الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المرأة التي صنعت من الانكسار قوة

2014/05/19 | الکاتب : عمار كاظم


كان يوم ولادتها يوما تمازجت فيه الأفراح بالعبرات والوجوم بالابتسامة والحزن بالمسرة... تفاعلت كلّ تلك المشاعر في قلب محمد (ص) وفي نفس علي وفاطمة (عليهما السلام)، وهم يطلون على عالم الغيب من خلال ما علم الرسول (ص). فتلك الوليدة ينتظرها يوم رهيب وسيلقى على عاتقها ميراث الصراع الطويل... ولدت زينب (ع) فجاءت بها أمها فاطمة (ع) تحملها إلى أبيها علي (ع) تطلب منه أن يختار لها اسمها المبارك... وعلي (ع) كعادته لم يكن يسبق رسول الله (ص) في تسمية أبنائه الحسن والحسين اللذين يكبران البنت الوليدة، فقد كانت هي أول بنت ولدت لعلي وفاطمة (عليهما السلام) بعد الحسن والحسين (عليهما السلام). أجاب علي (ع) لم أكن لأسبق رسول الله (ص) في تسميتها فلنسأل رسول الله (ص) في ذلك. وفي أجواء هذا الحوار والحبور الذي يملأ بيت علي وفاطمة (عليهما السلام) هبط جبرائيل (عليه السلام) وأقرأ النبي (ص) السلام من رب العزة، وقال له: سمها زينب، فإنّ الله اختار لها هذا الاسم. عاشت تحوطها عناية الجد العظيم محمد (ص) ورعاية أبويها علي وفاطمة (عليهما السلام) والكل ينظر إليها نظرة العطف والحنان يقرأ في شخصيتها المستقبل المحزن والفاجعة المروعة لآل محمد (عليهم السلام) وفي ظل الطفولة الوادعة الطاهرة، تشهد زينب (ع) مرض جدها (ص) وتشاهد أمها تعيش الألم وتذرف الدموع وترتسم على وجهها المشرق علامات الحزن والأسى وما هي إلّا ثلاثة أيام حتى توفي الرسول (ص) ويلتحق بالرفيق الأعلى وتحل الفاجعة الكبرى ببيت علي وفاطمة (عليهما السلام) فتخيم عليه أجواء الحزن والترقب لما بعد مرحلة النبوة، عاشت السيدة زينب (ع) طفولتها الأولى في كنف جدها رسول الله (ص) الذي أغدق عليها حباً وعاطفةً وحناناً كما أغدق على أخويها الحسن والحسين (عليهما السلام)، وتربت في بيت لم يكن كبقية البيوت، بيت كان مهبط قلب رسول الله (ص)، بيت يفد إليه في ذهابه وإيابه وقبل سفره وبعد رجوعه منه، هو البيت الذي لطالمـــــا نزل فيه الوحي: (اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب/33) هو بيت الخلق والعلم والبطولة والبلاغة والعبادة والصبر والجهاد في سبيل الله في هذا البيت ترعرعت السيدة زينب (ع) وعاشت فحظيت برعاية أمها في حياتها القصيرة معها وبعد ذلك برعاية أبيها الإمام علي (ع) الذي حرص على أن تصاحبه إلى كلِّ الأمكنة التي تنقل فيها، فكانت تسكن حيث يسكن، لم تفارقه حتى بعد زواجها وحتى بعد انتقاله إلى الكوفة عندما تسلم الخلافة، تزوجت السيدة زينب (ع) من ابن عمها عبدالله بن جعفر بن أبي طالب الذي كان له دوره الرسالي إلى جانب تميزه بكرمه حيث كان يسمى ببحر الجود، وقد رزقت منه بخمسة أولاد منهم عون ومحمد اللذان استشهدا في كربلاء خلال وجودهما معها. اقترن اسم السيدة زينب (ع) بعدة ألقاب ميزتها وعبرت عن شخصيتها وحضورها فقد لقبت بعقيلة بني هاشم والعقيلة تعني العزيزة في قومها، الكريمة في نسبها فهي كما حظيت بتكريم في بيتها كان لها دورها وحضورها في مجتمع المدينة والكوفة وكانت محط احترام الجميع ومقصداً لكلِّ طالبي حاجة كما لقبت أيضاً بالعالمة وهي التي نهلت العلم من أبيها وأمها فكانت عالمة بالقرآن والحديث وكان الرجال والنساء يرجعون إليها وإلى موقعها العلمي.

كما أشار الإمام زين العابدين (ع): «كانت عمتي زينب (ع) عالمة غير معلمة وفاهمة غير مفهمة» ومن ألقابها أيضاً عابدة آل محمد فقد كانت تقوم الليل حتى تتورم قدماها وقد ورد عنها: «من أراد أن لا يكون الخلق شفعاءه فليحمد الله فانّ الله يسمع لمن حمده، خف الله لقدرته عليك، واستح منه لقربه منك». كما كانت تلقب بالفاضلة فقد كانت أفضل النساء في عصرها في علمها وعطائها وجهادها وطهارتها. وهي الصابرة فقد واجهت (ع) أمر المصائب التي مرت على هذا البيت الطاهر إذ عاشت مصاب فقد رسول الله (ص)، ومعاناة أمها الزهراء وأبيها (عليهما السلام)، وما عاناه الحسن والحسين (عليهما السلام). لكنها كانت تواجه كلّ ذلك بإيمان وصبر وعنفوان. لقد أظهرت ثورة الحسين (ع) عظمة شخصية زينب (ع) فهي ما أن اخبرت الحسين (ع) برغبتها في الخروج معه لتلبية نداء أهل الكوفة وقيادة ثورتهم على حكم يزيد حتى لبت النداء وتركت من أجل ذلك كلّ شيء. ويكفي انّه عندما تذكر زينب (ع) في التاريخ والحاضر وفي المستقبل يكون اسمها مقروناً بالبطولة والعنفوان وعمق التأثير الذي تركته في وجدان المسلمين والأحرار في العالم ستبقى مثالاً يحتذى به ليست مثالاً للنساء فقط في لجم العاطفة من أجل الحقّ هي مثال للرجال أيضا في إعادة إنتاج القوة من الهزيمة والانكسار وهي مثال انتصار الكلمة على السيف. وتعالى نداء زينب (ع) لإنقاذ الحسين (ع) وهو في الرمق الأخير ولكن دون جدوى وليس من حولها إلّا مشتبك الأسنة والرماح وأحقاد الطغاة العبيد... خاطبت تلك الزمرة الباغية: «ويحكم: أما فيكم مسلم فلم يجبهــــــا أحـــد بشيء....»، «أتبكون وتنتحبون؟ أي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوا بسل بعدها أبداً وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة ولاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدرة سنتكم ألا ساء ما تزرون وبعداً لكم وسحقاً فلقد خاب السعي وبتت الأيدي وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة». فهي لم تحمل في حركتها شعاراً مذهبياً أو خاصاً وكما وقف الحسين (ع) وقفت هي في وجه الظالم والطاغية وكلّ من يعيث بالأمة فساداً أياً كان مذهبه، وهذه الصورة التي تميز بها أهل البيت (عليهم السلام) فهم كانوا دعاة وحدة وتواصل ومد جسور لذلك نقولها لكلِّ المسلمين تعالوا ومن موقع حبنا وتقديسنا للسيدة زينب (ع) لنقف معا كما وقفت في مواجهة الظالمين والطغاة والمستكبرين في مواجهة صانعي الفتن الذين يريدون تفريق جمعنا وتفتيت وحدتنا فليكن حبنا لآل البيت هو الجامع هو ما نلتقي حوله بعيداً عن كلِّ حساسية وبعيداً عن كلِّ عصبية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 414
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا