الصفحة الرئيسية » الدين والحياة
الحوار وانفتاح الأفق النّفسي

2013/12/05 | الکاتب : أسرة البلاغ


(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي) (طه/ 25-28).

(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح/ 1-4).

(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) (الأنعام/ 125).

ويُثقِّف القرآن الكريم أتباعه على أهمّ عنصر من عناصر النّجاح والتأثير في التعامل مع الآخر والمشاكل والأزمات، وما يحتاج إلى صبر؛ مثل الحوار، وإقناع الآخر بفكره ومشروعه وصدق دعوته..

إنّ القرآن الكريم يعرض عنصرَيْن أساسين في هذا المجال، ويصطلح عليهما بـ(شرح الصّدر) و(ضيق الصّدر)، ليُعبِّر بهما عن الوضع النّفسي للمتعامل مع المشكلة وللمحاور، ويعتبر أهم عنصر من عناصر النّجاح هو سعة الأفق النّفسي الذي يُعبِّر عنه بـ(شرح الصّدر) وتحمّل مشاقّ الحوار، والصّبر على الطّرف الآخر بما يثيره من إشكاليّات وتُهم وعبارات مؤذية، ومحاولات التضليل والتفنّن في صرف أهداف الحوار عن مساراتها، بغية إفشال الحوار، أو الخروج بانتصار حواري مزيّف؛ لذلك يخاطب القرآن نبيّه الكريم محمّداً (ص) بقوله:

(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) (طه/ 130).

إنّ من المحاورين مَنْ هو صاحب الحقّ، وبيده الأدلّة الكافية، والوثائق المُقنعة، ولكنّه سريعاً ما يضغط الطّرف الآخر على أعصابه، ويستثير غضبه، فيضيق صدره، ويتعامل بعصبية وانفعال فيخسر الجولة.. بل وربّما ضيّع فرص التّقارب وكسب الأصدقاء بسبب ضيق أفقه النّفسي، ومزاجه العصبيّ في الحوار، وردوده المثيرة للطّرف الآخر.. فينفضّ عنه الأصدقاء، ويكسب الجولة الخصوم والمنافسون، ولو صبر على الحوار، وتجاوز محاولات الإثارة من الطّرف الآخر لكسب الجولة، وطوّق خصمه ومنافسه، واستمال الرّأي العام إلى جانبه..

والإتِّصاف بسعة الصّدر وانشراحه صفة تُعبِّر عن التّوازن الإنفعالي، وقوّة الإرادة والحكمة في التّعامل مع الموقف.. ويُسجِّل لنا القرآن تجربة إنسانية حيّة تُمثِّل أعلى مستويات الظّاهرة.

نقرأ في دعاء موسى (ع) حين أمره الله سبحانه بالذِّهاب إلى الطّاغية فرعون ليحاوره ويدعوه إلى الهُدى.. نقرأ طلبه من الله سبحانه أن يشرح له صدره، ويُطلق لسانه.. أن يجعل قلبه واسعاً لتحمّل إثارات الحوار، وصدماته النّفسية، ومفارقات الخصم الفكرية، وردود الطّاغية واستعلاء الطّغيان..

(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي) (طه/ 24-28).

ويعتبر القرآن الكريم شرح الصّدور لحمل الدّعوة، والصّبر على أذى الخصوم موهبة ومِنّة من الله سبحانه على نبيِّه الكريم محمّد (ص)، وتأهيلاً لحمل المسؤولية وتبليغ الرِّسالة. لذا خاطبه سبحانه بقوله:

(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ).

ألم يهبك الله سعة الصّدر، ورحابة الأُفق النّفسي يا محمّد (ص)، لتستوعب مشاكل الصِّراع، ويتّسع قلبك لحمل الرِّسالة، مع ما فيها من معاناة، ومواجهات نفسية صعبة.

كرّر القرآن خطابه للنّبيّ (ص) أنّك تلاقي ضيقاً وحرجاً من صراع الخصوم ومواقفهم العدوانيّة الرافضة لخطاب الدّعوة الإسلامية فاصبر عليهم، ولا يكن في صدرك حرج، ولا يتسرّب الضِّيق إلى صدرك.. فإنّك تحمل رسالة الحقّ في مواجهة الباطل، وطبيعي أن يجابهك أهل الباطل بتلك الرّدود والجدل والإشكالات المثيرة.

جاء هذا التوجيه القرآني في قوله تعالى:

(كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف/ 2).

(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) (هود/ 12).

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر/ 97).

إنّ صاحب المبادئ وصاحب الرِّسالة، ومَنْ يحمل مشروعاً سياسياً أو تغييرياً يواجه من كثير من النّاس الصّدود والرّدود القاسية، وربّما الحرب النّفسية والتّشكيك، وعليه أن لا يضيق بما يقولون ذرعاً، ولا يتردّد أو يتراجع أمام الضغوط النّفسية وحرب الإشاعات، وأن يكون منشرح الصّدر، مسروراً بحمل رسالته ومسؤوليّته، ما دام هو على الحقّ، وعلى نور من ربِّه.. يضع القرآن أمامنا هذه الثّقافة بقوله:

(أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الزّمر/ 22).

إنّ القرآن يُثقِّف الإنسان المسلم بهذه الثّقافة الحواريّة، ويدعوه إلى أن يكون واسع الصّدر، منشرح النّفس، لا يضيق صدره، ولا تستولي العتمة على أفق نفسه.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 584
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 المحاورة مع أطفالنا
 برمج طفلك على الحوار منذ الولادة
 الحوار في القرآن الكريم
 ماذا عندما يختفي الحوار؟
 الحوار والتواصل
 في معنى الحوار الديني
 رؤية الإسلام للحوار الديني
 الحوار فاعلية
 لماذا لا تتحاور مع أبيك؟
 نحو حوار إيجابي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا