الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ذكرى يوم المباهلة: تجسيدٌ لرحابة الحوار في الإسلام

2014/10/18 | الکاتب : عمار كاظم


في اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام كان يوم المباهلة، والمباهلة هي طريقة إسلامية تكون في نهاية الحوار بين الآراء المختلفة، عندما يستنفد الجميع الحوار فيما بينهم حول قضايا العقيدة، ويأبى أحد الطرفين أن يقرّ بالحقيقة من وجهة نظر الطرف الآخر، فيدعو الطرف الذي يعتبر نفسه أنه يملك الحقيقة، الجانب المنكر إلى المباهلة، بأن يلتقي مع أحبّ الناس إليه مع الطرف الآخر فيمن يختاره، ويقفا أمام الله ليدعواه ويبتهلا إليه أن يجعل لعنته على الكاذبين، ومن المعروف في تجربة المباهلة أنّ الله تعالى يُنـزل العذاب على الكاذب منهما.

وهذا ما جرى مع الرسول(ص) في السنة التاسعة للهجرة، بعد أن أكّد النبي(ص) انتصاره على المشركين في معركة القوة، وكانت وفود العرب تأتي إلى المدينة تباعاً للإعلان عن انضمامها إلى الدين الجديد، وهذا ما أشار الله إليه في قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً* فسبّح بحمد ربك واستغفره إنّه كان توّاباً}، وكان من بين تلك الوفود وفد نصارى نجران، وهؤلاء جاؤوا ليحاوروا وليجادلوا النبي(ص) في الإسلام، وفي شخصية السيد المسيح (ع)، فاستقبلهم النبي(ص) بكلِّ رحابة وتكريم، وأنزلهم في مسجده، لأنّ النبي(ص) لم يكن لديه بيت للاستقبال، بل كان يستقبل الناس ـ سواء كانوا كافرين أو غير كافرين ـ في المسجد، ولهذا نحن نقول إنّه لا مانع من أن يدخل غير المسلم إلى المسجد، وكلّ ما هناك أنّ الله تعالى منع المشركين أن يقربوا المسجد الحرام بالخصوص، أما بقية المساجد، فرأينا الفقهي أنه لا مانع من أن يدخل غير المسلم إليها، لأنّ النبي(ص) ومن جاء بعده من الخلفاء، بمن فيهم الإمام عليّ(ع)، كانوا يستقبلون الكافرين من الأسرى وغيرهم في المسجد، وعندما حان وقت صلاة هؤلاء النصارى، وقفوا ليصلّوا صلاتهم في المسجد، واستقبلوا الشرق آنذاك، وأرادوا أن يضربوا الناقوس، فاحتجَّ المسلمون على ذلك، ولكن النبي(ص) قال: «دعوهم فليفعلوا ما يريدون»، ليبيّن لهم سماحة الإسلام، وأنه لا يمنع أحداً من أداء عباداته بالطريقة التي يريدها.

عيسى كلمة الله

ودخل النبي(ص) معهم في حوار حول عيسى(ع) في ما كانوا يقولون عنه إنه هو الله، وإنّ الله تجسّد في السيد المسيح، كما هي العقيدة المعروفة في ما بين النصارى في العالم بشكل عام، أو أنه ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة، ودار الجدال فيما بينهم في أكثر من جانب، وأكّد لهم أنه مخلوق، ولكنهم لم يقتنعوا بذلك، فدعاهم (ص) إلى المباهلة، وهذا ما تحدثت عنه هذه الآيات الكريمة: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال لـه كن فيكون ـ إنه تعالى يقول لكم: إنكم تعتبرون أن عيسى(ع) يحمل سرّ الألوهية لأنه وُلد من دون أب، ولكن هذه هي قدرة الله في ذلك، فماذا تقولون في آدم (ع) الذي خلق من غير أب أو أم. إنها قدرة الله في أن يخلق إنساناً من أب وأم، أو من أم دون أب أو من دون أب وأم: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} ـ الحقّ من ربك ـ ويؤكد الله للنبي(ص) الحقيقة النازلة من الله ـ فلا تكن من الممترين - من الشاكّين - فمن حاجّك فيه ـ في عيسى(ع) وشخصيته ـ من بعد ما جاءك من العلم ـ مما علّمك الله تعالى، وأنّ عيسى(ع) بشر كبقية البشر في معنى إنسانيته وبشريته، فهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويعيش كما يعيش البشر في ضروراتهم وكلّ أمورهم، ولكنه روح من الله، وله ميزة الرسالة، والانطلاق الروحي من الله تعالى، وهذه الكلمة التي وُلد من خلالها.

المباهلة بأحب الناس

ـ {فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ـ والأبناء أحبّ الناس للإنسان ـ ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}. وقبلوا بمبدأ المباهلة، ولكن رئيسهم ـ كما تقول الرواية ـ استدرك وقال: «انظروا مَن الذين سوف يختارهم محمد للمباهلة»، هنا جاء النبي (ص) وعليه كساء أسود وقد احتضن الحسن والحسين (عليهما السلام)، وعليّ وفاطمة (عليهما السلام) يسيران خلفه، وهو يقول: «إذا دعوت فأمّنوا» ـ قولوا آمين ـ حتى يعرفوا من خلال المعجزة الإلهية من هو الكاذب ومن هو الصادق، فعندما رأى الوفد الذين جاء بهم النبي(ص) سأل عنهم، فقيل له: هذه ابنته وهذا ابن عمه وصهره، وهذان ولداه، فالتفت الرئيس الديني إلى الوفد وقال: «يا معشر النصارى، إني لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا»، لأنهم أيقنوا أنّ النبي(ص) لو لم يكن واثقاً من صدقه في الدعوة، لما جاء بأحبّ الناس إليه؛ ابنته وابناها وصهره وابن عمه، والنبي(ص) عندما يقدّم من يحبّ في موقعٍ من أخطر المواقع بين يدي الله، فإنه لا ينطلق في حبّه عن هوى، وإنما ينطلق من إيمانه بأنّ هؤلاء هم المقرّبون إلى الله، وأنّ الله تعالى سوف يستجيب لهم ما هم فيه. ودعا رئيس الوفد النبي(ص) إلى التفاوض والمعاهدة، فطلب منهم أن يسلموا فأبوا، فصالحهم(ص) على أن يؤدّوا الجزية. ويقول فخر الدين الرازي في تفسيره في آية المباهلة: «إنّ النبي عندما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم عليّ، ثم قال النبي(ص): {إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}»، وهذا ما يؤكد قيمة أهل البيت(ع) عند الله، ويؤكد عصمتهم، لأنّ الله تعالى هو الذي تكفّل بطهارتهم عن كلِّ خطيئة وكلِّ خطأ، وأذهب عنهم كلّ رجس.

الدعوة إلى الكلمة السواء

إننا نفهم من ذلك رحابة الإسلام وانطلاقه في مسألة الحوار مع الآخرين، ولذلك قال الله تعالى بعد هذه الآيات: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون}. وهذا هو المنهج الإسلامي مع أهل الكتاب ومع كلّ الناس، المنهج المنطلق من الحجة والبرهان والانفتاح على الآخر والاعتراف به على أساس العلم والعقل.

وهذا ما يجب علينا أن نتعلّمه في كلِّ موقع للخلاف، سواء كان خلافاً بين المسلمين وأهل الكتاب، أو بين المسلمين والمشركين، أو بين المسلمين والملحدين، أو بين المسلمين أنفسهم في ما يختلفون فيه في قضاياهم المذهبية والفكرية والاجتهادية، لأنّ الله تعالى دعا إلى العمل بالمنهج في كل مواقع الخلاف، وهذا ما قاله في كتابه: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}، وقوله تعالى في الخلاف الإسلامي ـ الإسلامي: {فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول}، الخلاف في الرأي لا يفرض الحقد والحرب والعداوة والضغينة، وإنما يفرض التفاهم على أساس الحوار، حتى يكون اختلاف الفكر، غنى للفكر بدلاً من أن يكون وسيلة للحقد والعداوة والبغضاء.

هذا هو الإسلام في منهجه، وهذا هو يوم المباهلة التي انطلق بها النبي(ص) مع الصفوة الطيبة من أهل البيت(ع)، الذين لا بد لنا من أن نتّبعهم لأنهم أخلصوا للإسلام وأهله، وأخلصوا للنبي(ص) الذي عاشوا في حضانته وتربيته وانفتحوا على كلِّ آفاقه.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 446
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا