الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
في ذكرى عاشوراء

2014/11/05 | الکاتب : عمار كاظم


أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بالحسين عليه السلام.

حين نستعيد أجواء عاشوراء، فإنّما نستعيدها لنعتبر بها ونتعلَّم منها، ونعيشها من أجل أن نكون في المرحلة التي تكمل تلك المراحل، لأنّ الحسين عليه السلام كان خطوةً متقدّمة في المسيرة الإسلامية الطويلة التي لن تنتهي حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، إنّه كان يتمثَّل بهذه الآية الكريمة: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) (الأحزاب/ 23) .

عندما نعيش في كلّ سنة ذكرى عاشوراء؛ فإننا نبحث عن جمهور عاشوراء في كلّ مرحلةٍ من مراحل حياتنا المعاصرة؛ لأنّ الهدف من بقاء هذه الذكرى على مدى الزمن، هو أن تُنتج لنا حالة حسينيةً في كلّ مرحلةٍ من مراحل حركتنا الإسلامية في العالم.

الحسين عليه السلام كان يريد لحركته أن تكون صدمةً قويةً للواقع الفاسد، أراد أن ينتقي لها الذين يعيشون الرسالة بكل معانيها في عقولهم ومشاعرهم وخطواتهم العملية في الحياة. لهذا أن تكون حسينياً، يعني أن تكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر في خط الإسلام، وأن ترفض كل ما عدا الإسلام.

الحسين عليه السلام كان مسلماً وليس عنده شيء زائد عن الإسلام. انطلقت شخصيته مع إسلامه حين قالها رسول الله «حسين مني وأنا من حسين». كيف هذا التفاعل بين الحسين عليه السلام وبين النّبيّ؟ هل هو تفاعل النسب؟ إذا كان الحسين من رسول الله لأنّه جده، فكيف يكون رسول الله من الحسين، والحسين ابن بنته؟ إنّ هذا التفاعل هو بتجسد الإسلام فيهما. ولهذا كان كل واحد منهما من الآخر لكونهما معاً في خدمة الإسلام.

لقد ارتبطت عاشوراء بشخصية الإمام الحسين عليه السلام ، هذه الشخصية التي تربت في حضن الرسالة ونهلت من معين الإسلام الصافي، وامتلكت رصيداً من المحبة في قلوب الناس، وجسدت مجموعة من العناوين الإسلامية والإنسانية، التي ما زالت تلهم كل طالب حق، وكل ثائر ضد الظلم، وإذا كانت بعض القراءات للثورة الحسينية تقدم البعد العاطفي على العناوين الأخرى، ولا ترى في الحسين عليه السلام إلا إنساناً وأباً مفجوعاً بأهله وأولاده وأصحابه، فإنّ هذه الرؤية تظل قاصرة عن الارتقاء إلى مستوى العناوين الأخرى في هذه الشخصية.

فمن أبرز هذه العناوين أنّ الحسين كان الشخص الوحيد في الساحة الإسلامية القادر على تجسيد الإسلام قولاً وفعلاً، والقائد الذي يحمل اخلاقاً تقنع الناس، بخلاف ما كانت عليه القيادات التي تتصدى لتحمل المسؤوليات في المجتمع الإسلامي، فقبل الثورة وأثناء الاعداد لها، جسّد الحسين عليه السلام في مواقفه أخلاق النبوة والإمامة «أنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومحط الرحمة.. بنا فتح الله وبنا ختم.. ومثلي لا يبايع مثله».

والواقع أنّ الإمام نهج طريق طلب الحق في كل لحظة من لحظات حياته، وهو الذي خاطب معاوية عندما جاء واليه لأخذ البيعة ليزيد «فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية».

وكان الحسين عليه السلام القائد الذي يخطط انطلاقاً من مبادئه وأخلاقه النبوية، فلم يلجأ أبداً لأي أسلوب يتعارض مع ذلك الصفاء الإيماني خصوصاً على صعيد استقطاب الأنصار، وحرص على الوضوح والشفافية والصراحة معهم، حتى في أشد الساعات، فيطلعهم على خطورة الموقف ويخبرهم بما يفكر، فبعد استشهاد مسلم بن عقيل وقف ليصارحهم «لقد نزل من الأمر ما قد ترون، وانّ الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء، الا ترون إلى الحق لا يعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه، حقاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما».

وهذا الاخلاص والنقاء والطهارة في العمل الثوري أعطى الحسين عليه السلام بعداً إنسانياً، وتحول إلى نموذج إنساني عالمي، وقدوة لكثير من المفكرين والسياسيين والثوار مسلمين ومسيحيين وهندوس وعلمانيين، وهنا نستحضر كمثال ما قاله الزعيم الهندي مهاتما غاندي في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة): لقد عرفت الإسلام بشخصية الإمام الحسين عليه السلام.. وعلى الهند إذا أرادت أن تنتصر أن تقتدي بالإمام الحسين عليه السلام وقال: تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر.

ومن مواقفه نتعرف شخصيته الحوارية، التي تؤمن بالحوار وبإلقاء الحجة على الخصم، وكان هذا ديدنة مع جميع خصومه، حتى مع جيش عمر بن سعد ولأكثر من مرة، قبل المعركة وأثنائها وحتى اللحظات الأخيرة، يسعى لثنيهم عن باطلهم ووعي خطورة ما يقومون به على مستوى الدنيا والآخرة، وظل يردد ويذكرهم بالهدف الذي جاء لأجله، حتى وصل بمحاورتهم إلى أن يقول لهم مقرعاً: «إن لم يكن دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم».

لنأخذ الحسين عليه السلام في عقولنا فكراً يضيء الحق للناس ولنأخذ الحسين في قلوبنا حباً يطرد الحقد عن الناس، ولنأخذ الحسين في حياتنا حركة تبقى مع الله وفي خط الله، وعندما نحب الحسين حب الحقّ وحب الإسلام وحب العدل وحب الرسالة فستنفجر الدموع من دون أيّة إثارات هنا وهناك، لأننا عندما نحب الحسين عليه السلام بعمق فسنبكيه بعمق، نبكيه بدموع الرسالة، وبدموع القضية، وبدموع الولاء، وبدموع الحبّ.

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 305
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا