الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
إكرام كبار السنّ

2019/06/14 | الکاتب : عمار كاظم


من المعلوم أنّ مرحلة الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل حياة الإنسان، حيث أشار القرآن الكريم إليها في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر/ 67). كما ذكر القرآن الكريم الشيخوخة في مناسبات شتّى وخصوصاً مع رُسل الله الكرام (عليهم السلام)، كما في قصّة النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، الذي ذكر الله تعالى على لسانه: (الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) (إبراهيم/ 39) .لقد أرسى الإسلام القواعد السليمة لبناء المجتمع السليم، وكان الناس في دولة الإسلام يعيشون حياة الأمن والطمأنينة صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً. ومن هذه القواعد التي أرساها الإسلام رعاية المسنّين، وكبار السنّ، حيث دعانا للاهتمام بهم، والعطف عليهم ورعايتهم في كلّ وقت وفي كلّ حين، لأنّ الإنسان إذا بلغ من الكبر عتياً ضعف واحتاج إلى غيره، وقد عبَّر عن ذلك نبيّ الله زكريا (عليه السلام) حينما قال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (مريم/ 4).

ومن الواضح أنّ الإسلام قد سبق العالم المتمدن في الاهتمام بكبار السن واحترامهم بقرون طويلة، فقد وضع ديننا الإسلامي الحنيف قبل خمسة عشر قرناً من الزمان دستوراً عظيماً لرعاية المسنّين، سواء كان المسنّ أباً أو أُمّاً أو صديقاً أو جاراً.. حيث أوصانا الله سبحانه وتعالى بكلّ هؤلاء. وقد تعرّض القرآن الكريم للكبر في السنّ في آيات كثيرة، ولنا في الآية الكريمة كلّ العظة والعبرة والنُّصح عندما قال تعالى في كتابه موجهاً القول للأبناء: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا) (الإسراء/ 23) .فالله سبحانه وتعالى أوصانا بأن نتحسس طريقنا إلى راحتهم النفسية، ومنعنا من أن نقول لهما أف أو ننهرهما، فما بالنا بما يجب أن نقدّمه لهما من رعاية صحّية في شيخوختهما ومن تلبية لمطالبهما لإرضائهما حتى آخر يوم في حياتهما .

وجاءت الأحاديث النبويّة الشريفة لتؤكّد على عدّة معانٍ تدعو جميعها لإكرام كبير السنّ فقد رُوِي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ليس منّا مَن لم يُجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه». وفي البرّ للوالدين في الحديث الشريف عندما أتى رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد». فالإسلام جعل برّ الوالدين في مقام الجهاد ولذلك يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم».

إنّ رعاية الشيخوخة ليست قاصرة على الأولاد، بل هي من الآداب الإسلامية والفروض الاجتماعية على كلّ مسلم، وذلك باحترام الشيخ الكبير، حيث يجب احترام الشيوخ والمسنّين.. فالإسلام مبني منذ البداية على تكريم المسنّ ورعاية حقوقه ومن تكريم الإسلام له طاعته وتنفيذ أوامره ما لم تكن مخالفة للشرع حيث إنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا رأيت إنساناً ضعيفاً يحتاج إلى مساعدة فساعده، وإذا شاهدت مكفوفاً فخذ بيده إلى الطريق وارشده إلى موضعه، وابتعد به عن مواطن الخطر، وإذا كنت في سيارة عامّة ورأيت رجلاً مسنّاً أو امراة كبيرة واقفة فقم واجلسها مكانك فهذا من نوع الاحترام والتقدير فكما تدين تدان، حتى في كلامك مع المسنّين يجب أن تكون مؤدباً.

وحتى تحل مشكلة المسنين حلاً جذرياً صحيحاً فيجب على الأبناء احترام آبائهم وأُمهاتهم، وأن يسهروا على راحتهم وأن يتولوا خدمتهم وتنفيذ طلباتهم وذلك جزاء لهما على ما قدّموه لهم من خير ومساعدة فالأُسرة هي الوسط الطبيعي الذي يحقّق الرعاية الإنسانية الصحيحة للمسنّين بالصورة التي تحدّدها لنا مبادىء ديننا الحنيف. كما ويجب علينا جميعاً أن نتعاون في مساعدة المسنّين الفقراء الذين لا عائل لهم وأن نقوم بإنشاء البيوت لهم والعمل على نشرها، وتوفير فريق عمل مكوّن من طبيب وممرضة وأخصائية اجتماعية للمرور على كبار السنّ في منازلهم لرعايتهم صحّياً ونفسياً. فما زال حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتكرّر على المسامع: «ليس منّا مَن لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 130
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الشباب.. طاقة مبدعة
 عمق رابطة الإخاء والمحبّة
 التقوى من سمات المُسلِم
 العطلة الصيفية فرصة أُخرى للتربية والتعليم
 العبادة.. مبادئ وقيم سلوكية
 الإيمان والمعرفة في القرآن
 ترسيخ أهميّة القراءة لدى الشباب
 ملتقى الفضائل في شخصية الإمام الرضا (عليه السلام)
 الشباب وحاجتهم للقدوة الصالحة
 مدرسة الدُّعاء الروحية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا