الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
إشكالية الرواتب: بين حقوق الموظفين وحق الوطن

2014/06/30 | الکاتب : د. إبراهيم أبراش


كم هو سهل على أي إنسان محب لفلسطين ومناصر لعدالة قضيتها ومعاناة أهلها، وغير ملم بتفاصيل وتعقيدات الحياة السياسية الفلسطينية، وكم هو سهل على الفلسطيني الذي لا يعتمد في معيشته على راتب حكومة أو على مشاريع ممولة من جهات أجنبية، من السهل على هؤلاء أن يقولوا إنّ النضال من أجل فلسطين له الأولوية على أي نشاط أو مطالب أخرى، وأنّ الانتماء لفلسطين عطاء وتضحية وليس أخذ ومنافع، والوطن أهم من الوظيفة والراتب إلخ. وهذا قول لا يجافي الحقيقة ولا يتعارض مع منطق تاريخ حركات التحرر في العالم، وحتى مع تاريخ الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية قبل توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية 1994 .

انطلاقاً من ذلك قد يُصدَم المراقب أو المتابع للشأن الفلسطيني، وهو يشاهد أو يسمع عن الصراع والخلافات الفلسطينية الداخلية حول الرواتب والسلطة، بينما فلسطين تحت الاحتلال، ولا يَفهم كيف أصبح الفلسطينيون يتصارعون من أجل الرواتب، فيما إسرائيل تواصل الاستيطان والتهويد والعدوان؟. المراقب محق، ومنطق التحرر الوطني صحيح، ولكن كيف تقنع مواطناً لا يجد قوت يومه ويحاصره الفقر والبطالة من كلِّ جانب، مواطن تعود خلال سنوات على تلقي راتباً يُعيل عائلته، ومن الراتب يدفع إيجار البيت أو أقساطه، ويدفع أقساط الأبناء في المدرسة والجامعة، وبالكاد يوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة، كيف نقنعه أنّ النضال من أجل الوطن أهم من النضال من أجل لقمة العيش، وأنّ عليه التضحية براتبه من أجل فلسطين؟ كيف تُقنع المواطن أنّ مصدر راتبه جهات أجنبية متواطئة مع إسرائيل على سرقة أرضنا ووطننا؟... كيف نقنعه بكلِّ ذلك خصوصاً وهو يرى النخبة السياسية لا تعاني ما يعانيه، وتعيش في بحبوحة ورغد عيش؟ .

1-     لعنة الراتب

قبل توقيع إتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 لم يكن الفلسطينيون يتلقون أي دعم مالي أوروبي أو أمريكي، بل كان الغرب يعتبر منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية، ويراقب كلّ دولار يصل لها. لم يكن الأمر مقتصراً على الأجانب بل إنّ دولاً عربية وخصوصاً دول الخليج أوقفت دعمها المالي للمنظمة والفلسطينيين بعد حرب الخليج الثانية. بعد اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل وتوقيع إتفاقية أوسلو وقيام السلطة، قررت دول العالم دعم السلطة مالياً!.

لم تكن إسرائيل بعيدة عن المشهد، إن لم نقل إنّ كلَّ عملية التسوية كانت من أجل إسرائيل. كان من مصلحة إسرائيل استدراج منظمة التحرير الفلسطينية لتنزلق من مرحلة الثورة والنضال إلى مرحلة السلطة، ولتضمن عدم تهَرُب الفلسطينيين مما عليهم من التزامات بمقتضى إتفاق أوسلو، وبما لا يساعدهم على التقدم بمسار السلطة والتنمية لدرجة تحقيق استقلال اقتصادي عن إسرائيل، أو بناء مؤسسات دولة من وراء ظهرها، فتم فرض التنسيق الأمني، وتوقيع بروتوكول باريس الاقتصادي، والتدخل في تَشَكل النخبة السياسية. وانتزعت إسرائيل والجهات الدولية حقّ تحديد ومراقبة كلّ العاملين في السلطة من مدنيين وعسكريين. كانت وما زالت الرواتب والمنح ومشاريع التنمية الارتجالية، بمثابة رشوة جماعية للنخبة الفلسطينية، سواء نخبة السلطة أو نخبة (المجتمع المدني).

وهكذا، مع أوسلو والسلطة جرت عملية معقدة لتغيير طبيعة الصراع والحالة الوطنية الفلسطينية، من حالة تحرر وطني إلى حالة سلطة بدون سيادة تُشكِل قطيعة مع المرحلة الأولى، واستحقاقات السلطة غير استحقاقات حركة التحرر الوطني، مع إمكانية وجود علاقة بين المرحلتين لو تم توظيف مرحلة السلطة بطريقة عقلانية لخدمة مرحلة التحرر الوطني. بمقتضى هذه العملية المعقدة تم تحويل المناضلين (الفدائيون) – ويبدو أنّ الشعب نسى كلمة فدائي -  إلى موظفين، وعلى نفس المسار تجري عملية تحويل (المجاهدين)، أو بعضهم، المنتمين لحركة حماس إلى موظفين. وفي كلِّ الحالات يتشكل المشهد التراجيدي المؤلم اليوم، وهو الانتقال من النضال من أجل تحرير فلسطين إلى النضال من أجل الراتب، فالاعتصامات والمسيرات والاحتجاجات المتعلقة بالرواتب وحقوق الموظفين، أصبحت أكثر وأعلى صوتاً من أشكال مقاومة الاحتلال بما فيها المقاومة الشعبية .

عندما يصبح الراتب الذي يُعيل الأسرة الفلسطينية لعنة وطنية، لأنّ مصدره تمويل خارجي مشروط بالالتزام باتفاقات وتسوية سياسية وتنسيق أمني مع من يحتل الأرض، تُفقِدنا كلّ يوم مزيداً من الحقِّ والأرض، أو مصدره تمويل جماعات إسلام سياسي ودول لها أجندة ومشاريع تتعارض مع المشروع الوطني، وعندما تصبح البندقية لعنة، لأنها أصبحت تقتل من أبناء الوطن في الصراع على السلطة أكثر مما تقتل من العدو الذي يحتل الأرض ويمتهن الكرامة، وترهب الشعب أكثر مما ترهب إسرائيل، بل باتت تحمي أمن إسرائيل...، فتلك مصيبة، دهمت الشعب الفلسطيني.

أن ينتظر المقاتل أو المجاهد راتباً شهرياً يأتيه من حكومة تتلقى تمويلها من مصادر مشروطة سياسياً، وأن يرتهن الراتب بالولاء والموقف السياسي الحزبي، وأن يرتهن استمرار وجود سلطة فصائل وأجهزة أمنية في غزة، بالتزامهم بهدنة أو بشروط الرباعية، وأن يرتهن استمرار وجود السلطة الوطنية بالالتزام بعملية التسوية وبالتنسيق الأمني، فإنّ الحركة التي ينتمي إليها هذا الموظف أو المقاتل أو المجاهد لا يمكنها أن تشكل مشروعاً وطنياً أو تقود حركة تحرر وطني، والبندقية التي يحملها متلقي الراتب لا يمكنها أن تكون بندقية مقاومة،  والحالة السياسية برمتها غير مؤهلة للانتصار على إسرائيل، لا بالحرب والمقاومة، ولا بالعمل السياسي والدبلوماسي .

الارتهان للجهات المانحة وللمال السياسي أخرج الشعب من حالة التحرر الوطني، لحالة مشوهة ومبهمة، أخرجت المواطن الفلسطيني من كينونته وهويته الوطنية النضالية، وجعلته مسكوناً بلعنة الراتب ولقمة العيش التي تأتي من الدول المانحة، ولا منحة في سبيل الله. بات هاجس قطع الراتب يثير خوف كثير من المواطنين أكثر من هاجس ضياع القدس والوطن، وهناك جهات باتت متخصصة باللعب على وتر قطع الراتب، أو منح الراتب، ليس فقط بالنسبة للموظف الصغير مدنياً كان أم عسكرياً، بل بالنسبة لمسئولين كبار ومناضلين سابقين وقادة فصائل ومثقفين وقادة رأي عام في الضفة وغزة وفي الشتات، وجدوا حياتهم وحياة عائلاتهم مرتبطة بالراتب. بسبب هاجس قطع الراتب فإنّ كثيراً من هؤلاء تشكلت لديهم روادع ذاتية تمنعهم من ممارسة أي نقد أو تفكير عقلاني فيما آلت إليه أمورنا خوفاً على راتبهم الوظيفي أو التقاعدي أو راتب أبنائهم وأفراد عائلاتهم .

 ابتزاز السلطة الوطنية الفلسطينية من طرف الجهات الأجنبية المانحة من خلال التهديد بقطع التمويل عنها إن لم تلتزم بعملية التسوية، أو قررت الخروج منها والذهاب للأمم المتحدة، أو قررت العودة لنهج المقاومة، أنتج معادلة خطيرة :( استمرار تمويل السلطة مقابل استمرار الالتزام بشروط التسوية، بما يترتب على ذلك من استمرار الاستيطان والتهويد والتنسيق الأمني!. وتقوم إسرائيل أيضاً بنفس الدور من خلال حجز أموال المقاصة كورقة ضغط وابتزاز على السلطة.

2-     الرواتب ومسألة الولاء السياسي

إشكالية قطع الرواتب أو ربط الراتب بالولاء السياسي، لم تبدأ مع مشكلة موظفي حكومة حماس السابقة على المصالحة، بل كانت مطروحة حتى بالنسبة لموظفي السلطة والحكومة الشرعية، ويمكن المرور على أربعة مراحل أو حالات لمسألة قطع الراتب أو توظيفه سياسياً:

         أ‌-         بعد انقلاب حماس على السلطة في يونيو 2007 تم قطع رواتب موظفين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، لأنهم ينتمون لحركة حماس أو يتلقون رواتب منها، واستمر قطع الرواتب على شبهة الانتماء لحماس لفترة طويلة، تخللها تقارير كيدية وظلم وقع على البعض .

      ب‌-      في مرحلة ثانية تم قطع رواتب موظفي سلطة، ممن غادروا القطاع نهائياً، وتخفيض رواتب كلّ موظفي غزة، من خلال خصم مقابل المواصلات والعلاوات، مع أنّ هؤلاء لم يلتحقوا بعملهم بسبب قرار من رؤسائهم، وليس استنكافاً ذاتياً منهم .

ج‌-  في مرحلة ثالثة تم قطع رواتب بعض أبناء تنظيم فتح على شبهة الموالاة لمحمد دحلان (التجنح)، وهذه مشكلة، لأنّ الراتب يرتبط بالوظيفة وليس بالانتماء أو الولاء الحزبي أو الشخصي.

د‌-    وأخيراً أثيرت القضية بعد تشكيل حكومة التكنوقراط، حيث لم يتلق موظفو حكومة غزة السابقة للمصالحة رواتبهم، بالرغم من استمرار هؤلاء على رأس عملهم، واستمرار حماس مسئولة عن إدارة وأمن القطاع .

مسألة رواتب موظفي حكومة حماس السابقة ليست مجرد مشكلة وظيفية يمكن حلها باللجوء لقانون الوظيفة العمومية، أو على قاعدة، بما أنهم على رأس عملهم فمن حقهم تلقي رواتب مثلهم مثل الموظفين الآخرين في السلطة، بل مشكلة لها أبعاد سياسية. حتى لو رغب الرئيس أبو مازن أو رئيس الوزراء دمج هؤلاء الموظفين في السلطة، فإنّ الأمر يحتاج لإعادة هيكلة ومراجعات للرتب والقدرة الاستيعابية، وكلها تحتاج لوقت ، أيضاً لموافقات سياسية من الجهات المانحة وخصوصاً الرباعية .

يبدو أنه لم يتم التفكير الجاد باليوم الأول ما بعد تشكيل حكومة التكنوقراط بالنسبة لمسألة الموظفين، أو تم اتفاق بين طرفي المصالحة، ولا يصارحون جماهيرهم بالحقيقة. فهل غاب عن المجتمعين حقيقة أنه بعد أيام من تشكيل الحكومة سيحل موعد دفع الرواتب، فكيف يذهب أبناء السلطة الشرعية الذين لا يمارسون عملاً إلى البنوك في غزة ليقبضوا رواتبهم، بينما الموظفون المنتسبون لحركة حماس والذين استمروا على رأس عملهم في الوزارات والأجهزة الأمنية ويحرسون البنوك ويحكمون غزة فعلياً إلخ، كيف لا يقبضون راتباً؟!. حتى لو ذهبنا إلى ما يقوله معارضو حماس، بأنّ موظفي حماس وأجهزتها الأمنية (بلطجية) أو خارجون عن الشرعية إلخ، فإنّ حركة فتح قَبِلت بأن يستمر هؤلاء، حتى بهذه الصفة، بالقيام بمهام الأمن في قطاع غزة، فكيف لا يقبضون مقابل قيامهم بهذه المهمة ولو مخصصات أو رواتب مقطوعة إلى حين حسم المشكلة نهائياً؟ وخصوصاً انه لا يبدو أنّ السيطرة الأمنية لحركة حماس في القطاع لن تنتهي خلال أيام قريبة .

 الحسابات الحزبية تقول: كيف نكافئ حماس على فشلها ومسؤوليتها على حدوث الانقسام، بتخفيف أزمتها المالية؟ ولماذا هذا الضجيج بسبب قطع رواتب أشخاص من حماس أو موالين لها، وقد تم قطع رواتب موظفين ينتسبون لحركة فتح نفسها؟. ولكن الحسابات الوطنية تقول: إنّ موظفي حماس جزء من الشعب الفلسطيني، والرئيس أبو مازن رئيس الجميع، من يؤيده ومن يعارضه، وإن كانت السلطة لا تستطيع منح موظفي حماس رواتب رسمية أو دمجهم بالوظيفة العمومية، فتستطيع تخفيف المعاناة عنهم وخصوصاً ونحن على أبواب شهر رمضان.

3-  الرواتب والتنسيق الأمني

إن كان من حقِّ موظفي حماس الذين على رأس عملهم المطالبة براتب أو بمقابل نظير قيامهم بمهام الأمن وتسيير أمور الناس في قطاع غزة، فإنّ قيادة حماس وكلّ الفصائل والمتابعون للشأن السياسي يعلمون بأنّ السلطة تدفع الرواتب من تمويل خارجي تُشرف عليه وتراقبه اللجنة الرباعية، وهو تمويل مشروط باستمرار التزام السلطة بالعملية السلمية وباتفاقية أوسلو وبشروط الرباعية. التنسيق الأمني جزء من شروط الرباعية وشروط الرباعية جزء من برنامج الحكومة التي قال الرئيس أبو مازن: إنّ الحكومة حكومتي وبرنامجها برنامجي، وقَبِلت حركة حماس الحكومة على هذا الأساس. فكيف تطالب حركة حماس وموظفوها أن تدفع لهم السلطة رواتب،  وفي نفس الوقت تُدين وتعارض التنسيق الأمني وتعتبره (خيانة وطنية)؟!.

منطق السلطة ودفوعاتها بشأن التنسيق الأمني، أنّ التنسيق الأمني غير منفصل عن مجمل التزامات السلطة، وغير منفصل عن التمويل المالي للسلطة بما في ذلك مسألة الرواتب، وفي حالة تم وقف التنسيق الأمني، لن يتم تقديم الأموال للسلطة لتدفع الرواتب لا في غزة ولا في الضفة، لا رواتب الشرعية ولا رواتب موظفي حماس، وربما لن تكون هناك سلطة أصلاً؟!.

إذن المسألة ليست فقط مسألة رواتب بل أكثر تعقيداً، لا يعني ذلك أنه مطلوب القبول بشروط الرباعية، والتسليم بالتنسيق الأمني، مقابل الحصول على الرواتب التي هي مصدر عيش لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية. لو تم الاحتكام إلى العقل، فمن الممكن حل كلّ القضايا بالتدريج، ولكن سياسة التهريج السياسي، وإخفاء الرأس بالرمال، والهروب إلى الأمام نحو الأيديولوجيا والشعارات، وإخفاء المسؤولية الذاتية عن العجز والفشل، بتحميل كلّ طرف الطرف الآخر المسؤولية واتهامه بالعجز والفشل... كلّ ذلك لن يحل مشاكلنا، لا مشكلة الرواتب، ولا مشكلة التنسيق الأمني سيء السمعة، ولن يساعد على التقدم في ملف المصالحة.  

4-     حركة فتح والتوظيف السياسي للرواتب

سبق أن أشرنا أنّ مسألة قطع الرواتب لم تقتصر على المنتمين لحركة حماس، بل تم قطع رواتب أعضاء من حركة فتح والمفترض أنها حزب السلطة. لم يكن قطع الرواتب على خلفية الانتماء لحركة حماس أو لجهات مصنفة عند إسرائيل والجهات المانحة  كجماعة إرهابية أو معارضة لعملية السلام، بل إنّ الذين قُطعت رواتبهم أكثر انتماءً وارتباطاً باتفاقية أوسلو ونهج التسوية من قيادة فتح ورئيسها، وبالتالي لم يكن الخوف من الجهات المانحة أو إسرائيل سبباً في قطع رواتب هذه العناصر من حركة فتح، بل كان الأمر يندرج في إطار توظيف مسألة الراتب كعقاب تنظيمي، و هو أمر خطير.

إنه من الخطورة بمكان أن يكون الانتماء لحركة تحرر وطني أو حزب سياسي في وزن وثقل حركة فتح مؤسَساً على الراتب والوظيفة أو الارتباط بالسلطة، لا يجوز أن يكون الراتب أساس الانتماء لفتح أو ما يوحد أبناء فتح. حركة فتح سابقة على وجود السلطة والحكومة والراتب، وستستمر سواء كحزب سياسي في حال قيام الدولة، أو كحركة تحرر وطني في حالة فشل مفاوضات التسوية، وفي الحالتين يجب أن تتوقع حركة فتح كحزب يمثل الوطنية الفلسطينية ومنفتحاً لكلِّ من يؤمن بالوطنية فكراً وممارسةً وليس كجماعة تقوم على أساس الولاء الشخصي أو البحث عن مكسب ومغنم .

الأمر هنا لا يتعلق تحديداً بالأشخاص الذين قُطِعت رواتبهم، ولا نناقش مشكلة هؤلاء وماذا قالوا وماذا مارسوا بحقِّ الرئيس وحقِّ الوطن، بل نبحث في الموضوع من حيث المبدأ. من الخطورة أن يكون الراتب هو ما يربط ابن فتح بحركة فتح بحيث يتم معاقبة من يختلف في رؤيته مع القيادة بقطع راتبه، وبالتالي قطع مورد رزق عائلة بكاملها، إنّ ممارسة هذا العقاب إن كان سيُخيف البعض ويمنعهم من التمادي في انتقاد الرئيس أو السلطة، إلا أنه في المقابل سيزيد من ثقافة الخوف السائدة في قطاع غزة تحديداً عند كلّ فتحاوي وموظف سلطة يرتبط مصدر رزقه ورزق عائلته براتب السلطة، ثقافة خوف ستدفع إلى تكميم الأفواه وقتل روح النقد والجدل داخل حركة فتح وفي المجتمع بشكل عام.

 سيخاف كلّ فتحاوي وموظف من الانتقاد العلني  للتنظيم أو الرئيس خوفاً على راتبه، وهذا الأمر سيزيد عدد المنافقين والانتهازيين والجبناء وكتبة التقارير على حساب ذوي الفكر الحر والانتماء الصادق وكلّ من ينتقد نقداً ذاتياً فيه نصح ونصيحة للقيادة وتوجيه وتثقيف للقاعدة من أجل تطوير حركة فتح، ولكن في المقابل فإنّ ثقافة الخوف من قطع الراتب لن تغير من انتماءات الناس وولائهم، بقدر ما ستدفع ذوي الرأي الآخر والمعارضين للبحث عن وسائل سرية للمس بالرئيس ومناهضة الوضع القائم لتنظيم حركة فتح وهذا هو الأمر الخطير.

يُفترض أنّ ما يربط ابن فتح بالحركة أكبر من الراتب والوظيفة، إنه الانتماء والفكر والممارسة النضالية وإن كان يوجد خلل عند ابن فتح في رؤيته أو تصرفه تجاه حركة فتح أو الرئيس أو السلطة فالمسؤولية تقع على قيادة التنظيم التي لم تهتم بالتوعية والتنظيم والتعبئة والتواصل المستمر مع أبناء فتح، المشكلة تكمن في ترك أبناء فتح منذ تأسيس السلطة عام 1994 وحتى قبل ذلك دون تعبئة أو توجيه، المشكلة في تقصير مفوضية التعبئة والتنظيم وفي تقصير مفوضية التعبئة الفكرية، ونتمنى على فخامة الرئيس أبو مازن أن يبحث عن الأسباب الحقيقية لتعثر استنهاض تنظيم فتح وعن أسباب تزايد أنصار المفصول من الحركة محمد دحلان وفي المخيمات تحديداً؟، ولماذا لا تحظى السلطة بكثير تقدير في الضفة الغربية؟، بدلاً من الأخذ بالتقارير والتوصيات ممن يتحملون مسؤولية الفشل في استنهاض فتح ولا يجدون من وسيلة للتغطية على فشلهم وضمان استمرارهم في عملهم إلا التخويف والترهيب بقطع أرزاق البشر تحت عنوان الدفاع عن الرئيس أو الدفاع عن السياسة العامة للدولة!.

خاتمة

في كلِّ حكومات العالم لا يرتبط الراتب بالولاء الحزبي أو السياسي أو الشخصي، بل بالقيام بالوظيفة، إلا إذا صدر حكم قضائي يُجَرم الموظف، أو إذا أخل الموظف إخلالاً فاضحاً بالقيام بوظيفته، ويجب عدم الخلط بين المشاكل الحزبية والعمل الحكومي الرسمي. لكن في الحالة الفلسطينية تأخذ الأمور منحى آخر بسبب الخصوصية التي أشرنا إليها سابق، سواء ما تعلق منها باعتماد السلطة كلياً على مساعدات مشروطة سياسياً، أو حالة الانقسام والفصل بين غزة والضفة، وأخيراً عدم وضوح تفاهمات مخيم الشاطئ بالنسبة لمعالجة مسألة موظفي حكومة حماس السابقة .

نتلمس ونتفهم أنّ صيرورة السلطة الوطنية على ما هي عليه، من ضعف وعجز عن مواجهة الضغوط الخارجية والابتزاز الإسرائيلي، لم يكن خياراً ذاتياً خالصاً، بل نتيجة عوامل متعددة داخلية وخارجية، والخلل الداخلي جزء منها ولا شك، ونتفهم السيرورة الجبرية التي أدت إلى ارتباط معيشة عشرات آلاف المواطنين بالراتب وبالمشاريع التنموية التي تقدمها الجهات المانحة، ونتفهم أيضا جهود السيد الرئيس والمنظمة والأحزاب السياسية بالبحث عن مصادر تمويل تحررهم من شروط الجهات المانحة، أو تتحايل عليها قدر الإمكان، ولكن ما لا نفهمه أو نقبله، أن يصبح الراتب عائقاً أمام التقدم في مسار المصالحة الوطنية، التي هي مدخل ضرورة لبناء إستراتيجية وطنية لمواجهة الإحتلال والعمل من أجل تحرير الأراضي المحتلة، وخصوصاً أنّ إسرائيل تتهيأ لعدوان شامل في الضفة وغزة تحت ذريعة البحث عن المستوطنين المفقودين، ونخشى أن يكون هدف عدوان هذه المرة تغيير قواعد اللعبة السياسية في الأراضي المحتلة ووضع العالم أمام أمر واقع جديد،  كما جرى بعد الانسحاب من قطاع غزة، ولكن بصورة أكثر خطورة.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 354
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 المصالحة في خلطة التخليل
 أبعاد سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية
 مشاريعٌ أوروبيةٌ تقوَّضُ ومؤسساتٌ أمميةٌ تدمرُ
 الأسرى الفلسطينيون وعيد الأضحى ..
 مؤتمرٌ فلسطينيٌ بمن حضر ومجلسٌ وطنيٌ لمن سبق
 راحل بلا حقائب
 حتى لا ننسى: إسرائيل عدونا والاستقلال هدفنا
 الجزائر تكسر الحصار وتفتح أبواب الأمل
 معركة الأقصى قيادة رشيدة وشعبٌ عظيمٌ
 قضية المسجد الأقصى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا