الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ولادة الإسلام في يوم المبعث الشريف

2014/05/25 | الکاتب : عمار كاظم


يقول الله تعالى في كتابه المجيد: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة/2).. ويقول تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة/33). ذكرى المبعث النبوي الشريف، وهو اليوم السابع والعشرون من شهر رجب الذي بعث الله تعالى فيه رسوله برسالته إلى الناس من أجل أن يبلّغهم رسالة الله، وليخرجهم من الظلمات إلى النور، كما قال الله تعالى في كتابه: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحديد/9).

إشراقة الرسالة الإسلامية

فقد كانت الرسالة الإسلامية إشراقة في عقول الناس التي أظلمت من خلال الخرافات التي عششت في داخلها، وكانت إشراقة محبة في قلوب الناس التي حملت كلّ الحقد والعداوة والبغضاء. وأراد الله تعالى للرسالة أن تشرق في حياة الناس لتهديهم إلى الصراط المستقيم.

وانطلق النبي (ص) بالرسالة كما علّمه الله، وهو الذي كان في مدى الأربعين سنة التي سبقت إرساله بها يعيش تأملاته وعبادته في غار «حراء»، ولكن الله تعالى لم يُنزل عليه الكتاب ويبلغه بتفاصيل الإيمان مما أمره به ونهاه عنه، ومما وجّهه إليه، إلا عندما أرسله بالرسالة، (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى/52).

الصدع بالرسالة وتلقّي الصدمات

قال الله تعالى لنبيّه: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (المدثر/1-3)، (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا) (المزمل/5) (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الزخرف/43)، وانطلق النبي (ص) صادعاً بالرسالة، وكان يأتيه الشخص والشخصان فيدخلون الإسلام، ثم ينطلق هذا وذاك ليهدوا غيرهم إلى الإسلام. وعاش النبي (ص) مرحلة من أصعب المراحل في مكة، حيث اضطهده المشركون هو وأصحابه، حتى اضطروا للهجرة إلى «الحبشة»، وكان النبي (ص) يجتمع برؤساء القبائل والعشائر ويقصدهم إلى بيوتهم عندما يأتون إلى مكة في المواسم ليدعوهم إلى الله تعالى، حتى إذا استكمل دعوته هاجر إلى المدينة وبدأت المعاناة هناك، حيث شنّ عليه المشركون حرباً متحركة انطلقت في أكثر من مرحلة، بلغت القمة في حرب «الأحزاب» التي حاول فيها المشركون القضاء على الإسلام في مهده، ولكن الله تعالى كفى المؤمنين القتال. وتحالف اليهود مع المشركين، بعد أن كان النبي (ص) قد وثّق العهد معهم، ولكنهم - كعادتهم - ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وعاش النبي (ص) في كلِّ تاريخه هذا في خط الرسالة، ولكنه في الوقت نفسه كان يعيش الألم كلّ الألم، والإيذاء كلّ الإيذاء، حتى قال (ص): «ما أوذي نبي مثلما أوذيت»، لأنه في كلِّ تاريخه كان يتلقى الصدمات على كلِّ المستويات، حيث كان المشركون يحاصرون الإيمان كلّه والإسلام كلّه، وكانوا يتحركون في المناطق التي يبسطون عليها نفوذهم من أجل أن يبعدوا الناس عن الإسلام، وكانوا يخوّفونهم بما يملكون من قوة حتى لا يدخلوا في الإسلام، حتى إذا نصر الله تعالى نبيه وجاء فتح مكة بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.

سمته (ص) الرأفة والرحمة:  لقد أراد النبي (ص) - من خلال الرسالة - أن يعمّق الإسلام في عقول الناس، ولذلك كان يقوم في الناس بين وقت وآخر ليعلّمهم ويربيهم ويجيبهم عن كل أسئلتهم، كان يعيش مع الناس كأحدهم، ويعيش المحبة لكلِّ الناس معه، ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة/128)، وكان ليّن القلب، فلا يحمل في قلبه ثقلاً على أحد حتى الذين يعادونه ويخاصمونه، وكان ليّن اللسان، فلم تصدر منه أية كلمة قاسية أو عادية ضد كلّ الناس، (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران/159).

المؤاخاة بين المؤمنين

استطاع النبي (ص) أن يربي صفوة طيبة من أصحابه على خط الإسلام كلّه، وقد تحدث الله تعالى عن هؤلاء الذين استقاموا وواصلوا الاستقامة في الخط ولم يغيّروا ولم يبدّلوا، (مُحمَّدٌ رَّسُول اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ) (الفتح/29). وأراد النبي (ص) أن يصنع للحياة مجتمعاً يقوم على المحبة والتسالم، فقد قال رسول الله (ص) مما روي عنه: «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه»، فالمجتمع الإسلامي هو مجتمع يعيش الناس فيه بسلام مع بعضهم بعضا، فلا يتعدى إنسان على إنسان بسوء في كلامه وعمله، حتى انّ الله تعالى آخى بين المؤمنين: «إنما المؤمنون أخوة - وحمّلهم المسؤولية في أنهم إذا تنازعوا فيما بينهم فعلى الجميع أن ينهض ويعمل على إصلاح ذات البين - فأصلحوا بين أخويكم».

الإعتصام بالله:  لذلك، لا بد لنا عندما نتمثّل المجتمع المسلم كما أراده رسول الله (ص) وعمل له، أن ندرس مجتمعنا المسلم الذي تنخر فيه العصبيات، فيعيش كلّ يوم العصبية الشخصية والعائلية والحزبية والقومية والعرقية، مما جعل المؤمنين يعيشون موزَّعين متفرّقين. إنّ الله أراد لنا أن نعتصم بحبل الله، وحبل الله هو الإسلام والقرآن، ولكننا تفرّقنا، فبدأ بعضنا يكفّر بعضنا الآخر، فوجدنا من المسلمين الشيعة من يكفّر المسلمين السنّة، ومن المسلمين السنّة من يكفّر المسلمين الشيعة، وبدأنا نكفّر ونضلل بعضنا بعضا، وبدأنا نعيش المشاكل والمنازعات والحروب، وأعداء الله من الكافرين والمستكبرين ينفذون من كلِّ هذه الثغرات وينصبون الحواجز بيننا من جديد. إنّ الإسلام وحدة بيننا، إنّ شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله هي التي توحّد المسلمين وتجمعهم، وإنّ الصلاة - مهما اختلفت الاجتهادات فيها - هي التي توحّد المسلمين وتجمعهم، فها نحن في يوم الجمعة نصلي لربنا كما يصلي كلّ المسلمين في العالم لربهم في هذا اليوم، وإن اختلفنا في بعض شروط الصلاة، ولكن صلاتنا واحدة وقبلتنا واحدة ونتجه إلى ربّ واحد، وننطلق من رسول واحد ومن سنّة واحدة، وإذا اختلفنا في بعض تفاصيل العقيدة والشريعة، فإنّ الله تعالى يقول: «فإن تنازعتم في شيء - وأنتم مسلمون تؤمنون بالله وبرسوله - فردّوه إلى الله والرسول»، اقرأوا كتاب الله ماذا يقول لكم فيما تتنازعون فيه لتتوحّدوا عنده، واقرأوا ماذا يقول رسول الله لتتوحدوا فيه، لأنّ رسول الله أراد لنا أن نكون كالجسد الواحد «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».

 
 

علاء النجار  

جزاك الله خير جزاء المحسنين وحشرك الله مع محمد وال محمد

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 807
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 فنّك جمعنا وفراقك وحّدنا
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا