الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المصيبة والبلاء في نظام الحياة

2014/06/25 | الکاتب : عمار كاظم


للحياة نظامها المتوازن الخاصّ في حركة النّظام الكونيّ وفي واقع الإنسان، على مستوى الفرد والجماعة، فلكلّ ظاهرة سببها، ولكلّ موجودٍ قانونه الخاصّ، ما يجعل من حركة الأحداث في حياة الأفراد والجماعات، حالةً محسوبةً في كلِّ أوضاعها من حيث ظروفها المحيطة بها... وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدَّ من أن يحمل الإنسان في وعيه الفكرة الّتي توحي بخضوع كلّ أوضاعه وأفعاله للتَّقدير الإلهيّ الّذي يقدّر لكلّ شيء حركة وجوده في علاقة المسبّبات بأسبابها، فليست هناك حالة طارئة، وليست هناك صدفة في أوضاع الحياة، وهذا ما تؤكّده هذه الآية.

يقول تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) (الحديد/22) من أحداث الحياة الّتي تثير الآلام، وتحرّك الأحزان وتربك المشاعر، مما يصيب الإنسان في نفسه وأهله وماله (إِلاَّ فِي كِتَابٍ) (الحديد/22) فيما يكتبه الله في اللّوح المحفوظ، أو نحوه مما تسجَّل فيه أحداث الوجود، أو فيما يقدّره الله في علمه الغيبيّ المنفتح على الأشياء قبل وجودها، لأنّه هو الّذي يمنحها الوجود، فيحيط بها في كلِّ أسرارها وأوضاعها، فتكون كلمة الكتاب كنايةً عن العلم الإلهيّ، (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد/22)، أي نخلقها، في تقديره لكلِّ حدود وجودها.

ويقول تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد/22)، فيما ينظّم به الحياة في تقديره الّذي لا تتخلّف فيه إرادته عن المراد، من خلال قدرته المطلقة الّتي لا يعجزها أيّ شيءٍ. ويلفت القرآن الكريم إلى قضيّة إنسانيّة مهمّة، وهي: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد/23)، فلا تعيشوا السّقوط تحت وطأة الحزن المدمّر، أو البطر تحت تأثير الفرح الطّاغي، عندما تحدث الخسارة أو عندما يأتي الرّبح، انطلاقاً من صدمة المفاجأة الّتي تثير ذلك هنا وهناك، بل لا بدّ من مواجهة الأمر على أساس أنّ الحديث السّلبيّ أو الإيجابيّ حالة طبيعيّة في نظام الوجود، لأنّ الخسارة تخضع لأسبابها الاختياريّة أو الاضطراريّة، كما أنّ الرّبح يخضع لذلك، فلا مجال لأيّ شيءٍ طارئ في ذلك، ولا مفاجآت في عمق الأمور، فإذا تمت للحدث أسبابه، فلا بدَّ من أن يحدث، من خلال الحتميَّة الكونيَّة للأشياء، فيما قدَّر الله لها، تماماً كما هي الأشياء الكونيَّة في نظام الطّبيعة الخاضع للتّقدير الإلهيّ في التّكوين.

وقد جاء في نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين(ع): الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن، قال الله سبحانه: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزّهد بطرفيه.

البلاء مدرسة وامتحان

ومن جهة ثانية، يقول تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة/155).

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ)، أي نختبركم في حجم الإرادة الّتي تملكونها، وصلابتها أمام المخاوف والأهوال، لتعيشوا التجربة الصّعبة الّتي ينجح فيها الأقوياء في عزيمتهم وإرادتهم وإيمانهم، ويفشل فيها الضّعفاء الّذين لا يملكون عناصر الوعي للواقع، والتّوازن للحركة، والإرادة للقرار، (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) الّذي يتحدّى عنصر الأمن الدّاخليّ في نفوسكم، فلا تملكون الطمأنينة الروحيّة والأمن الخارجي في حياتكم، فتعيشون الإهتزاز الجسديّ في كيانكم، والخطر السياسي والاقتصادي والعسكري في نظامكم، حيث تفقدون أمامه التوازن في المواقف، والانسجام في الخطى، والثبات في المواقع، الأمر الّذي قد يدفعكم ـ بفعل ضغط الّذين يصنعون الخوف في الواقع ـ إلى تقديم التّنازلات من إيمانكم والتزامكم وحريّتكم واستقلالكم وإنسانيّتكم، (وَالْجُوعِ) الّذي يمثّل الحرمان من الغذاء الضّروريّ في الحاجات الطبيعيّة للإنسان كشرط لاستمرار حياته، ما يؤدّي إلى إضعاف قوّته، وضراوة الآلام في جسده، ووصوله إلى مرحلة الخطر على حياته، (وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ)، في الخسائر المتنوّعة الّتي تؤدّي إلى ذهاب الأموال ونقصها، بفعل الحوادث الاجتماعيّة، والكوارث الطبيعيّة، والحروب الشّديدة، (وَالأنفُسِ) من رجالكم ونسائكم وأطفالكم الّذين تقضي عليهم الحروب والأمراض والزّلازل والبراكين والفيضانات ونحوها، (وَالثَّمَرَاتِ)، والظّاهر من الآية أنّها غير مختصّة بحالات الحرب، بل هي عامّة لكلِّ واقع البلاء في حياة الإنسان. (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) الّذين يعيشون صلابة الموقف، وقوّة التحمّل، والتمرّد على الحرمان والثّبات في مواقع الزلازل، حيث تبقى إنسانيّتهم في صمود عزيمتهم، ليتابعوا رسالتهم في الحياة من دون تراجع أو انهيار أو انحراف.

إنَّ اللّه يمتحن إيمان الإنسان فيما يمرّ عليه من الخسائر والمصائب والمحن، ليرى كيف يواجه ذلك كلّه؛ أبالصّبر أم بالجزع، أبالرّضى أم بالاحتجاج؟.. وكيف يفهم البلاء الّذي ينزل به في مختلف صوره وجهاته؛ هل هو عذاب وانتقام، أم رحمة إلهيّة في نطاق النظام الكونيّ الّذي يربط المواقف بأضدادها من خلال التحدّيات الصّعبة الّتي تواجه العاملين السّائرين على الخطّ المستقيم في الحياة؟ فإنَّ للاستقامة ضرائبها الثّقيلة في مختلف جوانب الحياة، حيث تتحرَّك قوى الانحراف وعوامله لتقف حاجزاً بين الخطّ المستقيم والامتداد في اتجاهه السليم.. وهنا يأتي دور الصّبر الّذي يمنح الإنسان قوّة الثبات والصّمود والتّماسك أمام العقبات الّتي تقف في مجالات التحدّي، فلا ينهار، ولا يتخاذل، ولا يضيع، ولا تتبعثر خطاه في الرّمال المتحرّكة للبلاء، بل يمتصّ ذلك كلّه بروحه الرساليّة الإيمانيّة الّتي تنفتح على الواقع، لتعرف أنَّ الطريق ليس مفروشاً بالورود، فتتعلّم كيف تتعامل مع الأشواك الحادّة في لغة الجراح النّازفة، وفي أسلوب الآلام العميقة، فلا تسمح للجراح بأن تبكي، ولا ترضى للآلام بأن تصرخ، بل تحاول أن تعلّمها كيف تبتسم في فرح الرّسالة وهي تتقدّم، على الرّغم من كلِّ الأشواك والآلام.

معنى البلاء

وهنا يثور سؤال: إذاً، ما معنى أن يكون مثل ذلك ابتلاءً بعد أن كان أمراً طبيعيّاً، تماماً كما هي مظاهر الطبيعة الكونيّة الموجودة في الحياة؟

والجواب عن ذلك: إنَّ القضيّة، كلّ القضيّة، هي في موقف الإنسان أمام هذه الظّروف الطبيعيّة الّتي تفرزها حركة المبادئ والرّسالات في الحياة، فذلك هو سرُّ البلاء في حياته. فهل يتجاوز المرحلة الّتي تتحرّك فيها الآلام والخسائر والمخاوف بأعصاب هادئة ومواقف ثابتة، بعيداً من كلِّ اهتزاز وانحراف، أم يسقط صريعاً أمام ذلك كلّه، لتسقط معه رسالته ومبادئه كنتيجةٍ لاهتزاز نقاط الضّعف في كيانه وانسجامها مع قوى الانحراف والتحدّي المضادّ؟ إنَّ الواقع بأسبابه الطبيعيّة، يعتبر امتحاناً واقعيّاً للإنسان، تمتحن به إرادته ورسالته. وقد نستوحي من كلمة (وَلَنَبْلُوَنَّكُم) ـ فيما تعطيه كلمة البلاء من معنى ـ أنّ الموقف يحمل للإنسان قيمة التجربة في تركيز شخصيّته وتقوية إرادته، فيما يثيره لديه من مشاعر القوّة في داخله، من خلال الإيحاء إليه بما يحمله الامتحان له من نتائج على مستوى الدّنيا والآخرة، ولا سيّما إذا لاحظنا أنّ طبيعة هذا الامتحان ليست شكليّة يمكن للإنسان أن يقوم فيها بدورٍ تقليديّ ساذج من دون وعي أو روح، بل هي طبيعة حقيقيّة أساسيّة تقتحم كلّ حياته الداخليّة والخارجيّة، لتحوّلها إلى ما يشبه حالة الطّوارئ، فيما تثيره من نقاط الضّعف والقوّة، وفيما تخلقه من عوامل الإثارة والتحدّي، وبذلك تتحوّل نتائج الامتحان من عمليّة اكتشافٍ للقدرات الذاتيّة، إلى عمليّة تنمية هذه القدرات وتقويتها، في خطّة عمليّة لصنع الإنسان.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 388
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية
 إن العهد كان مسؤولا
 آثار ونتائج النهضة الحسينية
 الشمولية الإنسانية في الثورة الحسينية
 الحسين (عليه السلام).. رمزُ الإباء
 العِبرة في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا