الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
شهر أمتي

2014/06/28 | الکاتب : عمار كاظم


عندما نريد أن نستقبل شهر رمضان، فإنّ علينا أن نستقبله بإعداد فكري وروحي وأخلاقي وتقوائي، لأن الله تعالى فضّل هذا الشهر على بقية الشهور، وقد جاء في الحديث عن الإمام جعفر الصادق (ع)، أن الله تعالى «خصّ أمة محمد بهذا الشهر»، وأن الله عندما كتب الصيام على الأمم السابقة، لم يكتبه في شهر رمضان، وقد ورد عن رسول الله (ص) أنه «شهر أمتي»، بحيث اختصّنا الله تعالى بهذا الشهر دون سائر الأمم، وقد جاء ذلك في دعاء الإمام زين العابدين (ع) الذي قال: «الحمد لله الذي جعل من تلك السبل - التي تقود إلى الله - شهر رمضان، شهر الصيام، وشهر الإسلام، وشهر الطهور، وشهر التمحيص، وشهر القيام، الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان، فأبان فضيلته على سائر الشهور، بما جعل له من الحرمات الموفورة، والفضائل المشهورة، فحرّم فيه ما أحلّ في غيره إعظاماً، وحجر فيه المطاعم والمشارب إكراماً».

 

شهر مبارك

وقد ورد أن لله في كل ليلة من ليالي شهر رمضان عتقاء من النار، وأن الله قد أفاض على الناس رحمته في هذا الشهر المبارك، ولذلك لا بدّ من أن يكون دخولنا في هذا الشهر متميزاً عن دخولنا في الشهور الأخرى، وإن كان لا بدّ للإنسان من أن يشعر دائماً بمسؤولية الزمن، لأن الزمن هو عمرنا، ولا بدّ للإنسان من أن يحمل مسؤولية عمره ويملأه بطاعة الله، وبما يقرّبه إلى الله، بحيث إذا دخل في يوم جديد أو ليلة جديدة أو شهر جديد، فكر كيف يقضى يومه او ليلته أو شهره في طاعة الله، وكيف تكون سنته - ونحن نحتفل عادة اتباعاً للآخرين بأول السنة - في طاعة الله.

 

موسم الرحمة

ونلاحظ في دعاء الإمام زين العابدين (ع) «في الصباح والمساء»، يقول: «اللهم، وهذا يوم حادث جديد، وهو علينا شاهد عتيد، إن أحسنّا ودّعنا بحمد، وإن أسأنا فارقنا بذمّ، اللهم فارزقنا حسن مصاحبته، واعصمنا من سوء مفارقته بارتكاب جريرة أو اقتراف صغيرة أو كبيرة»، بحيث يفكر الإنسان كيف يملأ أيامه ولياليه بالمسؤوليات التي حمّله الله إياها، وكيف يمكن أن يشعر أن الله يرضى عنه بذلك، فالمسألة تسري في كل مواقع الزمن، لكن هناك زمناً مميزاً، وهو أوقات المواسم، فكما أن الناس عادة تهتم بالمواسم الزراعية أو الاجتماعية حتى تحصل على الربح الوفير، فإن هناك أيضاً موسم رحمة الله ومغفرته، وهو شهر رمضان، لذلك يحتاج الإنسان إلى أن يستعدّ له قبل دخوله.

 

طهارة العقل والقلب

إن الاستعداد لشهر رمضان لا بدّ أن يكون في داخل نفسك، فتطرد من عقلك كل فكر باطل وثقافة باطلة، ليكون فكرك فكر الحق، والتزاماتك الثقافية التزامات الحق، وتطرد من قلبك كل ما لا يحبه الله من حركة القلب في نبضاته، فتبتعد عن الحقد على المؤمنين وعن المحبة للكافرين وللمستكبرين، أن يكون قلبك منفتحاً في نبضاته على ما يحبه الله من العاطفة، وأن تطهر جسدك من الذنوب، وتطهر عينيك مما حرّم الله النظر إليه، وتطهر أذنيك مما حرّم الله الاستماع إليه، وتطهر لسانك مما حرّم الله النطق به، وتطهر يديك مما حرّم الله أن تحمل بهما أو تستعملهما لأكلك أو شربك، وتطهر بطنك من أن يدخل فيه حرام، وتطهر رجليك من أن تسيرا في مشروع حرام، وتطهر فرجك من كل شهوة حرام، بهذا يكون رمضان شهر الطهور.

 

الدعوة لله والإخلاص له

كيف يصف الإمام زين العابدين شهر رمضان؟ يقول (ع): «شهر رمضان شهر الصيام - من خلال قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} - وشهر الإسلام - هو الشهر الذي يعيش الإنسان فيه الإسلام في عقله وقلبه وحركته وعلاقاته وتأييده ورفضه، بحيث يكون كل كيانك إسلاماً، فتتحمّل في هذا الشهر مسؤولية نشر الإسلام، لأن الله أراد لك أن تكون الإنسان الذي يدعو إلى الإسلام بحجم ثقافتك ومعرفتك، وأن تعيش الاهتمام بكل قضايا الإسلام والمسلمين، وتقف ضد كل من يحاربهم - وشهر الطهور - الشهر الذي تتطهر فيه من الذنوب والأخلاق السيئة، ومن العواطف السلبية والنيّات الخبيثة، ومن معاصي الله في كل ما أراد الله لك أن تطيعه فيه ولا تعصيه - وشهر التمحيص - وهو التخليص، بأن تحاسب نفسك في نقاطها السلبية والإيجابية، لأن كل واحد منا له نقاط سلب ونقاط إيجاب، فكما أن الإنسان يعاني في بعض الحالات من فقر الدم، فإن هناك من يعاني من فقر التقوى وفقر الإيمان، لذلك علينا أن نمحّص أنفسنا من كل الأدران التي زحفت إليها من خلال علاقاتنا وقراءاتنا ومشاهداتنا وما إلى ذلك، بحيث يخرج الإنسان من شهر رمضان خالصاً مخلصاً لله تعالى - وشهر القيام»، الذي يزداد فيه وقوف الإنسان بين يدي الله في ليله ونهاره، ليحسّ الإنسان في قيامه بحضور الله في عقله وقلبه وحياته، حتى كأنه يرى الله.

 

التحرر من الشيطان

وقد تحدث الإمام زين العابدين (ع) أيضاً عن صفات هذا الشهر في دعائه، فقال: «اللهم هذا شهر رمضان الذي أنزلت فيه القرآن، وهذا شهر الصيام وهذا شهر الإنابة - وهي الرجوع إلى الله، لأن كل واحد منا في هذه الدنيا يشرّق ويغرّب، فيذهب في رحلة سياسية واجتماعية واقتصادية مع الشياطين، وفي هذا الشهر يدعونا الله للعودة إليه، وهو قريب كما وصف نفسه تعالى {أجيب دعوة الداع إذا دعانِ}، فلنرجع إلى الله، ولندرك أن هؤلاء الذين نتبعهم من شياطين الإنس والجن لا يملكون لأنفسهم ولا لنا ضراً ولا نفعاً، لذلك، قبل أن يأتي شهر رمضان، اجلس بين يدي ربك وقل له: يا رب لقد ابتعدت عنك كثيراً، وسرت في طريق الغواية كثيراً، وها أنا راجع إليك، وسيتقبّلك الله تعالى، وهو الذي يعفو عن عباده - وهذا شهر التوبة - تب إلى الله، فإنه تعالى يحب التوابين والمتطهرين - وهذا شهر المغفرة والرحمة، وهذا شهر العتق من النار والفوز بالجنة».

 

حديث النبي (ص)

وفي نهاية المطاف، نلتقي برسول الله (ص) في مثل هذه الجمعة - وهي آخر جمعة من شهر شعبان - وهو يتحدث عن شهر رمضان، فيقول (ص): «أيها الناس، قد أقبل إليكم شهر رمضان بالبركة والرحمة والمغفرة، شهره أبرك الشهور - أكثر الشهور بَرَكة - وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وقد دُعيتم فيه إلى ضيافة الله - وأية ضيافة أكرم وأعظم من هذه الضيافة - وجُعلتم فيه من أهل كرامته، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقيّ من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم».

علينا أن نعدّ أنفسنا إعداداً تحت رعاية الله وفي خطه وسنّة رسوله (ص)، وفي منهج الأئمة من اهل البيت (ع)، «حتى ألقاك يوم القيامة عني راضياً، وعن ذنوبي غاضياً، قد أوجبت لي منك الرحمة والغفران، وأنزلتني دار القرار ومحل الأبرار».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 343
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج
 في اليوم العالمي للشباب...
 فضيلة الصدق وآثارها
 قضاء حاجة المؤمن.. ثقافة تربوية
 الحج.. عبادة وحركة وحياة
 توجيه الشباب نحو الاستقامة والصلاح
 الإهتمام بالأنشطة الشبابية في يومهم العالمي
 العفو والتسامح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا