الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
جريمة الإفساد في الأرض

2014/05/21 | الکاتب : عمار كاظم


من أعظم صور الفساد عندما يقدم المفسد نفسه مصلحاً ويدعي أنه يمثل الحقيقة

لقد حذر القرآن من الفساد في الكثير من الآيات.. ودعا الناس أفراداً وجماعات إلى محاربة الفساد ومواجهته وعدم السكوت عنه أو تبريره.. فقال سبحانه: {… وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (النمل/77) { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا…} (الأعراف/56) { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (المائدة/64) {… وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} (يونس/40) ويظهر اهتمام القرآن بمسألة الفساد من عدد المرات التي ذكرت فيها هذه الكلمة أو احدى مشتقاتها (أكثر من خمسين آية). فما هو الفساد؟ الفساد ليس نقيض الصلاح فقط انه أكثر من ذلك. انّه آفة، وطاعون، ووباء، ففي اللغة لا فرق بين الفاسد والباطل، وتفاسد القوم يعني قطعوا الأرحام وفسد اللحم يعني انتن. وما نلاحظه في معظم الآيات التي تحدثت عن الفساد، انها قرنت بين كلمة الفساد وكلمة الأرض، لأنّ الأرض جعلها الله بما أودعه فيها مكاناً صالحاً للعيش الكريم، فما أن يحل الفساد حتى تصبح دورة الحياة في خطر. الله سبحانه وتعالى يعطي صفة التدمير للفساد، نعم الفساد يدمر، هو كالحريق الذي يشب في بيت، إن لم يطفأ فإنه سينتقل إلى بيوت أخرى، وحيثما حل سيحرق ويدمر. والإفساد كما يطال الأرض فيسبب خللاً في نظامها وقوانينها كتدمير البيئة وإحداث التلوث والقضاء على الكائنات، وكذلك يطال الإفساد كينونة الإنسان نفسه، يطال الإنسان في وجدانه، ومشاعره وحاجاته الجسدية والروحية.. فالله خلق الإنسان في نظام متقن ودقيق {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين/4) وهذا النظام يجب أن يحمى ويرعى ويحترم {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا..} (الشمس/9-10) فالفساد يطال أفكار الإنسان فيسممها، ويطال روح الإنسان فيدمرها، ويطال عقل الإنسان فيخربه ويطال قلب الإنسان فيقسو ويموت، ويطال أخلاق الناس فينحرف بها عن خط الإسلام ووسطية الإسلام ورحمة الإسلام.. ولعل أكثر ما يعزز موقع الفساد أن يتولى الذين يفسدون، مواقع السلطة ويمتلكون الصلاحيات مع غياب الرقابة أو المحاسبة.. وإلى هذا أشار القرآن الكريم عندما قال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ…} (محمد/ 22). {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة/ 204-205). إذ الخطورة عندما يتولى الإنسان أمراً أو مسؤولية، ولا فرق، بين أن تكون السلطة سلطة سياسية أو سلطة دينية أو سلطة حزبية أو سلطة اجتماعية أو سلطة اقتصادية أو سلطة نفعية. انّ الإفساد لا يمكن أن يمر دون أن ترتد نتائجه إلى صاحبه، أكان أمة أم فرداً أم جماعة {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم/41) {… فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (النمل/14). ويحدثنا القرآن عما آلت إليه أحوال المفسدين في التاريخ لنتخذهم عظة فيقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (الفجر/6-14). كذلك يعظنا بمصير قارون: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} (القصص/ 81). انّ من أعظم صور الفساد، عندما يقدم المفسد نفسه مصلحاً.. ويدعي انه يمثل الحقيقة، وانّ ما يقوم به هو لأجل التغيير نحو الأفضل.. وبذلك تنقلب المقاييس في الحياة.. بحيث يصبح المفسد مصلحاً والمصلح مفسداً.. وهنا تكون المصيبة.. وهذه الصورة هي التي أشار إليها الله سبحانه عندما تحدث عن المنافقين قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} (البقرة/ 11-12). بهذا المنطق تعامل فرعون مع قومه، عندما نصب نفسه واعظاً وراح ينصح ويقول لهم عن نبي الله موسى: {… إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ} (غافر/26)، ولا عجب في ذلك، فهذا دأب المفسد والمنافق الذي يتلون كما تتلون الحرباء لأجل تمرير مشاريعه وأهدافه وطموحاته ومصالحه، ولكي ينجح يستخدم.. سياسة التجهيل: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ..} (الزخرف/54) انّ من يتصدى لتحمل المسؤولية، أي مسؤولية سواء كانت في مجال السياسة والقيادة والإدارة أو في مجال الفكر والعقيدة أو التربية والأسرة.. إلخ عليه أن يعرف واجبه وأن يكون مؤهلاً لأداء الاستحقاق القيادي وأن يكون مستعداً لمواجهة المشاكل والأزمات وتحدي الضغوط والحرب النفسية.. وقادراً على التفكير والتخطيط وإدارة المواقف والأزمات. وأن يكون لديه الأمانة والنزاهة.. فالأمانة شرط من شروط حمل المسؤولية والقيادة إلى جانب شرط القوة والصلابة. {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (النساء/ 58) انّ القرآن يوحي بهذا النص انّ الحكم أمانة.. ومن يحمل مسؤولية الحكم يجب أن يكون أميناً على كلّ ما يتولاه من مال ودماء وأعراض وكرامات.. إلخ فلا يستول على أموال الأمة وثرواتها ولا يستهين بدمائها وكراماتها وأن يكون عادلاً في سياسته وتعامله.. ومن لا يملك القوة والأمانة والنزاهة والعلم والقدرة على حفظ المسؤولية فلا يحق له أن يتصدى لقيادة الأمة وحمل المسؤولية ولا يحق للأمة وللاتباع أن ترضى بمن لا تتوفر فيه تلك الشروط والمواصفات. حسن التعامل مع الاتباع ومن يقودهم ويدير شؤونهم يتحدث القرآن عن تعامل القائد مع من يقودهم فيتحدث عن صفة التواضع والمحبة والتواصل والتشاور ويهاجم القرآن صفة التكبر والطغيان والتسلط في القائد على من يقودهم ويدير شؤونهم فيعرض لنا خلق الرسول (ص) النموذج القدوة.. قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران/ 159).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 456
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية
 الإمام السجاد (عليه السلام).. مدرسة إسلامية متحركة
 الحسين (عليه السلام) وتلبية الأمر الإلهي
 الشباب.. الثروة الحقيقية للمجتمع
 الأمر بالعدل والإحسان
 اليوم العالمي للمعلم.. دعوة للشكر والعرفان
 الأهمية العالمية لمبدأ اللاعنف

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا