الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المطلوب ما قبل وما بعد تدويل قضية الأسرى الفلسطينيين

2012/05/30 | الکاتب : د. إبراهيم أبراش


أينما تضع يدك في الحالة الفلسطينية إلا اصطدمت بشكل من أشكال المعاناة، حتى يجوز القول إن كل حياة الفلسطينيين كرب ومعاناة، وإن كانت الجغرافيا والسياسة تفرق الفلسطينيين شيعا وأحزابا وكيانات سياسية ،فإن المعاناة توحدهم واقعا، لا فرق بين فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات. فلسطينيو الخط الأخضر يعانون من التمييز العنصري ومنعهم من التعبير عن هويتهم وثقافتهم الوطنية ومنعهم من حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، ومحاولة إسرائيل أن تفرض عليهم العيش في دولة يهودية وكانت آخر الإجراءات في هذا السياق فرض التجنيد الإجباري.وفلسطينيو الضفة وغزة يعانون من الاستيطان، سرقة الأراضي، هدم وتجريف البيوت ،تهويد القدس والحرم الإبراهيمي،منع الفلسطينيين من الوصول للأماكن المقدسة بحرية،الحواجز التي تحد من حرية الحركة، الاعتقالات والمداهمات اليومية، الحصار والاعتداءات المتكررة على قطاع غزة، الحد من حرية السفر والتنقل سواء بين أطراف الوطن الثلاثة أو إلى الخارج.وفلسطينيو الشتات يعانون من الغربة وفراق الأهل والحنين للوطن ،ففي بلدان غربتهم يعيشون كمواطنين من درجة ثانية في أحسن حالاتهم وكلاجئين منبوذين في كثير من الحالات، وفي جميع الحالات يتألمون لآلام ومعاناة شعبهم في الداخل .
وسط هذه المعاناة تبرز قضية الأسرى في سجون الاحتلال، وأن نتحدث عن الأسرى فإننا نتحدث عن الأشرف  والأنبل  في الشعب الفلسطيني بعد الشهداء،فلولا دماء الشهداء الطاهرة والممارسات النضالية للأسرى قبل الاعتقال ومعاناتهم بعد الأسر ما فرض الشعب الفلسطيني نفسه على العالم كشعب له قضية وطنية، ولولاهم ما طَبَقت سيرة الشعب الفلسطيني الآفاق كشعب مكافح ومناضل من أجل الحرية.عندما نتحدث عن نضال الشعب الفلسطيني فإنما نتحدث عن العمليات العسكرية والسياسية وكل أشكال المواجهة مع إسرائيل التي قام بها الشهداء والأسرى، فلولا هؤلاء ما كان شيء يسمى النضال، وتاريخنا هو ما سطره الشهداء والأسرى من أعمال البطولة.
قضية الأسرى ليست كغيرها من قضايا الاعتقال السياسي في العالم ،ذلك أن الكيان الصهيوني لا يعترف لهؤلاء الأسرى بحقوق باعتبارهم مناضلين من أجل الحرية وبالتالي لا يطبق عليهم ما تنص عليه المواثيق الدولية حول معاملة أسرى الحروب والمواجهات المسلحة، بل تتعامل معهم كإرهابيين أو خارجين عن القانون. بالإضافة إلى ما سبق فإن قضية الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال تعتبر حالة خاصة وغير مسبوقة لأنها :-
1- الحالة الوحيدة لشعب عدد معتقليه السياسيين أضعاف معتقليه الجنائيين.
2- حالة غير مسبوقة من حيث معاملة دولة احتلال لمقاتلين ينتمون لحركة تحرر وطني – منظمة التحرير الفلسطينية - معترف بها ممثلا للشعب الفلسطيني ،كإرهابيين .
3- الحالة الوحيدة التي يتم فيها توقيع اتفاقية سلام بين طرفين – اتفاقية أوسلو -  فيما يبقى مساجين سياسيين تم اعتقالهم ما قبل توقيع اتفاقية السلام في السجون.
4- الحالة الوحيدة التي استمرت فيها مفاوضات وعقدت مؤتمرات دولية حول تسوية الصراع دون أن تكون قضية الأسرى على سلم اهتمامات المفاوض الفلسطيني ، ودون التعامل مع قضية الأسرى كقضية ذات أبعاد دولية .فكيف يمكن تدويل القضية ولا يتم تدويل قضية الأسرى  الذين تم اعتقالهم على خلفية نفس القضية ؟.
5- الحالة الوحيدة التي يقبع فيها آلاف الاسرى في سجون الاحتلال ،يعانون الأمرين ،بينما مَن حرضهم ودفعهم للقيام بالأعمال التي سُجنوا بسببها يتحولون لوزراء وبرلمانيين ومسئولين كبار ويعيشون حياة الترف والبذخ .
6- الحالة الوحيدة التي يُعتقل فيها مناضلون على خلفية قضية وطنية واحدة ،فيما لا توجد استراتيجية وطنية واحدة  للدفاع عن قضيتهم.
لو أردنا أن نتحدث عن قصص وحكايات المعتقلين الفلسطينيين فالحديث لن ينتهي ،قصص تثير من الألم والغضب بقدر ما تثير من الإعجاب والتقدير،فخلف كل أسير أو أسيرة قصة بطولة وقصة معاناة وقصة صمود وقصة إنسانية،وليست قصة محمد براش التي تناقلتها وكالات الانباء اخيرة الوحيدة .للأسف كما لم يتم الاهتمام الكافي بقضية الأسرى سياسيا وقانونيا،لم يتم أيضا الاهتمام بأدب السجون والمساجين في السجون الإسرائيلية من طرف المؤسسات والوزارات الرسمية أو غير الرسمية - مع احترام الجهود الخاصة لبعض المحررين الذين دونوا تجربتهم ومن هؤلاء الأخت عائشة عوده في كتابها الأخير (ثمنا للشمس )، لم يتم توثيق ذلك كجزء من التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني، حيث تطغى الاهتمامات الإعلامية والعاطفية بقضية الأسرى على غيرها من الاهتمامات،وحتى على هذا المستوى فإن الاهتمام يكون موسميا وكرد فعل على مبادرات يقوم بها المعتقلون،فلو لم يَقُم المعتقل الإداري عدنان خضر والمعتقلة هناء شلبي بالإضراب عن الطعام مما عرض حياتهما للموت ، ولو لم يقم المعتقلون بإضراب شامل عن الطعام حاليا،هل كان الاهتمام بقضية الاسرى سيصل لما وصل إليه اليوم من اهتمام وصل لحد التوجه لعرض قضيتهم على المنتظم الدولي ؟.
توجه القيادة الفلسطينية لعرض قضية الأسرى على الأمم المتحدة او تدويلها ،خطوة مهمة ولا شك وإن كانت متأخرة،ولكن نتمنى قبل الذهاب للأمم المتحدة أن تكون قضية الأسرى محل  توافق كل القوى السياسية ،حتى لا يؤثر الانقسام على مجرى تدويل القضية ،وحتى لا يجري مع قضية الاسرى ما جرى حول تقرير جولدنستون وغيره ،وحتى لا تصبح قضية الأسرى محل توظيف سياسي من طرف الأحزاب كما يجري في بعض خيم الاعتصام التضامني مع الأسرى،وكما جرى مع قضية الاسرى المحررين.
أيضا نأمل وجود استراتيجية للتعامل مع القضية دوليا بحيث لا يتوقف الجهد الفلسطيني عند عرض القضية على الجهات الدولية ذات الشأن ،بل يجب أن تتضمن الاستراتيجية آلية عمل ما بعد صدور قرار بهذا الشأن.ولدينا سوابق مؤسفة على ارتجالية التعامل الفلسطيني مع الشرعية الدولية .فيكفي أن نَذكُر ونُذَكِر بما جرى مع عرض قضية الجدار على محكمة العدل الدولية حيث صدر عنها رأيا استشاريا مؤيدا للرؤية والموقف الفلسطيني ولكن للأسف توقف الجهد الفلسطيني عند صدور القرار ،حيث لعبت حسابات مصلحية ضيقة لبعض المسئولين الفلسطينيين وضغوط خارجية ، دورا في التوقف عند مرحلة صدور الرأي الاستشاري ولم يتم متابعة الامر في المنظمات الدولية الأخرى ،وهكذا أصبح القرار وكأنه لم يكن .نفس الأمر جرى مع ما يسمى (استحقاق أيلول) أو استحقاق الدولة ،حيث كانت حصيلة الجهد الفلسطيني وما صاحبه من ضجيج إعلامي ونفقات مالية ،حصيلة سلبية من وجهة نظرنا.
نقول نعم لعرض قضية الأسرى على المنتظم الدولي ،ولكن وحتى لا يكون قرار التوجه للأمم المتحدة نوعا من رفع العتب أو لمواجهة غضبة الشارع ،يجب التعامل بعقلانية ووضع استراتيجية متكاملة حول الموضوع تبدأ بالاتفاق فلسطينيا على الذهاب للمنتظم الدولي وعلى مجمل الخطوات اللاحقة ،سواء فيما يتعلق بالجهة التي ستُعرض عليها القضية،أو صيغة القرار وتحديد المطلوب بدقة من المنتظم الدولي ،والأهم كيفية التصرف ما بعد صدور القرار،حتى لا يُضاف القرار إلى عشرات القرارات والتوصيات حول القضية الفلسطينية التي بقيت حبرا على ورق.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 871
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا