الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
مسؤولية الأمانة

2014/05/24 | الکاتب : عمار كاظم


هناك صفتان ايجابيتان أراد الله سبحانه وتعالى للإنسان المؤمن أن يلتزمهما في بناء شخصيته الإيمانية، بحيث يشعر الناس عندما يعيشون معه، بأنهم يأتمنون على أموالهم عنده، ويثقون بأحاديثه التي ينقلها إليهم، فهو يمنح الناس الإحساس بالأمان عندما يعيشون معه، بلا فرق بين أن يكون الموقع داخل العائلة، كالأب مع أولاده، أو الزوجة مع زوجها، أو الزوج مع زوجته، أو الناس مع بعضهم البعض، أو أن يكون في مواقع اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية. فصدق الحديث، من المسائل التي تؤسس لحالة من الاستقرار الفكري والسياسي والاجتماعي بين الناس، لأنّ الإنسان إذا صدق في حديثه في كلِّ ما يخبر به، سواء كان حديثه يتعلق بالجانب الديني أو بالجوانب الأخرى من الحياة، اطمأن الناس له، واعتبروا ما حدثهم به هو الحقيقة. وقد حدثنا الله عن الصدق في قوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) (الزمر/ 33). أما أداء الأمانة، فانها ربما تتمثل عند الناس في العرف الاجتماعي العام، بإيداع الإنسان مالاً عند شخص، ولكن الأمانة تشمل كلّ التزام للإنسان مع الإنسان الآخر، في كلِّ ما يتعلق بشؤون حياته؛ فعقد الزواج هو أمانة الله، فيما شرَعه الله من الحقوق الزوجية للزوج تجاه الزوجة، وللزوجة تجاه الزوج، فالزوجة هي أمانة الله عند زوجها، فليس له أن يخونها أو يظلمها أو يضطهدها أو يتجاوز التزاماته الزوجية معها، والزوج هو أمانة الله عند زوجته، فليس لها أن تخونه أو تتجاوز التزاماتها الشرعية التي التزمتها معه. وهكذا في الحياة الاقتصادية، فانّ الالتزامات الاقتصادية تمثِل أمانةً للناس بعضهم مع بعض، وكذلك الأمر في الالتزامات السياسية، فالإنسان عندما يكون في موقع سياسي، سواء كان في موقع رسمي أو في موقع من مواقع القرار، لا بد له من أن يؤدي الأمانة إلى الناس الذين ائتمنوه على الموقع الذي وضعوه فيه، أو على القرار الذي يصدر عنه في قضاياهم العامة والخاصة. وهكذا في كلِّ موقع يلتزمه إنسان مع إنسان آخر.

والأمانة رأس مال المجتمع الإنساني فمن خلالها يأمن الأفراد على ممتلكاتهم ومقدراتهم ويحافظ المجتمع على طاقاته وإمكاناته وثرواته ويحفظ المال العام الذي قد يستباح بحجة انه مال لا صاحب له كما يقول البعض وينسى هؤلاء انّ هذا المال هو ملك لكلِّ المجتمع والإساءة إليه هي إساءة إلى كلِّ أفراده.... ويتوسع مفهوم الأمانة في القرآن الكريم ليشمل أكثر من أفق (وَالَذِينَ هُم لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المؤمنون/8). فهي تشمل كلّ المسؤوليات التي حملنا الله إياها في الحياة والتي تحملناها بإرادتنا أو حملنا إياها المجتمع وهكذا تتحرك الأمانة في أفعالنا وحتى في كلِّ أقوالنا فمجالس الناس بين أيدينا أمانة ومقتضى الواجب أن نحافظ على أسرارهم وخصوصياتهم بأن لا نبوح بها وإن باحوا هم بأسرارنا وقد ورد عن علي (ع): "لا تخن من ائتمنك وإن خانك، ولا تذع سره وإن أذاع سرك".

وكما انّ للأمانة بعداً فردياً لها أيضاً بعد جماعي وقد ورد في الحديث عن النبي (ص): «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فالأولاد أمانة لدى الأهل والزوج أمانة لدى زوجته والزوجة أمانة لدى زوجها والوالدان عندما يكبران أمانة لدى أولادهما والحاكم أو المسؤول أمين على كلِّ الذين انتخبوه وعليه أن يتحمل مسؤوليتهم في حل مشاكلهم ومتابعة قضاياهم والحفاظ على قوتهم واستقلالهم وصيانة بلدهم كما انّ المجتمع مسؤول كلّه عن واقعه فهو أمين على الإسلام والقرآن والأخلاق والقيم أن لا تضيع بين أبنائه. وقد اعتبر الإمام علي (ع): «شر الناس من لا يعتقد الأمانة، ولا يجتنب الخيانة» وأشار إلى انّ الأمانة مفتاح الرزق والسبيل للحصول على الثروة والثقة بين الناس وهي صمام الأمان للمجتمعات وهي نظام للأمة.

وإذا كنا اليوم نعاني فوضى أو فساداً أو اختراقاً في مجتمعاتنا فانّه يعود إلى انعدام الشعور بالمسؤولية عند البعض الذين تقع تحت أيديهم مقدرات المجتمع وإمكاناته بحيث لا يفكرون إلا في حساباتهم الخاصة الضيقة ولا يفكرون في حسابات الله أو الوطن أو المجتمع. وقد لا يختلف اثنان حول قيمة الأمانة لكن ما العمل حين يحور مفهوم الأمانة ويروج لها لتصبح شيئاً آخر وهذا ما حذر منه الرسول الأكرم (ص) عندما قال: «كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً» واستغرب يومها أصحابه: «أيكون ذلك يا رسول الله؟» ونحن نقول اليوم نعم يا رسول الله فاليوم وللأسف ينظر إلى الأمانة على أنها مشكلة للشخص الأمين وعائق أمام وصوله إلى المراكز والمناصب والمقدرات المشكلة اليوم انّ الشطارة تقتضي إنعدام الأمانة وضرورة معرفة «من أين تؤكل الكتف» كما يقولون فالشطارة هي عندما ينجح العامل في التهرب من المسؤوليات التي يتحملها ويخلص نفسه أمام مسؤوله أو رب عمله، ولكنه من حيث يعلم أو لا يعلم فانه يضر نفسه ومجتمعه قبل أن يضر من ائتمنه وفي هذا أوصى لقمان ابنه بأداء الأمانة فقال: «يا بني أدم الأمانة تسلم لك دنياك وآخرتك، وكن أمينا تكن غنيا» والمشكلة اليوم أيضاً هي الخلط بين الخاص والعام حيث نبيح لأنفسنا التصرف في كلِّ ما هو عام وليس ملكنا وهنا لا بد لنا وكم نحن بحاجة إلى إعادة صياغة مجتمعنا ونظرتنا إلى الأمور وتقييمنا للأشخاص على أساس متين من الصدق والأمانة والدقة.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 362
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا