الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الدعوة الإلهية الكبرى

2014/06/03 | الکاتب : عمار كاظم


شاء لطف الله تعالى بعباده وقضت إرادته الحكيمة أن يختار أفراداً مخصوصين ومؤهلين للاتصال بالألطاف الربانية بعد أن يهيئهم الله بلطفه، فيوفر لهم الاستعداد الروحي والتكامل النفسي والنضج العقلي والسمو الذاتي ليكونوا مؤهلين لحمل الرسالة وتبليغ الأمانة وتمثيل الإرادة الربانية على هذه الأرض (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (الحج/75).

وقد أعد الله تعالى نبيه محمد (ص) وهيأه لحمل الرسالة وأداء الأمانة الكبرى لإنقاذ البشرية وحين بلغ الأربعين سنة من عمره الشريف اختاره الله سبحانه نبياً ورسولاً وهادياً للبشرية جمعاء وكانت بداية الوحي وقبل أن يأتيه جبريل (ع) في غار حراء، انّ رسول الله (ص) كان يرى في المنام الرؤيا الصادقة وهي درجة من درجات الوحي كما كان يذهب إلى غار حراء يخلو فيه ويتعبد. انّ النبي كان يهيأ من قبل الله تعالى لتلقي الوحي بتوجيهه عن طريق الإلهام والإلقاء في نفسه والانكشاف له من خلال الرؤيا الصادقة ولم يفاجأ به. وكانت تحبيب الخلوة له من قبل الله تعالى لينقطع عن عالم الحس والشهادة ويستغرق في التأمل والتعالي نحو عالم الغيب والملكوت الأعلى والاتجاه إلى الله سبحانه وليكون مهيأ لتلقي الفيض الإلهي والوحي الرباني، وبذا فلم يكن النبي (ص) ليذهب إلى غار حراء ذهاباً عفوياً غير موجه ولا حكمة فيه ولا انتظار، فالروايات تصرح بأنّ النبي (ص) كان ينقطع في كلِّ عام شهراً كاملاً في هذا الغار للخلوة والانفراد كما كان يذهب في بعض الأيام للخلوة والتأمل هناك وليس معقولاً أن يتم كلّ ذلك بصورة عفوية أو بدافع شخصي من الرسول، بل كان توجيهاً إلهياً ومرحلة تأمل وانتظار للوحي وكان فيها على اتصال بعالم الملكوت الأعلى عن طريق الرؤيا والمنام.

وفي سنة (610م) وهي السنة التي أراد الله سبحانه أن يبعث نبيه محمد (ص) إلى الناس كافة، كان النبي قد ذهب في شهر رمضان من تلك السنة إلى الغار ومعه أهله مجاورون فأتاه جبريل (ع) فألقى إليه كلمة الوحي وأبلغه بأنّه نبي هذه البشرية والمبعوث إليها. بعد تلقيه البيان الإلهي عاد النبي إلى أهله وهو يحمل كلمة الوحي ومسؤولية حمل الأمانة التي كان ينتظر شرف التكليف بها ويخلو زمنا في الغار لتلقيها.

وأمر الرسول (ص) بحمل الرسالة وتبليغ كلمة الله والدعوة إلى توحيده وعبادته وإصلاح البشرية وانقاذها من الظلم والكفر والفساد والخرافة بقوله تعالى: (قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر/2). فانطلق مستجيباً لأمر الله يبشر بالإسلام ويدعو إلى سبيل ربه فكان أول من دعاه وطلب منه التصديق به زوجته خديجة بنت خويلد (ع)، وابن عمه علي بن أبي طالب (ع)، الذي كان صبياً في الحادية عشرة من عمره المبارك وكان يعيش برعاية النبي (ص) كفالته له، فآمنا به وصدقاه، فكانت تلك النواة الأولى للدعوة الإلهية الكبرى في الأرض والمنطلق الأساس لحركتها التاريخية الرائدة فكان علي (ع) كما أراد رسول الله (ص) التلميذ الواعي لمضمون الرسالة والجندي الحامل للراية والمخلص الوفي للنبوة والرسالة. وكانت خديجة (ع) نعم العون والنصير فقد صرفت ثروتها ومالها الوفير من أجل نصرة الإسلام وتثبيت أركانه كما كانت دوماً إلى جنب رسول الله (ص) تمنحه الحب وتشيع في رجاء البيت عبق الراحة والسعادة. ثم أسلم زيد بن حارثة فكان ثالث من صدق وأسلم.

ما تريد. هذا هو خط التحمل والصبر حتى يأتي نصر الله... كان الرسول (ص) يشعر انّ الأمة لا تستطيع أن تنفتح على الرسالات إلا بعد وقت طويل لأنّ ظلمات ماضيها وحاضرها سوف تمنعها من رؤية النور القادم من بعيد ولهذا كان يطلب من الله أن لا يعاقبهم مهما أساؤوا إليه لأنّه كان يعرف انهم سيأتون الله إن عاجلا أو آجلا... لقد عاشوا في ظلمات التخلف وظلمات الآباء والأجداد وظلمات الحقد عاشوا ظلمات بعضها فوق بعض ولا يمكن لكلِّ هذه الظلمات المتراكمة أن تزول بمجرد إشراقة نور. عندما ينطلق الفجر لا يولد بإشراقته الكبيرة الشمس ترسل إشراقة صغيرة من بعيد وترسل إشراقة ثانية وثالثة ويلتمع الفجر ثم تقترب الشمس وتفرض نفسها على الظلام تدريجياً حتى لا يبقى هناك شيء من الظلام في الأفق.

انطلق رسول الله (ص) في الدعوة وقدم وثار القوم في وجهه بعد أن سمعوا ما يسفه أحلامهم ويسفه أصنامهم ويتحرك وبدأوا يغرونه ولم يجدوا هناك مجالاً للإغراء في حياته بدأوا يخوفونه ولكنهم لم يجدوا فيه أي مجال للخوف في حياته. كانوا يقابلونه بالخق السيئ وكان يقابلهم بالخلق العظيم: (وإِنَكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) كانوا يتمنون له الموت وكان يدعو الله لهم بالحياة (اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون) وهكذا انطلق رسول الله (ص) يمتص الشتيمة ويمتص التهمة ويمتص الكلمات اللامسؤولة ويمتص النظرات الحاقدة ويمتص المشاعر المعادية ويمتص كلّ ذلك ثم يطلق كلمته كأن لم يسمع شيئاً وكأنه لم ير شيئاً يطلق الكلمة وهو يبتسم لأنّه يعرف انّ الابتسامة تدخل إلى قلوب الناس لتهيئ الأرضية للكلمة. لم يكن رسول الله (ص) يعيش أي عبوس قلبي حتى يعبس في وجه الآخرون.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 317
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 فنّك جمعنا وفراقك وحّدنا
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا