الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإمام الباقر(ع).. مدرسة في القيم الإسلاميَّة

2014/10/04 | الکاتب : عمار كاظم


كان(ع) يؤكّد علاقة المؤمنين مع بعضهم بعضاً في المجتمع، بالدّرجة العليا الّتي يصبح فيها المجتمع كالجسد الواحد، فقد سأله بعض أصحابه، وهو سعيد بن الحسن، قال: «أيجيء أحدكم إلى أخيه، فيدخل يده في كيسه، فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟ فقلت: ما أعرف ذلك فينا. فقال أبو جعفر(ع): فلا شيء إذاً»، أي أين إيمانكم إذاً؟ وأين الوحدة الإيمانيّة بين المؤمنين؟! وأين الجسد الواحد الّذي يمثّله المجتمع المؤمن؟! «قلت: فالهلاك إذاً. فقال: إنّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد»، أي لم تكتمل عقولهم بعد، ولا يزال إيمانهم غير ناضج، فهم بحاجة إلى تعميق للإيمان أكثر، وإلى وعي لمسؤوليّة الإيمان في العلاقة بين المؤمنين أكثر.

الأخلاق صلب الإيمان

وكان (ع) يريد من المؤمنين أن يشعروا بأنّ قصّة الأخلاق تتصل بالإيمان اتصالاً وثيقاً، فمن حسنت أخلاقه كمل إيمانه، ومن ساءت أخلاقه كان إيمانه ناقصاً، فبمقدار ما تكون حسن الأخلاق أكثر، تكون مؤمناً أكثر، وهذا ما جاءت به الكلمة عن الإمام(ع): «إنّ أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنهم خلقاً»، لأنّ الله يؤكّد الأخوة الإيمانيّة بين المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.

ولذلك، فإنّ المسألة تفرض أن يعيش الإنسان امتداد الأخوّة في العلاقات، بكلّ العناصر التي تتمثّل فيها الأخوّة في إيجابية تعاطي الإنسان مع الإنسان الآخر، وحتى مع غير المؤمنين، فالله يصف عظمة الرّسول(ص) في أنه على خلق عظيم، وأنّه كان رقيق القلب لطيف اللّسان، وكان الرؤوف الرحيم، وكان الإنسان الّذي يتألّم لمن حوله إذا تألموا، وكان يحرص على من حوله عندما يسيرون في خطّ الضّياع.

مقابلة النّاس بالبسمة

كان(ع) يحدّث الناس بذلك، وكان يريد للناس في المجتمع عندما يلتقون ببعضهم البعض، أن لا يكون لقاؤهم بوجه عابس أو كئيب، لأنّ وجهك في تقاطيعه الإيجابيّة أو السلبيّة، يترك تأثيراً إيجابياً أو سلبياً في الذي تلتقي به، فإذا كنت ضاحكاً، منبسطة أساريرك، فإنّ ذلك يمثّل إشراقةً تدخل قلب الذي تلتقيه، بحيث تشرق بسمته في قلبك قبل أن تشرق في عينيك. لذلك، كان من صفات رسول الله(ص)، أنّه كان لا يُرى إلا مبتسماً، وهذا ما تحدّث عنه (الفرزدق) في مدحه للإمام عليّ بن الحسين زين العابدين(ع)، الّذي عاش العبادة كما لم يعشها أحد بعد رسول الله(ص) وأمير المؤمنين(ع):

يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته فلا يكلَّم إلا حين يبتسم

كان المبتسم دائماً، بل كان حتى في حزنه بذكرى كربلاء، وحزنه بين يدي الله، يبتسم في قلب الحزن بكربلاء، وفي قلب الخوف بين يدي الله، لأنّه كان يشعر بأنه في العمق من طاعة الله، وفي القرب القريب منه. لذلك، قال(ع) وهو يروي عن رسول الله(ص) قال: «أتى رسول الله رجل فقال: يا رسول الله، أوصني، فكان فيما أوصاه أن قال: ألق أخاك بوجه منبسط».

صدق الحديث

وكان يريد للنّاس أن يكونوا الصّادقين، كما كان يريد للمحدّثين الَّذين كانوا يقصدونه ليرووا الحديث عنه، أن يصدقوا فيما ينقلونه، وأن لا يكذّبوا، انطلاقاً من شهوة للفكرة الّتي يكذبون فيها، أو من خلال عقدة، أو أنّ الناس يرتاحون للكذب، كما يكذب البعض من المبلّغين والمرشدين عندما ينقلون أحاديث ليس لها أيّ أساس من الحقّ، لا لشيء إلا لأنّ الناس تحبّ الكذب فيما تحبّه وفيما تبغضه. ومن هنا، فقد كثر الكذّابة على رسول الله(ص)، وكثر الكذّابة على أئمَّة أهل البيت(ع). فعن عمرو بن أبي المقدام قال: «قال لي أبو جعفر(ع) في أوّل دخلة دخلت عليه: تعلّموا الصّدق قبل الحديث»، فقبل أن تصبح فقيهاً، أو خطيباً، أو واعظاً، أو مبلّغاً، أو سياسياً، أو شخصيَّة اجتماعيّة في حركة المجتمع، تعلّم أن تكون صادقاً، حتى تعطي الناس الصّدق، لأنك عندما تملك موقعاً يحترمه الناس، فإنّ خطورتك هي عندما تكون كاذباً أكثر، لأنّ كذبك سيكون محترماً عندهم، فيكون الفكر الذي يأخذون به، والحياة التي يحيونها.

وعن الربيع بن سعد قال: «قال لي أبو جعفر(ع): يا ربيع، إنّ الرّجل ليصدق حتى يكتبه الله صدّيقاً»، فيحشره مع الصدّيقين. وأية درجة يبلغها الإنسان أعظم من درجة الصدّيقين؟! والقضيّة تحتاج إلى أن تكون صادقاً مع نفسك ومع ربك ومع الناس فيما تتحدّث به إليهم.

كظم الغيظ

وكان (ع) يريد للناس، وهم يختلفون ويتنازعون عادةً، ويعيشون بعض النوازع النفسيّة السلبيّة ضدّ بعضهم البعض، أن لا يفجّروا غيظهم تجاه من اغتاظوا منه، وكان يريد للصّدر أن يتّسع، وأن يكون الإنسان حليماً عندما يواجه الغيظ ممن أغاضه، وكان يريد للإنسان من خلال الخطّ القرآني أن يسيطر على انفعالاته السلبيّة، فلا يدع انفعالاته تدفعه إلى كلمة سلبيّة قد يندم عليها، أو إلى عمل غير مسؤول قد يعيش التّأنيب عليه. وكان(ع) يقول: «من كظم غيظه وهو يقدر على إمضائه»، أي قادر على أن يفجّر بكلمة أو بضربة، أو يقوم بأيّ عمل يشفي فيه غيظه، «حشا الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة» فلنتوازن بين هذا الانفعال الذي نعيشه عندما نكظم غيظاً، والأمن والإيمان الّذي يمنحنا إيّاه الله، ونحن في أشدّ الحاجة إليه، فعندما نريد الانحراف عن الخطّ الأخلاقيّ أو الخطّ الشرعيّ، فلنستحضر النتائج الذاتيّة التي نحصل عليها من خلال هذا الانحراف، والنتائج الكبرى التي نحصل عليها إذا امتنعنا عن ذلك. ولذلك، ترى القرآن يركّز دائماً على الآخرة وعلى يوم القيامة، حتى يدخل الإنسان في عمليّة مقارنة بين الدنيا والآخرة.

خطّ الرّفق

وكان يريد للنّاس في هذا الخطّ أن يعيشوا الرفق، ولا يعيشوا العنف، فعندما نعيش مشاكل كثيرة، ونحتاج إلى حلّ، فقد نستطيع أن نحلّها بالعنف، ونختصر الوقت في ذلك، وقد نستطيع أن نحلّها بالرفق واللّين والأسلوب السلمي، ولكنّ ذلك يحتاج إلى صبر ووقت. ولكنّ الإمام الباقر(ع) يقول: «إنّ الله عزّ وجلّ رفيق يحبّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». فالرّفق صفة الله، والله يحبّ الرفق من عباده، ويحبّ الرّفقاء بالناس، وإذا كنت تريد أن تحلّ مشكلة يحبّ الله لك أن تحلّها، ويجزيك بالثواب عن حلّها، فإذا حللتها بالرفق، فإنَّ الله يعطيك من الثواب أكثر مما لو حللتها بالعنف، فعن أبي جعفر(ع) قال: «قال رسول الله (ص): إنّ الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولم يرفع عن شيء إلا شانه».

قول الكلمة الحسنى

وكان يريد للنّاس عندما يتحدَّثون مع الناس، ويطلقون كلماتهم، أن يفكّروا في الكلمة التي يتكلّمون بها مع الآخر؛ فهل أنت مستعد لأن يتكلّم الآخر معك بكلمة مماثلة؟ فكّر في الكلمة عندما تطلقها تجاه الآخر. إنّ الإمام (ع) يستوحي ذلك من آية قرآنيّة، قال في قول الله عزّ وجلّ {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} «قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم» فكما تحبّ أن يخاطبك الناس خاطبهم، وقل الكلمة التي تحبّ أن يقولها الناس لك.

من هو المسلم؟

وكان الإمام الباقر(ع) يوازن بين العبادة والعطاء في حلّ مشكلة كلّ بيت من بيوت المسلمين، فلو أنك حججت الحجّ الواجب، وأحببت أن تحجّ حجّة مستحبّة، ولم تكن هناك مصلحة إسلاميّة كبرى في أن تحجّ حجّة مستحبة، ولكنّك تحبّ الثواب، وسمعت أنّ بيتاً من المسلمين يشكون الجوع والعوز، ودار الأمر بين أن تحجّ وأن تصرف هذا المال في سدّ جوع هؤلاء، وكسوة عورتهم، وما إلى ذلك، فأيّهما تفضّل؟ استمعوا إلى الإمام الباقر(ع) يقول: «ولأن أعول أهل بيت من المسلمين، أسدّ جوعتهم، وأكسو عورتهم، وأكفّ وجوههم عن الناس، أحبّ إليّ من أن أحجّ حجّة وحجّة وحجّة، ومثلها ومثلها حتى بلغ عشراً، ومثلها ومثلها حتى بلغ السبعين»، فأنت تعطي مصرف الحجّ للفقراء، فيكون لك ثواب سبعين حجّة. فأيهما تفضّل؟

وعن سليمان بن خالد عن أبي جعفر(ع) قال: «قال أبو جعفر: يا سليمان، أتدري من المسلم؟ قلت: جعلت فداك، أنت أعلم، قال(ع): المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فالإسلام في العمق لا يتمثّل في الكلمة، ولكنّه يتمثل في تأثير الشهادتين في حركتك في الواقع. «وتدري من المؤمن؟ قال: المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم، والمسلم حرام على المسلم أن يظلمه، أو يخذله، أو يدفعه دفعة تعنته» أي توقعه في المشقّة والهلاك.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 396
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفهوم النية والإخلاص فيها
 ممارسة الديمقراطية.. فهماً ومعنى
 بيعة الإمام عليّ (ع) بالخلافة
 يوم المباهلة.. يوم بيان برهان الصادقين
 الديمقراطية.. معانٍ وأهداف
 إعلاء كلمة الحق في يوم المباهلة
 أهمية الوقت في حياة الشباب
 محو الأمية والتنمية المستدامة
 الحقّ في التعليم
 توجيه الشباب نحو القيم الفاضلة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا