الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
العدل هدف الرسالات

2014/06/14 | الکاتب : عمار كاظم


تناول القرآن الكريم، وفي أكثر من آية، حركة الإنسان بالعرض والمعالجة. ومن أبرز العناوين التي تدرس حركة علاقة الإنسان بأبعادها الثلاثة، وهي علاقته مع ربه وعلاقته مع نفسه ومع المجتمع، هو عنوان العدل. وما ذكره تعالى في سورة الحديد، يؤكّد أنَّ كلّ الرسالات منذ آدم حتى نبينا محمد-صلى الله عليه وآله-، كان هدفها واحداً، وهو إقامة العدل بين الناس، فالكتب السماوية المنـزلة، من صحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى، إلى القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب خاتم الأنبياء والرسل محمَّد، صلوات الله عليهم جميعاً وسلامه، هذه الكتب في كلّ التفاصيل التي جاءت بها، كانت تؤكد الوصول إلى هذا الهدف الكبير، وهو إقامة العدل بين الناس، الذي جعله الله ميزاناً للحقّ والباطل أو ميزاناً للحقوق، باعتبار أنَّ لكلّ شخص حقاً على شخص آخر...

وبذلك، يقول الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ - التوراة والإنجيل والقرآن - وَالْمِيزَانَ - الذي يحدّد للناس حقوقهم وواجباتهم - لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: 25)، والقسط هو كناية عن العدل. وهنا يرد سؤال: ما هو العدل؟ إنَّ العدل هو أن تعطي كلّ ذي حقٍّ حقه، فالعدل مع الله هو أن تعطي الله حقه، في أن توحِّده في العقيدة والعبادة والطاعة ولا تشرك به أحداً، والعدل مع النفس هو أن تقودها إلى الغاية التي تنقذ فيها نفسك على مستوى الدنيا والآخرة، فلا تورِّط نفسك في ما يضرها ويؤذيها أو يهلكها، وإلا كنت ظالماً لها.

والعدل بين الناس، أن ننطلق من داخل البيت في علاقة الآباء بالأبناء والعكس، وفي العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، ثم في العلاقة مع المحيط الخارجي، كالجيران والأقارب والأصدقاء وكلّ أفراد المجتمع، ممن تحتِّم طبيعة الحياة الالتقاء بهم، ننطلق في كلِّ ذلك لندرس كيف نظّم الأنبياء عبر رسالاتهم مسألة الحقوق بين الجميع وفي المجالات كافة، بحيث لا يظلم أحدهم الآخر. كما أنه أثار مسألة العدل حتى مع الحيوان الذي أحلّ الله للإنسان أكله والاستفادة منه، وبذلك جعل له حقاً على الإنسان، بأن لا يحمّله فوق قدرته، وأن لا يعذّبه أثناء ذبحه.

وأيضاً، هناك مسألة العدل مع البيئة، فلا يجوز لنا أن نضع في الأنهار المواد القاتلة التي تقتل الحيوانات التي تعيش فيها كالأسماك، فنعمل على قتل تلك الثروة التي تختزنها الأنهار والبحار، وأيضاً لا يجوز لنا أن نضع النفايات المكشوفة في الشارع، حتى لا تنتشر الأمراض.

فالعدل هو الأساس في كلِّ رسالات الله في الحياة، ولكل موقعٍ عدله، حتى إننا عندما نتحدث عن نهاية العالم، فإننا نتحدث عن الإمام الحجة(عج) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ونحن قد نلتقي بممارسة للعدل في حركة الحياة في هذا الموقع أو ذاك، إلا أنها تبقى ممارساتٍ جزئية، لأنها لا تعمّ، بينما في نهاية المطاف، سيكون هناك عدل كلي يشمل الناس جميعاً، بحيث لا يظلم أحدٌ أحداً وينتشر العدل في كلِّ المواقع. ولهذا، نحن نقول لكثيرٍ من الناس الذين يؤمنون بالإمام المهدي(عج): إنّ انتظار الإمام والإخلاص له، لا يكون فقط بقراءة دعاء «الندبة» أو بالحالات العاطفية، إنما في ممارسة العدل بإيجاد مواقع للعدل، لأنّ هدف الإمام هو أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فهو مع العادلين وضد الظالمين. وإذا كنا نظلم بعضنا البعض، كأن يظلم الأولاد آباءهم وأمّهاتهم، أو يظلم الآباء والأمّهات أولادهم، ويظلم الزوجان بعضهما البعض، يعني أنّنا أعداء الإمام المهدي(عج)، وأنه سيحاربنا غداً، فمهمته محاربة كلّ ظلم أينما حلّ، فهو يحارب كلّ ظالم، سواء كان يمارس الظلم في بيته أو في عمله أو في أيّ مكان، ولا يغفر هذا الظلم فيما إذا كان الشخص يصلي ويصوم، لأنّ الظلم يتعارض مع روحية الصلاة والصيام، كما أنه يأتي في الجانب الآخر والمعاكس لمسألة الانتظار والإعداد للإمام-عليه السلام-، لأنّ المسألة تكون بإقامة العدل، وهو تتطلّب منّا أن نربي أنفسنا على العدل حتى نكون من جنوده، وهذا ما نقرأه في دعاء الافتتاح ـ والإشارة كلها إلى الدولة الأخيرة ـ: «اللهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة، تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة»، بحيث يعدّ الإنسان نفسه ليكون مشروع داعية إلى الله وإلى طاعة الله، ومشروع قائد في سبيل الله.

فعلاقتنا به كما هي علاقتنا برسول الله-صلى الله عليه وآله- والأئمة من أهل البيت-عليهم السلام-، ليست علاقة عاطفية، بل هي علاقة قدوة وعلاقة اتّباع وعلاقة انفتاح على المبادئ التي انطلقوا فيها وأكدوها وجاهدوا في سبيلها، لأنّ هناك فرقاً بين الحب والولاء، فهناك فرق بين أن تكون محباً لأهل البيت-عليهم السلام- كما يحب أحدنا الآخر، وأن تكون موالياً لأهل البيت-عليهم السلام-. فالحب يمثل حالة عاطفية، بينما الولاء يمثل منهجاً في العقيدة والسلوك والاقتداء.

وكثيراً ما نلتقي بأشخاصٍ يحضرون مجالس العزاء ثم يذهبون لشرب الخمر، أو آخر يقيم العزاء أو المولد في بيته ثم يضرب زوجته وأولاده من دون حق ويظلم جاره، فأين الحسين وأين هم؟ وأين النبي وأين هم؟ لذلك، علينا أن نعدل مع كلّ من له حقٌ علينا. وكما نطلب حقوقنا من الناس، يجب علينا أن نعطي الناس حقوقهم التي استحقوها، ونعاملهم كما نحب أن نُعامل، فهل يحبُّ أحدنا أن يغتابه أحد أو يكذب عليه أو يفتن بينه وبين المقربين منه؟ أو هل يحب أحدنا أن يظلم؟ بهذا، تكون قاعدة التوازن الاجتماعي التي تحفظ المجتمع من الخلل، فالمجتمع يصاب بالفوضى والخلل عندما يشعر بعض أفراده بأنهم محرومون من حقوقهم من قِبَل الأفراد الآخرين، وهنا تحصل المشاكل. وأيضاً، المشاكل التي تنشأ بين الشعوب والحكام، أو بين بعض المتسلطين في المجتمع والمقهورين، فإنَّ منشأها كلّها هو الظلم. لذلك، نجد أنّ الرسالات كلها قامت على أساس العدل، وعلى أساس أن يكون الإنسان مسلماً، ومعناه أن يكون عادلاً، لأنّ الأساس في الإسلام هو العدل، فإذا لم يكن عادلاً، فمعنى ذلك أنه لا يرتكز على قاعدة الإسلام، وهذه نقطة ينبغي أن نفهمها بشكل أساسي، والقرآن لم يتحدث عن شيء كما تحدث عن العدل.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 354
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا