الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
اقتران العلم بالعمل من صميم الإيمان

2014/07/26 | الکاتب : عمار كاظم


عندما ندرس تاريخ المسيرة الإسلاميَّة، نلاحظ أن المشكلة كانت تتحرّك في مواقف المسلمين أو مواقعهم، في خطين: مشكلة عمل بدون علم، ومشكلة علم بدون عمل. فهناك الكثيرون في هذا التاريخ ممن تخشع لتقواهم ولإخلاصهم، ولكنّك تكتشف أنها تقوى تفتقد عمق الوعي، أو أنه إخلاص افتقد العلم والمعرفة، وهؤلاء كثر في مجتمعنا الإسلامي. وقد عاش هذا المجتمع ولا يزال الكثير من مشاكل هؤلاء، لأنهم قد يحصلون على الثقة الاجتماعيّة بين المسلمين، من خلال عملهم، فتفرض هذه الثّقة على الواقع الإسلاميّ، جهلهم.

وهناك الأشخاص الذين يملكون العلم كأرحب ما يكون العلم، ولكنّهم لا يملكون العمل، ولا يملكون مسؤوليّة هذا العلم ورساليّته في المجتمع، من خلال ما يفرضونه على النّاس من الثقة بهم، من خلال علمهم، بل إنّهم يسيئون إلى مسيرته، من خلال انحراف خطّ العلم عندهم عن خطِّ العمل.

ولعلّ الكلمة المشهورة الّتي لم ندقّق في سندها عن أمير المؤمنين(ع): قصم ظهري: عالم متهتّك، وجاهل متنسك، تمثّل واقع المسيرة الإسلاميّة كلّها.

خطّان منحرفان

وقد عالج رسول الله (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) ذلك كلّه. فلنقرأ بعض ما ورد عنهم، ولنستوح بما يتّسع له المقام، حركة الواقع في هذين الخطّين.

ففي الخطّ الأوّل، وهو العمل بغير علم، نقرأ في الحديث عن بعض أصحاب الإمام جعفر الصّادق(ع) أنّه قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: العالم على غير بصيرة، كالسّائر على غير الطّريق، لا تزيده سرعة السّير إلا بعداً. فعندما تبدأ خطّ السّير، فعليك أن تعرف الطّريق الّذي تسير منه، والهدف الذي تسعى إليه، لأنّك عندما لا تعيش ثقافة المسيرة في بداياتها وخطوطها، فقد يخيّل إليك أنّك تسير في الطريق الذي يصل بك إلى الهدف، وإذا بك تسير في الطّريق الذي يصل بك إلى ما هو ضدّ الهدف. ولذلك، فقد تكتشف وأنت في نهاية الطّريق، أنّك ابتعدت عن الطّريق أكثر، لأنك كنت أقرب إليه في البدايات، ولكن عندما انطلقت تلك البدايات في خطّ الانحراف، فإنّك ابتعدت عن الطّريق كثيراً، ولو وقفت، لاستطعت أن تهتدي أكثر.

وفي حديث آخر عن بعض أصحاب الإمام الصّادق (ع)، وهو (حسين الصيقل)، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة، فالله تعالى يريد منّا أن نعرف من قبل أن نعمل، لأنّ العمل ليس مطلوباً في ذاتيات العامل فيما ينطلق به، ولكنّ العمل المطلوب هو الذي يجسّد الفكرة.

فالمطلوب هو أن تتحرّك الرسالة في الواقع، فإذا كنت تجهل الرّسالة، فإنّ معنى ذلك أنّ ما يتحرك في الواقع باسم الرّسالة، ليس هو الرّسالة.

وقد كانت عظمة الأنبياء(ع)، وفي مقدّمهم سيدهم وخاتمهم رسول الله محمد(ص)، هي أنّ الرّسالة كانت تتجسّد في خطواتهم عندما تنطلق من كلماتهم، لأنّ المسألة هي أن تتجسّد الرّسالة. ولذلك، فإنّ الله لا يقبل عملاً بغير علم ـ ولاحظوا هذه الكلمة الحاسمة ـ فقد تكون إنساناً مخلصاً، ولكنّك جاهل بمقدار إخلاصك، فإذا كان إخلاصك يشدّك إلى الله في نظرك، فإنّ جهلك يبعدك عن الله أكثر، لأنّك لم تخلص لله، ولكنّك أخلصت لما تتصوّر أنه الله، فأنت بالتالي لم تخلص للحقيقة.

يقول الإمام الصّادق (ع): لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة، ولا معرفة إلا بعمل، فلا بدّ من أن يكون هناك نوع من الانسجام بين المعرفة والعمل، فمن عرف، دلّته المعرفة على العمل، فإذا كان لديك وعي الفكرة ووعي الرّسالة، فإنّ الفكرة والرّسالة تدلّانك على الطريق، فالذين يجهلون يتخبّطون في الطريق، لأنهم يعيشون عمى الفكر، في حين أن المعرفة تدلك على الطريق، وتحدّد لك معالم الطريق، وتحدّد لك الذين يقودونك في الطريق.

ومن لم يعمل، فلا معرفة له، ألا إن الإيمان بعضه من بعض، فالإيمان ليس فكرة مجردة عن العمل، كما أنّ الإيمان ليس عملا مجرداً عن الفكرة.

العمل بغير علم فساد

وفي الحديث عن أبي عبد الله الصّادق(ع) عن رسول الله (ص)، قال: قال رسول الله(ص): من عمل على غير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح[4]، لأنه عندما تتحرّك في العمل، فإنّك تغيّر الواقع، وعندما تغيّر الواقع على أساس الخطأ والجهل، فإنّ معنى ذلك هو أنك تخلق مشكلة للواقع، أكثر من المشكلة التي كانت فيه قبل أن تبدأ العمل. وهذه مسألة ـ أيها الأحبّة ـ عشناها ولانزال نعيشها في المسيرة الإسلاميّة كلّها، حيث نواجه من لا يبلورون الفكرة قبل البدء بالعمل، ولا يتعمّقون في خطوطها وطبيعتها وإيحاءاتها. فعندما تنفتح على حبّ الله، فإن عليك أن تعرف الله في طريق هذا الحبّ، لأنّ بعض الناس ربّما عاشوا الحبّ لله، فانحرفوا عن طريق هذا الحبّ، لأنهم لم يعرفوا الله كما ينبغي أن يعرف، مما يمكن للعبد أن يعرفه. وعندما تحبّ رسول الله (ص)، فعليك أن تعرف رسول الله مما عرّفنا الله من صفاته في كتابه الكريم، ومما جسّده(ص) في حياته وحركته. وعندما تحبّ أهل البيت(ع) من خلال مفردات هذه المعرفة، فلا تغمطهم حقّهم كما غمط الكثيرون حقّهم، ولا تغلُ فيهم كما غلا الآخرون: هلك فيّ رجلان: محبّ غال، ومبغض قال[5]، فعليك أن تحبّ من موقع المعرفة، ولن تكون المعرفة حقيقيّة، إلا من خلال المصادر الأصلية والدقيقة التي يمكن لك أن تجعلها حجّة بينك وبين الله، بحيث إذا سألك عن ذلك، أجبت جواباً يمكن له أن يكون عذراً لك أمام الله سبحانه وتعالى.

الانفتاح على ثقافة القرآن

وعندما نتحرّك في خطّ العمل الإسلاميّ، فإنّ علينا أن نعرف الإسلام، فلا يكفي أن ننفتح على الإسلام بطريقة ضبابيّة، أو أن ننادي بالإسلام من دون أن نعرف الخطوط الأصيلة له، ومن دون أن نعرف المفردات المنهجيّة للإسلام، ومن دون أن نعرف الحلول الّتي يقدّمها الإسلام إلى العالم، فأن تعمل للإسلام قيادة في موقع ثقافي، أو قيادة في موقع سياسي، أو قيادة في موقع اجتماعي، لا بدّ من أن يكون لديك وعي الإسلام، ولن يكون لديك مثل هذا الوعي إلا إذا كان لديك وعي القرآن، فمن لا يقرأون القرآن علماً وثقافةً وروحاً وحركة، ليسوا مؤهّلين لأن يكونوا في أيّ موقع قياديّ للإسلام، لأنّ القرآن هو النّور الّذي يضيء الطّريق. ولعلّ مشكلتنا ـ أيّها الأحبة ـ فيما نأخذ به من مواقع الثقافة والعلم، هي أنّ القرآن يعيش على هامش ثقافتنا الحوزويّة، وأنّ الكثيرين ممن ينفتحون على الفقه علماً، لا ينفتحون على القرآن علماً. ولذلك، فإنهم قد يتصوّرون الانحراف استقامة، والاستقامة انحرافاً، وقد يتصوّرون الضّلال هدى، والهدى ضلالة.

لن نعرف الإسلام إلا إذا قرأنا رسول الله(ص) بكلّه، وقرأنا عليّاً وأبناءه الطّاهرين(ع) بكلّهم، بأن نقرأهم فيما يعيشونه مع الله، وفيما قدّموه للأمّة من فكر وهدى، وفي مسيرتهم في الحياة، وأن نقرأهم في الشّهود، ولا نقرأهم في الغيب فقط، وإن كانت لديهم مساحة كبرى في الغيب، لكنَّ مشكلة الكثيرين أنهم عاشوا مع الأنبياء والأولياء في الغيب، ففقدوا معرفتهم للأنبياء وللنبوّات في عالم الشهود، فضاع الغيب منهم عندما ضاع الشّهود، لأنّ الغيب مرتبط بالشّهود، كما أنّ الشّهود منفتح على الغيب.

لا عمل بلا معرفة

لذلك، أيّها الأحبّة، لا عمل بدون معرفة، من لا يعرف السياسة الإسلامية فيما هو واقع الإسلام في ساحات الإسلام كلّها، وواقع التحدّيات التي تواجه الإسلام، وواقع الاستكبار العالمي والمستكبرين، فكيف يشتغل في السياسة الإسلاميّة؟! إنه قد يشتغل في السياسة الاستكبارية باسم الإسلام، وقد يشتغل في السياسة الضّائعة باسم الإسلام. ولهذا، نجد أنّ لدينا مخلصين كثيرين، كما أنّ لدينا جهّالاً كثراً في مواقع الإخلاص، وأتقياء كثراً في معنى الرّوحيّة التي يعيشونها، ولكن لدينا أيضاً الأتقياء الّذين لا يعرفون خطوط التّقوى، ولدينا المواقع الكبيرة التي يمكن أن تكون عنواناً للإسلام، ولكنّنا نجد في كثير من هذه المواقع عنواناً بدون معنون.

فلنتأمّل في الكلمة النبويّة: من عمل على غير علم، علم في كلّ مفردات الموقع الّذي تمثّله، وكلّ خطوط الدّرب الّذي تسير فيه، وكلّ ساحات الصّراع الّتي تدخل فيها، وكلّ الآفاق التي تتحرّك فيها، لأنّ لكلّ ساحة علمها، ولأنّ لكلّ طريق علمه، ولأنّ لكلّ موقع علمه، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، لأنّ العمل سوف يتحرّك من الجهل في الخطّ المضادّ، فيسيء إلى الفكرة والحركة والهدف، وبالتّالي إلى المجتمع كلّه والحياة كلّها.

أيها الأحبة، إنَّ الإسلام مثقل بكلّ الجراحات التي أثخنّاه بها، وإن الإسلام يعيش أكثر من مشكلة، كنّا نحن المنتمين إليه السّبب فيها. فلنوفّر على الإسلام الكثير من جهلنا، ولنقرأ قبل أن نبدأ الخطوة الأولى، ولنعرف نهايات الأمور قبل أن ننطلق في بداياتها، لأن الساحة واسعة واسعة، والتحدّي كبير كبير، والمرحلة صعبة صعبة على مستوى الثقافة والسياسة والأمن والاجتماع.

أيّها الأحبّة، إنّ الواقع الّذي يعيشه الإسلام هو واقع ينادي: هل من ناصر ينصرني؟؛ ناصر يعرف كيف ينصر الإسلام، لا أن يخذل الإسلام باسم الانتصار له.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 365
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 دوافع العمل
 الآداب المعنوية للدعاء
 التجارة الرابحة مع الله تعالى
 شهر رمضان.. فرصة لتهذيب النفس
 رباط المودة والإخاء
 رمضان.. شهر العبودية والخشوع
 خير وسيلة لإصلاح المجتمع الدعاء
 الله تعالى.. منبع كل سعادة وطمأنينة
 العزة.. قوة وصلابة من الله تعالى
 الخشية الدائمة من الله

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا