الصفحة الرئيسية » المراهقة والشباب
شباب بين مقاعد العلم وسوق العمل

2012/11/27 | الکاتب : تحقيق: زهرة مرعي


طلاب مكافحون يبنون مستقبلهم بأيديهم ويحصّلون علمهم بعرق جبينهم، بعضهم اعتاد هذا النمط من الحياة، وبعضهم الآخر لا يتوانى عن التعبير عن وجعه لأنّ الحياة زادت بقسوتها عليه. هم أغلبية بين الشبان والشابات، يحاولون التوفيق بين أحلامهم الكبيرة وإمكاناتهم المادية الصغيرة، فينزلون إلى ميدان العمل قبل نيل شهاداتهم، ليس من باب "حرق المراحل"، بل كي لا تتبخّر طموحاتهم بحجة القلّة.
العين بصيرة واليد قصيرة"، قول مأثور لا "يؤثّر" فيهم، ولا مكان بينهم لشعارات على طريقة "على قدر بساطك مدّ رجليك". فالمستقبل بالنسبة إليهم هو اليوم، الآن، وصناعته لا تكون إلا بالنضال وصعود السلّم درجة درجة والتعاطي مع المسؤوليات.
قسم منهم يعمل في مجالات تشبه تخصصاتهم، وقسم آخر يختارون مهناً لا تمتّ بصلة إلى ما يدرسونه، ولاسيما العمل في المطاعم والمقاهي (نادل)، بعدما سقط الحُرم الإجتماعي على هذه الوظيفة التي كانت في السابق تجعل ممتهنها يغرق في الخجل.
مع طلاب وطالبات كانت هذه الحوارات حول العمل والمسؤولية الكاملة عن الذات:
- مبادرة شخصية:
منذ أن كانت في عمر الـ15 سنة، ونايلة خليفة تعمل إلى جانب دراستها. حين كانت في المدرسة، كانت تلتزم بعمل في فترة بعد الظهر والليل، وسبق أن اضطلعت بوظيفة موظف إستقبال. أما دافعها إلى العمل، فتعزوه بكل وضوح إلى "الحاجة المادية"، التي تقول إنها "ليست حاجة خاصة وشخصية فقط، بل هي تشمل مساعدة الأهل". نسألها عما إذا كان عملها بمبادرة ذاتية أم بدافع من الأهل؟ تقول: "جاء بمبادرة مني. ومَن يعمل ويشعر بالإستقلالية والسعادة، فلن يستطيع في ما بعد أن يترك وقته يذهب هباءً". وتضيف: "العمل في عمر صغير يؤدِّي إلى شخصية قوية وإلى استقلال في القرار. ذلك أنّ ثمَّة فارقاً كبيراً بين ملازمة المنزل وإنتظار المصروف من الأبوين والعمل ومساعدة الأهل. ومن الطبيعي أن يقدّر أهلي موقفي". نايلة الآن في سنتها الجامعية الأخيرة، وقد تنقلت في الكثير من الأعمال.
- واثقة:
بدورها، تعمل نادين شعبان (18 عاماً) منذ كانت في عمر 14 عاماً، وهي تدرس الإدارة والمال في جامعة خاصة، وعليها أن تدفع كل أربعة أشهر مبلغ 2000 دولار كقسط. وحتى تتمكن من الوفاء بهذا الالتزام، فهي تعمل من الرابعة بعد الظهر حتى منتصف الليل في شركة عالمية للمأكولات الجاهزة، وتعطي دروساً خاصة. هكذا يتساوى عندها الدخل مع المصروف، لاسيما أنّها لا تدفع تنقلات، حيث إنّ عملها ومنزلها وجامعتها تقع في دائرة واحدة. نسألها عمّا إن كانت تتمنّى لو يبقى لها مال للترويح عن النفس أو شراء بعض الحاجيات، فتقول: "نعم، لكن الدخل يتساوى مع قسط الجامعة". نادين تلقى التشجيع من زملائها في الجامعة، لكنهم في الوقت نفسه يرونها تتعب ما فيه الكفاية. وهي تعتز بالثقة التي تتميّز بها شخصيتها "نتيجة الاتكال على الذات منذ عمر صغير".
- تجربة:
يعمل علي معتوق منذ عمر صغير، لكن عمله هذا العام تضاعف ليفي بقسطه الجامعي، حيث يدرس الهندسة الداخلي في جامعة خاصة. هو يعمل بين 5 و10 ساعات يومياً تبعاً لدوامه الجامعي. وحصيلة عمله تغطي نصف قسطه الجامعي تقريباً والنصف الآخر يدفعه الأهل. وهل يبقى لك شيء مما تنتجه؟ يجيب ضاحكاً: "قليل جدّاً". وهل تشعر بالفرح أم بالتعب؟ يجيب: "شيء طبيعي أن أتعب ولاسيما أني أسهر ليلاً للدراسة".
وعمَّا إذا كان يتمنّى لو كان طالباً مرتاحاً من همّ العمل؟ يقول: "بكل تأكيد، إذ كنت سأتفرّغ كلياً لمشاريع الجامعة. لكنّها تجربة تدرب على مسؤوليات الحياة المستقبلية". وإذ يؤكد أن والديه يتمنيان لو لم يعمل، ويقولان له: "أنت لست في حاجة إلى العمل"، يلفت إلى أن "وجودي بمفردي حيث إنّ عائلتي تعمل في الخارج، يجعلني أجد في العمل تسليتي، وإن كنت لست بحاجة إلى العمل".
- مبادرة ذاتية:
منذ شهر ونصف الشهر فقط. قررت أليسار يونس أن تكسب تجربة عملية إلى جانب دراستها الجامعية التي تنتهي مع بداية هذا الصيف. فهي ليست في حاجة مادية، لكنها بادرت بنفسها إلى العمل. وتقول أليسار: "إنّ التجربة المهنية خلال الدراسة الجامعية مهمّة جدّاً في سجلّ الطالب الذي يحمل أوراقه بحثاً عن عمل". نسألها حتى وإن كان هذا العمل نادلة في مطعم؟ فتقول: "نعم. طلاب الجامعة العاملون ينتشرون في المقاهي والمطاعم، وهو باب العمل الأساسي لهم".
- واجب:
"أكيد أنا بحاجة لتحصيل مصروفي"، يقول كريم، الذي بدأ سنته الدراسية المهنية الأولى. هو في العمل منذ سنة ونصف السنة، بدأ العمل في التزيين والتجميل، وهو التخصص الذي يدرسه في المهنية، لكنّها يعمل حالياً نادلاً. عندما نسأله عما إذا كان يحب العمل أم يقصده كواجب، يقول: "كنت في البدايات أحب العمل، لكنّه حالياً أصبح واجباً، إذ إن من الضروري أن أعمل". يضيف: "أنا أعمل بين 6 و12 ساعة يومياً بحسب برنامجي الدراسي. كنت أتمنى لو وجدت عملاً في التزيين والتجميل، لكني لو وجدته لما كان ليتناسب مع دوام الدراسة". يعمل كريم حالياً حتى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل ويستيقظ في الثامنة صباحاً للذهاب إلى الجامعة. ورداً على سؤال حول الإرهاق الذي يصيبه، يقول: "أكيد أشعر بالإرهاق لكني على الدوام أقول: الحمد لله".
- فرح:
كان حسين في عمر الـ12 سنة حين بدأ العمل إلى جانب المدرسة. نسأله: بماذا عملت يا حسين في عمر صغير؟ يقول: "في البناء وفي الأرض وفي التنجيد وتركيب الستائر". ويضيف: "لم أترك مصلحة تعتب عليَّ، لكني فرح بهذه الخبرة". ويتابع: "منذ كنت صغيراً كنت أرغب في العمل لتأمين مصروفي وعدم الاتكال على والديّ". دراسياً، وصل حسين إلى السنة النهائية في دراسته المهنية للكهرباء. وهو يقول: "أعمل نادلاً بحدود 11 ساعة يومياً، وهذا يسمح لي بالنوم فقط ثلاث ساعات. فدوام العمل يبدأ في الرابعة بعد الظهر ويستمر حتى ساعات الصباح الأولى، وساعة الدرس الأولى في المهنية تبدأ في السابعة والنصف صباحاً".
وعن تدبير نفسه في النوم، يقول: "أنام قليلاً في وسائل النقل، وقليلاً خلال الدراسة. أنا تعب جدّاً وأتمنّى انتهاء الدراسة حتى أبدأ العمل في تخصصي". وهل الحياة قاسية؟ يجيب: "قاسية على الكثيرين وليس عليَّ فقط. خلال مرحلة الامتحانات سأترك العمل 15 يوماً لأتمكن من النجاح. لكنني فرح بهذه المصلحة لأنّها تؤدِّي إلى تواصل كبير مع الناس".
- ليس هواية:
يتابع طه دراسة الأدب الإنجليزي وهو تخصّصه الثاني بعد تخصصه في إدارة الفنادق. وهو في كل دراسته الجامعية وحتى قبلها يعمل ويدرس ويصرف علي نفسه. عندما نسأله إن كان عمله ناتجاً عن حاجة؟ يقول: "لا أظن أن أحداً يعمل ويدرس 20 ساعة يومياً على سبيل الهواية". ويضيف: "الأمر يتعلق بالإعتماد على الذات أكثر مما هو نتيجة حاجة ماسة، فليس مستحباً أن يطلب شاب مصروفه من والده". ويتابع: "لقد اتّخذت قرار العمل منذ بدأت دراسة تخصص إدارة الفنادق الذي يحتاج إلى التجربة العملية إلى جانب النظرية". ويقول: "منذ بداية دراستي أعمل لأغطي مصاريفي كلّها، وأحتفظ بجزء يسير يساعدني في تغطية أيّام الإجازات الطويلة للدراسة والمذاكرة، وكذلك تمكنت من تغطية أوقات البطالة التي كانت تنتج عن الأزمات والحروب المحلية والخارجية".
وعما إذا كان يساعد عائلته، يقول: "ضمن الممكن. أعمل ليفرح إخوتي الأصغر مني سناً بما لم يتح لي الفرح به في طفولتي". نسأله: هل أنت فرح؟ يجيب: "بصراحة، نعم، وسيأتي اليوم الذي سأرتاح فيه".
- حكم الظروف:
يعمل محمّد منذ بداية دخوله الجامعة لدراسة هندسة الكمبيوتر "لأنّ الظروف حكمت بذلك". ويقول: "أنا أدفع من عملي قسطي الجامعي ومصروفي الشخصي". وعن كيفية توفيقه بين الجامعة والعمل، يقول: "أعمل يومياً ثماني ساعات، وأعطّل يومين في الأسبوع، حيث أداوم خلالهما في الجامعة سبع ساعات يومياً". ويضيف: "أدرس حين أكون في الجامعة، وفي أيام العطلات". هل تشعر بالتعب؟ يجيب: "أقل شيء أن أكون تعباً". وهل تتمنّى الفوز بجائزة تبعدك عن العمل؟ يقول: "هل من أحد لا ينتظرها؟ فمَن يهوى التعب؟ لكن كل مَن أعرفهم في صفي في الجامعة يعملون".
- شعور مع الأهل:
أنهى أيمن عزّالدين دراسة الإلكترونيك في معهد، لكنه يعمل لجمع المال من أجل أن يتمكن لاحقاً من دخول الجامعة. كما أن أيمن عمل طوال فترة دراسته، هو يعمل بحافز خاص وليس بدافع من والديه. ويقول: "من دون أن أتلقى إشارات من والديّ، أشعر بوضعهما وبمصاعب الحياة. وأحياناً أتمكن من مساعدتهما وأحياناً لا. وكوني أعمل فقط سبع ساعات يومياً نادلاً، فأنا في بحث عن عمل آخر وأتمنّى أن أجده في مجال تخصصي، علّني أتمكن من جمع مزيد من المال يريحني من العمل في سنتي الجامعية الأولى من العمل على الأقل". نسأل أيمن: "هل أنت تعب أو مقهور أم فخور بذاتك"؟ يقول: "أعيش الإحساسين معاً، فأنا فخور ومقهور. أرى كثيرين لهم قدرة العلم من دون عمل. وأتمنّى لو أستطيع التفرغ لدراستي والتمتع بحياتي الجامعية. لكني أعمل وأنا على قناعة تامة بما أقوم به ولا أغار مطلقاً من الشباب الذين أخدمهم في المطعم. أعمل للوصول إلى هدفي وهو الجامعة".
- مدرسة الحياة:
على الرغم من أنه يعمل ليسدد أقساطه الجامعية في دراسة هندسة الميكانيك، لم يجد عفيف بصد (20 عاماً) المهنة التي يحبها بعد، علما بأنّه دخل سوق العمل قبل 5 أعوام وتنقل في العديد من الأعمال خلال هذه السنوات. نسأله: هل تدفع كامل القسط الجامعي من عملك؟ يجيب بكل ثقة: "بالتأكيد، بالإضافة إلى تأمين مصروفي الشخصي. عملي يمتد يومياً لثماني ساعات. أعمل بعد الظهر في حين أن دوام جامعتي صباحي".
وعندما نستفسر منه عن كيفية التوفيق بين العمل والدراسة؟ يقول: "لقد اعتدت هذا النمط من الحياة". يرفض عفيف أن يكون هناك أي أمر يزعجه في الحياة. كذلك ينفي أن يكون يوماً قد تمنى أو رغب في الدراسة بعيداً عن العمل. ويقول: "لو كنت مثل الناس الذين أشاهدهم من دون مهام، لكنت بالتأكيد سأملُّ من حياتي". ويضيف: "لقد اعتدت أن يكون وقتي مثمراً منذ كنت يافعاً فكيف بي الآن وقد أصبحت شابا؟". ويقول: "أنا أجد زملاء الجامعة من غير العاملين لا يتمتعون بأي إحساس بالمسؤولية"، لافتاً إلى أنّ "الحياة علمتني الكثير. وأشعر بقوة داخلية لا يمكن وصفها. كما أن والديّ فخوران بي".

 
 

نجاح عزت  

عاشت الايادي والانامل على هذا الموقع الجميع وشكرا للكاتبه العزيزة على هذا الموضوع الجيد والبناء تحيه طيبه سلام عليكم ونفس الحاله تقريبا اشعر بيها اشعر بالقوه والتوكل عل الله ومن ثم عل النفس في الاجتهاد والاعتماد عل الذات بس الا تخلو الحياه من الصعوبات والمد والجزر وغياب الفكر والقياده الحقيقيه لتنبيه وتوجيه الشباب والمجتمع فشكرا جزيلا عل الكلمات والموقع الرائع نجاح البغدادي ... استراليا

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 2305
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الدراسة خارج الوطن.. بين الرفض والتأييد
 الذكاء والخوف من الإمتحانات.. هل يجتمعان؟
 دور الأهل وقت الامتحانات
 الخوف من الدراسة
 شباب بين مقاعد العلم وسوق العمل
 حافظ على هدوئك في وجه العاصفة الصفية
 الاختبارات المدرسية.. فن أم قلق.. أم نجاح؟

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا