من الرجل والمرأة مخلوق مستقلّ عن الآخر، إلّا أنّ المعنى الإنساني الذي يمثّله الرجل والمرأة معاً، يتكامل في طبيعة هذه الزوجية. وعندما نأتي إلى الصورة الإسلامية للحياة الزوجية، فإنّنا نقرأ في القرآن الكريم: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم/ 21)، ونلاحظ كلمة (أَنْفُسِكُمْ)، فالزوج هو الإنسان في إنسانيّته، يشعر بما يشعر به الآخر، ويعيش ما يعيش له، وينطلق من خلال ما ينطلق فيه، ليست هناك غربة، قد يكون هناك تنوّع؛ الزوج الذكر غير الأنثى، ولكن هذا التنوّع ينطلق من وحدة. على هذا الأساس، خلق الله لنا في إنسانيّتنا من داخل هذه الإنسانية أزواجاً، لم يجعل الإنسان فرداً أو مخلوقاً مستقلّاً يجترّ ذاته في فرديته، ولكنّه جعل الإنسان زوجاً يتكامل في زوجيّته، ليعطي كلّ واحد منهما لذاته شيئاً من ذات الآخر.

هناك شيء روحي يجعل الإنسان روحاً مع الآخر، تماماً كما هو جسد مع الآخر، (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، وكلمة «السكينة» المراد بها هنا السكينة الروحية، أن يسكن إنسان لإنسان، أن يطمئن له، أن يرتاح له، أن يشعر بالانتعاش عنده، أن يشعر بأنّ روحه تحتضن روحه، ومشاعره تحتضن مشاعره. هذا النوع من الحياة، يمكن أن يبني أُسرة تمتدّ في الأولاد، بحيث تتحوّل إلى حياة جديدة، قوية، منفتحة، منطلقة، عندما يعيش الزوجان المودّة والرحمة، يمكن لهما أن ينتجا جيلاً ينطلق من خلال المودّة والرحمة، لأنّنا نعرف أنّ الكثيرين من الآباء والأُمهات، يعقّدون أولادهم نتيجة التعقيدات الموجودة فيما بينهم، وهناك من الآباء والأُمهات مَن يفتحون روحية أولادهم.

لذلك، يريد الإسلام للحياة الزوجية أن تنطلق من المودّة والرحمة، لتكون حياة خاضعة للجانب العاطفي فيما تعطيه المودّة، وللجانب الموضوعي فيما تعطيه الرحمة. فإذا أمكن للزوجين أن يجسّدا هذا، أمكن لهما أن ينتجا جيلاً منفتحاً على الآخر في وعيه ورحمته. لذلك، المودّة والرحمة هما أساس الحياة الزوجية، وعلى من يريد أن يبدأ حياته الزوجية، أن يتعمق في هذين العنصرين، لأنّهما العنصران اللّذان يمكن أن تتركز الحياة من خلالهما.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 111
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 الشباب.. طاقة مبدعة
 عمق رابطة الإخاء والمحبّة
 التقوى من سمات المُسلِم
 العطلة الصيفية فرصة أُخرى للتربية والتعليم
 العبادة.. مبادئ وقيم سلوكية
 الإيمان والمعرفة في القرآن
 ترسيخ أهميّة القراءة لدى الشباب
 ملتقى الفضائل في شخصية الإمام الرضا (عليه السلام)
 الشباب وحاجتهم للقدوة الصالحة
 مدرسة الدُّعاء الروحية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا