الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
في رحاب يوم الغدير ومعانيه

2014/10/12 | الکاتب : عمار كاظم


«ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، قالها رسول الله (ص)، ليقدّم من خلال هذه الكلمة عليّاً (ع) في موقع الولاية التي هي امتداد حركي للرسالة، قالوا: اللهم بلى، قال (ص): «اللهم اشهد»، ثم قال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»، وفي هذه الكلمة تنطلق مسألة الولاية، لتربط ربطاً رسالياً في عمق الشخصية وعمق الدعوة وامتداد الحركة، بين عليّ (ع) ورسول الله (ص)، فرسول الله هو مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، لا من خلال شخصه في معنى النسب، ولكن من خلال موقعه في معنى الرسالة، وإذا كان رسول الله مولى كلّ مؤمن ومؤمنة؛ فعليّ (ع) من خلال هذه الكلمة الرسولية مولى كلّ مؤمن ومؤمنة، مولاه في كلِّ ما ينطلق به عليّ (ع)، في عقله الذي كان عقل الرسالة، وفي قلبه الذي كان منفتحاً على كلِّ معنى العاطفة الإنسانية في الرسالة، وفي كلِّ سيرته التي كانت لله ولرسوله وليس فيها شيء له من قريب أو من بعيد، وإن كان عليّ (ع) لا ينطلق من ذاته، لأنّ ذاته عُجنت بماء الرسالة منذ الطفولة

برنامج علي في الحكم

لنقرأ علياً (ع) وهو يتحدث عن برنامجه في حكمه، وعن طبيعة الحاكم للمسلمين، وذلك في أيام خلافته التي عانى فيها ما عاناه. استمعوا إليه كيف يخاطب الناس أولاً، وكيف يقدّم حسابه لله ثانياً: «أيتها النفوس المختلفة ـ فقد كان مجتمعه مجتمعاً تحركت فيه الفتن ـ والقلوب المتشتتة، الشاهدة أبدانهم والغائبة عنهم عقولهم ـ فقد أعطوا عقولهم إجازة ولم يستحضروها ليفكروا في الأمور بطريقة عقلانية موضوعية ـ أظأركم على الحقِّ وأنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد، هيهات ـ أنتم لستم المجتمع الذي أستطيع أن أحقق فيه برنامجي، لأنكم مجتمع صنعه الآخرون، ولا تزال بقايا الجاهلية فيه، ولأنكم مجتمع لا يزال يعيش على أساس العصبية ـ أن أُطلع بكم سرار العدل أو أقيم إعوجاج الحقّ»، إذ كيف نقيم العدل بالمعوجين، وكيف نقيم العدل بالظالمين..

ثم ينتقل عليّ (ع) من حديثه إليهم إلى حديثه لله، ليفضفض عمّا في نفسه، فعليّ (ع) كان يعيش الألم من خلال أنه كان يخطط من أجل أن يجعل الناس مسلمين كما هو الإسلام، لذلك كان يشكو إلى الله بين وقت وآخر، وكان يشهد الله على ما في قلبه، كالكثيرين ممن يعملون في طريق الإصلاح ولا يجدون إلا العقوق والإنكار، فيقول (ع): «اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ـ لا أقيم وزناً للدنيا كلها، لا لمالها ولا لسلطانها، ولا لكلِّ لذاتها وشهواتها، الدنيا عندي هي أنت يا ربّ، كلّ ما يرضيك وما تحبه لأنني أحبك يا ربّ ـ ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك ـ حتى نركّز معالم الدين ونقدمها للناس ونجعلها تعيش الوضوح في عقول الناس وقلوبهم وحياتهم ـ ونظهر الإصلاح في بلادك ـ لنقضي على الفساد الذي صنعه المفسدون ـ فيأمن المظلومون من عبادك ـ أن نقضي على الظلم والظالمين ـ وتقام المعطلة من حدودك، اللهم إني أول من أناب ـ أول من رجع إليك ـ وسمع ـ دعوتك ـ وأجاب ـ رسولك، لم يسبقني إلا رسول الله بالصلاة ـ فأنا كنت أول من صلى بعد رسول الله، لأنني عشت الصلاة معه قبل أن يُرسل، عندما كان يصلي إليك بتسابيحه وتهليله وتكبيره ـ وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي ـ القاسي الذي لا يعيش الانفتاح على الناس بأخلاقيته ـ فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول ـ الذي يميّز الناس عن بعضهم البعض ـ فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنّة فيهلك الأمة».

بين السياسة والرسالة

كان عليّ (ع) ينطلق على أساس البرنامج الذي وضعه أمامه، وقد قال في آخر خطبة الشقشقية: «لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز».

هذا عليّ (ع) الذي يقول لابن عباس وهو يشير إلى نعله الذي كان يخسفه: «إنها أحبّ إليّ من إمرتكم هذه، إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً»، كان عليّ (ع) من أكثر الناس الذين يفهمون السياسة ويعرفون ألاعيبها ويعرف كيف كان أعداؤه يغدرون ويلعبون على الحبال، ولكنه لم يكن سياسياً يطلب الحكم لنفسه، بل كان رسالياً، ولذلك كان يقول: «إنّ الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنّة أوفى منه ـ فمن كان صادقاً لا بد وأن يكون وفياً للناس ولربه ـ وما يغدر من علم كيف المرجع ـ الذي يعرف كيف يقف أمام الله ليحاسبه ـ ولقد أصبحنا في زمان ـ فكيف هذا الزمان يا عليّ ـ اتخذ أكثر أهله الغدر كَيْساً، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم الله، قد يرى الحوّل القلّب ـ البصير بتحوّل الأمور ـ وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين».

استشراف المستقبل

ويتحدث الإمام عليّ (ع) عن بعض الأزمنة، وربما كان زماننا منها: «يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من القرآن إلا رسمه، ومن الإسلام إلا اسمه، ومساجدهم يومئذ عامرة من البناء، خراب من الهدى، سكانها وعمّارها شرّ أهل الأرض، منهم تخرج الفتنة وإليهم تأوي الخطيئة، يردّون من شذّ عنها فيها، ويسوقون من تأخر عنها إليها، يقول الله تعالى: «فبي حلفت، لأبعثن على أولئك ـ الذين يأتون إلى المساجد ويفتنون بين الناس ويخربون المجتمع ـ فتنة تترك الحليم فيها حيران»، وقد فعل، ونحن نستقيل الله عثرة الغفلة، حتى نكون واعين لرسالة المسجد، ورسالة الصلاة، ورسالة الإسلام.

السير على خطى علي ونهجه

إنّ حبّ عليّ (ع) يكلّف، لأنه الإنسان الذي يعمل على ألا يكون هناك باطل ولا ظلم ولا فتنة، فهل تحبون عليّاً (ع)؟ إنّ حبّه هو أن نسير في خطه، ونعمل من أجل أن نكون شيعته بالعمل لا بالكلمة، وقد قال حفيده الإمام الباقر (ع): «والله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وكانوا يعرفون بالتواضع والتخشّع وصدق الحديث وأداء الأمانة، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء، أفيكفي الرجل أن يقول أحبّ علياً وأتولاه ثم لا يكون فعّالاً، فرسول الله خير من عليّ، أفحسب الرجل أن يقول أحبّ رسول الله ثم لا يعمل بسنّته، والله ما معنا براءة من الله، من كان ولياً لله فهو لنا وليّ، ومن كان عدواً لله فهو لنا عدو، والله ما تنال ولايتنا إلا بالورع».

إنّ علياً (ع) يخاطب الناس في زمنه، وهو يخاطبنا في زماننا: «ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد».

أفضل المؤمنين من يعرف كيف يشكر الله على نعمه

في رسالة للإمام علي (ع) إلى عامله الحارث الهمداني تقديم النصائح والإرشادات التي يضمن بها سلامة نهجه وأدائه انه يريد أن يقول له أنّ الله تعالى خلق البشر مختلفين في خصائصهم ومراتبهم «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» (الأنعام/165). وهذا يفرض على المؤمنين سلوكاً إنسانياً ينسجم مع هذا الاختلاف والتباين انه يقول: «وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه، فانّ ذلك من أبواب الشكر....» فالناس مختلفون فواحد جميل وآخر أقل جمالا وفرد غني وآخر فقير وشخص عالم وآخر جاهل.. وهكذا نرى الناس يتفاضلون مع بعضهم البعض.. فمنهم من ينظر إلى من هو أعلى منه فيشعر بالغبن فيستقل نعمة الله عليه أو لا يشعر بقيمة النعمة أو قد يملأ صدره الحسد الذي قد يتحول إلى عقدة ضد صاحب النعمة الذي هو أفضل منه وقد ورد ببعض الشعر «وكل ذي نعمة تلقاه محسودا». لذا أراد الإمام علي (ع) لصاحبه ولجميع المؤمنين أن ينظروا النظرة التي تجعلهم يشكرون المنعم فقال لهم: انظروا لمن هو أسفل منكم فستجدون انّ الله تعالى أعطاكم أكثر مما أعطاه وهيأ لكم فرص النجاح أكثر مما هيأها للآخرين.. انّ هذه المقارنة الموضوعية كفيلة بأن تدفعك إلى شكر الله تعالى وتقدير نعمه وشكر الله تعالى يكون في تحرك هذه النعم فيما يحبه الله ويريده..

 
 

أم البنين  

مبارك عليكم وعلينا عيد الغدير يا شيعة علي

كريم  

نبارك لكم عيد الغدير، عيد الولاية، سائلين المولى عزوجل أن يوفقكم لخدمة الاسلام والمسلمين

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 476
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا