الصفحة الرئيسية » تحقيقات ودراسات
السذاجة.. عيب أم ميزة؟

2013/08/14 | الکاتب : تحقيق: سناء ثابت


◄يعتبر الكثيرون أنّ السذاجة عيب وضعف في الشخصية وعلامة على عدم النضج. لكن ماذا لو كان الآخر يدعّي السذاجة؟
وماذا لو كانت السذاجة تخفي تحتها قوة كبيرة تغير من أفكارنا وتكشف عن إبداع ومواهب كبيرة؟
يعتبر الناس السذاجة والبراءة مقابلاً لطريقة التفكير الوصولية أو تلك العميقة المعقدة. إلا أنّ أصحاب هذه الصفة يمكن أن يشكلوا المفاجأة، وخاصة في ثقافتنا العصرية التي تعتبر السذاجة نوعاً من الضعف الثقافي أو نقصاً في النضج النفسي. فهل يا ترى ستدفعنا الظروف الإقتصادية والبيئية غير المستقرة عالمياً إلى التعامل بحساسية وإهتمام أكبر مع مميزات كانت في السابق تعتبر عيوباً؟
 
-        السذاجة قد تخفي الجبن:
تقول منى (29 سنة، معلمة): "أعتقد أنّ الإنسان كائن طيب بالفطرة. صحيح أنّ المحيطين بي يقولون لي إنني ساذجة، وخاصة في العمل. إلا أنني أرد عليهم بأنّ الخبيثة هي التي سوف تدمر الحياة في هذا العالم، وأنّ السذاجة هي التي ستنقذ العالم". هذا كلام مؤثر عندما تمس السذاجة الجانب الإنساني والكريم فينا، إلا أنّه يجب أن ننتبه إلى أنّ السذاجة يمكنها أيضاً أن تكون مزعجة.
البعض عندما يظهرون السذاجة فهم يحاولون بذلك أن يخفوا إما الكسل أو الإستغلال (فالتظاهر بأنك ضعيف وعاجز قد يجعل الآخرين يهتمون بك ويرعونك ويساعدونك)، أو الجبن (حيث التظاهر بالجهل وعدم المعرفة يمكن أن يجنبك تحمل المسؤولية).
نادر (38 سنة، رئيس قسم في إدارة حكومية)، لا يتحمل نقص الشجاعة لدى البعض والذي يحاولون إظهاره على أنّه سذاجة. يقول: "إنّهم يستعملون عبارات، مثل: "آه، هل تعتقد أن ذلك قد ينجح؟" أو "حسناً، إذا كنت تعتقد أن ذلك أفضل" أو "هل يعقل ذلك؟ هل هذا صحيح؟".. يتصرفون بنوع من الدناءة المكشوفة بالنسبة إليّ، ولأن حيلهم لا تنطلي عليّ، أتحول إلى لعب دور الشرير. ولا يهمني ما يعتقدون به".
لكن، من أين تأتي السذاجة؟ تقول المحللة النفسية فاليرى بلانكو: "عندما نكون أشخاصاً بالغين، لا يكون لنا أي عذر لكي نكون سذجاً. إذن، فالسذاجة هي موقف غير محايد يتخذه الإنسان على لا وعي، ويمكن أن يوصف بأنّه نوع من المقاومة لشيء ما أو واقع ما. شيء من قبيل: "لا أريد أن أعرف شيئاً"، الساذج لا يريد أن يعرف أي شيء يزعجه أو يكشف أمام عينيه الواقع غير الكامل، الواقع المعيب. إذن فموقفه هو موقف دفاعي في مواجهة العالم الواقع وقسوته ومخاوفه".
 
-        تحرير العقل وإغناء الفكر:
هل المدعون الوصوليون والأشرار ذوو الحسابات الخاصة المهوووسون بفكرة إدعاء السذاجة لتحقيق مآرب شخصية هم البالغون الحقيقيون؟ ترد المحللة النفسية هنا: "كلا، لأن هؤلاء يكشفون أن لهم علاقة غير سوية بالعالم من حولهم".
فاتن (45 سنة) تتذكر والدتها التي "كانت ترى العالم طوال الوقت بلون وردي، كانت تسامح كل الناس وتجد عذراً لكل الناس، وكانت دائماً متفائلة حتى عندما يحيط بها الأشرار، حتى إذا إنهارت كانت تنهار وهي مبتسمة". وتقول: "لقد إستغرقت 12 سنة من التحليل النفسي لكي أخرج من الجنون الذي سببه لي رفضها الإعتراف بالواقع".
هل السذاجة هي مجرد طوق نجاة نفسي؟ "ربما ولكن ليس عندما تكون السذاجة موقفاً إتخذ عن وعي وكقرار واضح". تقول المحللة النفسية فاليري بلانكو، وتضيف: "عندما يتعامل المحلل النفسي مع المريض، فهو يتعامل معه من دون أفكار مسبقة، وذلك حتى لا يشوش تشخيصه للحالة بأن يعكس عليه تصوراً مسبقاً. يمكن أن نقول إنّ المحلل النفسي نوعاً ما يمثل دور الغبي أمام المريض".
 
-        السذاجة الواعية:
السذاجة عن وعي، هي تلك التي نتوصل إليها بعد تحليل، بعد أن يراجع المرء تاريخه وماضيه، وبعد أن يفهم أن هناك واقعاً قد لا يعجبه، وهناك أشخاص منافقون ويتظاهرون بما لا يضمرون، وأن عليه أن يتعامل معهم، وأن يستعملهم لكي تبقى عجلة العلاقات الإجتماعية في حالة دوران طبيعي. باختصار، لكي تكون السذاجة منتجة، يجب أن يواجه الإنسان ما لا يريد أن يعرفه، وأن يعرف أنّ الأشياء ناقصة وليست كاملة، وألا ينسى هذه الحقيقة.
كان الفيلسوف ميشيل لاكروا مدافعاً شرساً عن "روح السذاجة". يقول: "إنّها سذاجة البالغين، والتي تضم بداخلها المعرفة والواقعية وبعد النظر وأيضاً خلاصة خيبات الأمل. هذه السذاجة عندما نخنقها ونقمعها، فإننا نحرم أنفسنا من مميزات مهمة جدّاً للعيش بسلام وسعادة، مثل: الثقة، المتعة، الإنبهار، الحماسة. إنها محرك أساسي في حياتنا الإجتماعية والعاطفية والفنية. وهناك فن يسمى فن معرفة الجرعات الملائمة من السذاجة التي يمكننا إدخالها في حياتنا لكي تصبح غنية وإبداعية. ويمكننا أن نطورها بأن نافظ على قدرتنا على الإعجاب مثلاً بأن نستمتع وننبهر أمام عمل فني رائع، أو أن نحافظ على جزء من قناعاتنا الطوباوية في العمل النضالي أو التطوعي".
في فلسفة الـ"زن" التأملية هناك لفظ يعبر بدقة عن حالة الإنسان الساذج عن وعي وهي "شوشين"، أو الروح المبتدئة، حيث قال معلم الـ"زن" شانريو سوزوكي: "إنّ الروح المبتدئة ترى أمامها إمكانات وإختيارات عدة. أما روح المحترف، فلا ترى أمامها الكثير من الخيارات". بمعنى آخر، أنّ الشخص الذي يرى العالم بعين طازجة وجديدة يمكننا أن نتعلم منه الكثير.
هذه العبارة هي دعوة إلى "التحرر من أفكارنا المعقدة كبالغين، وأن نعثر على الهدوء الطبيعي الأصلي فينا. فالسذاجة هي طريقة لكي يتواصل الإنسان مع الحاضر ويعيشه. فنحن لا نعاني بسبب ما ينقصنا، ولكننا نعاني لأننا نجهل ما الذي لا ينقصنا. ولأنّه يعيش الزمن الحاضر، فالمبتدئ ينبهر ويستمتع بكل ما يلتقاه، فهو يتلقى كل شيء، ولا يفلت شيئاً" كما قال سوزوكي.►

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 2017
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 السذاجة.. عيب أم ميزة؟

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا