الصفحة الرئيسية » كتاب الله
أخلاقية الكلمة

2014/05/05 | الکاتب : أسرة البلاغ


الأخلاق في القرآن تشكل محوراً اساسياً للبناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.. بل وفي الدعوة والتبليغ والحوار مع الآخر، بل وفي الإيمان بالله والعقيدة.. يجسد هذا المعنى قوله تعالى: (هل جزاء الاحسان الا الاحسان).. ثبّتها القرآن عندما ذكر الانسان بفضل خالقه عليه.. اذ خلقه وسوّاه في أحسن تقويم وأنعم عليه..  فالقراءة المتأملة الواعية لنصوص القرآن ومفاهيمه تكشف لنا العمق الاخلاقي في دعوة القرآن، واهتمامه بها.. وما جاء هذا الاهتمام التربوي والثقافي بالاخلاق إلا لأن الاخلاق هي القوى المحركة في اعماق الذات والمادة الاساسية للسلوك، فالصدق والامانة والوفاء بالعهد والعدل والعفو والتسامح وحسن التعامل مع الاخرين.. والكذب والغيبة والنميمة والخيانة ونقض العهد والظلم والقسوة والانتقام وسوء التعامل.. كلها ممارسات سلوكية تنطلق من الطبيعة الاخلاقية للذات، لذا فهي تكشف عن العمق الباطني للانسان.. أي انها تكشف عن تكوينه الاخلاقي وبنيته النفسية ونوازعه الباطنة.. ويبني القرآن العلاقات الانسانية على اسس اخلاقية راسخة وسامية.. فهو يبدأ بأخلاقية الكلمة المعبّرة عن محتوى الانسان الفكري والعاطفي، ولأنها أسلوب التخاطب، وتكاشف الذوات، والمعّرف لطرفي الخطاب.. انه يدعو الى الكلمة الطيّبة.. كلمة الدعوة إلى الخير والإصلاح والهـدى، وفي التعامل الاجتماعي بين الناس.. في الاسرة والسوق والمجتمع.. بين الحاكم والمحكوم.. وفي الحوار مع من نختلف معهم في العقيدة والأهداف الفكرية والسياسية والاجتماعية.. الخ

شبّه القرآن الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، تؤتي ثمارها ونتائجها وأثارها الانسانية والعملية في الحياة الدنيا.. عطاء متواصلاً غير منقطع.. فالكلمة وفق منهج القرآن ليست لفظاً عشوائياً يُصنع، ولا نطقاً عدوانياً يُطلق، ولا تضليلاً او اغراء بالباطل، فينتج الضلال والانحراف والشر، أو يثير الألم والجراح في النفوس، أو يزرع اليأس والكراهية، أو يستفز الآخر.. ومن يستخدم الكلمة هذا الاستخدام الأخلاقي السيّئ انما مثله كمثل من يزرع شجرة خبيثة، لا تنتج الا الثمرة المرة الخبيثة.. والقرآن في تصويره الفني الرائع هذا يرسم امامنا صورتين لنوعين من الكلمة.. مجسدتين بمثال حي: الشجرة الطيبة.. التي تمتد من ثبات الارض حتى تعانق السماء.. لسمو معانيها وتواصل عطائها، وقربها من ربها، فهي نامية معطاء في الدنيا والاخرة..

قال سبحانه:  (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) (إبراهيم/ 24-25-26). ويتحدث القرآن في موضع آخر عن اخلاقية الكلمة، وكيفية مخاطبة الاخر.. جاء هذا البيان في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) (البقرة/ 83). وهذا البيان، وان كان خطابهُ يعبر عن  الخطاب والميثاق الموجه لبني إسرائيل فيما مضى الاّ  انه خطاب موجه لكل متلق لهذا القرآن.. فكل مفردات هذا الخطاب قد تضمنتها آيات أخر.. ويتركز الحديث في هذا الموضوع حول قوله تعالى: (وقولوا للناس حسناً).

ويفسر الامام محمد الباقر (ع) حفيد الرسول الكريم محمد (ص) هذا المقطع الداعي الى   اخلاقية الكلمة، ويوضح ان معناه: (قولوا للناس احسن ما تحبون ان يقال لكم، فان الله  يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، الفاحش المتفحش، السائل الملحف، ويحـب الحليم العفيف المتعفف).

ثم اوضح الامام الباقر (ع) البعد الانساني في هذا الخطاب.. أوضح بأن دلالة هذه الاية عامة، فالقول الحسن يخاطب به الجميع.. المسلم وغير المسلم.. وعن طريق الكلمة والقول الحسن الجميل تبنى جسور العلاقة النفسية والعاطفية والفكرية.. جسور المحبة والرضا والاحترام المتبادل مع الآخر.. فلا نخاطبه ولا يخاطبنا الا بالقول الحسن الجميل.. فان الكلمة الحسنة الجميلة تترك اثرها الحسن الجميل في النفس، لذلك اعتبرها الرسول الكريم صدقة لحاجة الناس اليها كحاجة الفقير الى العون المادي، قال (ص): (الكلمة الطيبة صدقة)..

اما الكلمة البذيئة الفاحشة.. الكلمة الجافة الجارحة المنفرة، تترك أثرها السيئ في النفس، وربما تركت جرحاً لا يندمل.. أو وضعت حواجز نفسية يصعب ازالتها، أو تسببت بمشاكل وازمات، أو كانت سبباً في منع الاصلاح بين الناس.. ان اول ما يجب أن نربي عليه ابناءنا في البيت والمدرسة والمجتمع هو الصدق، واستعمال الكلمة الطيبة.. التحية وكلمة الشكر والاحترام، وان نبعدهم عن كلّ ما يلجئهم الى الكذب، ونجنبهم الاجواء الملوثة بسموم الكلمة الفاحشة البذيئة، لاسيما أصدقاء السوء والتخلّف.. وفي موضع آخر يتحدث القرآن عن الكلم الطيب وعلاقته بالعمل الصالح.. قال سبحانه: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) (فاطر/ 10).

والقرآن في هذه الآية يربط بين الكلم الطيب والعمل الصالح.. وأبرز مصاديق الكلم الطيب هو الاعتقاد الحق بالله سبحانه وكلمة التوحيد.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاصلاح بين الناس.. ومخاطبة الآخرين في البيت والمدرسة والسوق والمجتمع ومؤسسات الدولة.. مخاطبتهم بالحسنى ليشيع استعمال الكلمة الطيبة، والذوق الانساني الرفيع. ويعتبر القرآن الكلمة الطيبة هداية من الله سبحانه لأهميتها في حياة الانسان، وأثرها في سلوكه وعلاقته مع الاخرين كما يهتدي الى الايمان، بل وهي من فضل الله سبحانه على الانسان.. ويوضح القرآن ان القول الطيب من صفات المؤمنين المهتدين للحق والصلاح وحسن السيرة.. قال تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج/24). وفي هذه الاية يقرن الوحي أيضاً بين الهداية الى الكلمة الطيبة والهداية الى العمل الصالح.. ان مشكلة الكلمة من المشاكل الاخلاقية الهامة في عالم اليـوم.. فالكذب والتبجج وتزييف الحقيقة، وشهادة الزور، وتضليل الناس فكرياً وسياسياً ومعلوماتياً وتزييف الحقيقة، واسقاط الآخرين، في المجالس، وفي وسائل الاعلام.. ان كلّ ذلك وامثاله من سيئ القول والكلم الخبيث.. كما وانه من أخطر حالات الاستعمال الهدام للكلمة المقروءة والمكتوبة.. والقرآن يثقف اتباعه ويهديهم الى الكلمة الطيبة ليبني مجتمعاً طيباً ونظيفاً من السيئ والقبيح، ومن الشرور والاثام.. وليكون اللسان اداة خير وبناء واصلاح بين الناس، وليس وسيلة شر وهدم وعداون.. ذلك ما يدعو له القرآن بقوله ((لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )) (النساء/ 114).. وللكلمة أثرها ومردودها على الناطق بها نفسه، ان خيراً فخير، وان شراً فشر.. فهو الذي يجئ بنتائج الكلمة وحصارها الطيب والخبيث، ويتحمل مسؤوليتها في الدنيا والاخرة.. فكم من كلمة خبيثة تسببت بفتنه وهدمت اسراً وعوائل، واصبحت العداوة والبغضاء بين هذا وذاك، وقادت الكثير من الناس الى الهلكة والدمار.. فكم من مخدوع اصغى الى ما يلقي اليه من زخرف القول فتقبله وخدع به فأصبح ضحية الكلمة المظللة الخبيثة.. ان ثقافة القرآن تزيد الانسان وعياً، وتحذره من الاستماع وتقبل الكلمة الممنقة الخبيثة، التي تقوده الى الدمار والضلال والانحراف العقيدي والسلوكي.. أو تلك التي يضربها الناس ويؤذيهم بالباطل والفساد والعدوان.. هدانا القرآن الى الحق بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ* وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) (الانعام/ 112،113).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 833
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 «الأخلاق» سلوك ومعرفة
 مكانة الأدب والذوق في ديننا
 موقع الأخلاق على خارطة الدين الإسلامي
 الآداب الاجتماعية التي تُهذّب المجتمع في القرآن
 الشباب والتعلم من الأخطاء
 تهذيب السلوك
 تقريب الشباب من المعتقدات الأخلاقية
 الثبات نفيس لكنه عزيز
 القيم الأخلاقية والأمن المجتمعي
 واقعية الأخلاق الإسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا