الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
انتصار القيم والأخلاق

2014/11/09 | الکاتب : عمار كاظم


نعم إنّ الحسين (ع) انتصر لأنه انسجم مع ذاته ومبادئه. ولم يتنازل عن قيمه وأخلاقه ولم يتقاعس عن القيام بواجبه ولم يرض لنفسه حياة الذل والهوان وقد قالها عليه السلام: {موت في عز خير من حياة في ذل} وأنشأ يقول:

المـــــــــــوت أولى مــــن ركوب العار  ........ والعــــــار أولى من دخــــــــول النار

إنّ الحسين (ع) انتصر بانتصار المبادئ الإسلامية وبقاء شعلة الدين حية وسنة النبي (ص) وتعاليمه حاضرة وفاعلة، وقد أشار إلى هذا المعنى إمامنا زين العابدين (ع) عندما ورد المدينة المنورة بعد أحداث كربلاء فقد استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال له: يا علي بن الحسين من غلب؟ وهو مغطي رأسه وهو في المحمل قال: فقال له علي بن الحسين (ع): «إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذن ثم أقم». وهذا هو الذي جعل الإمام الحسين (ع) يطلق على نهضته صفة الفتح لأنّ النهضة التي تحمل هذه المعاني وتهدف إلى تجديد حيوية الدين وفاعليته في النفس وتفضح كلّ أشكال الزيف والتضليل وتزلزل عروش الظالمين وتغدو مثلاً أعلى لكلِّ الثوار والأحرار تشكل فتحاً مبيناً. قال (ع): فيما روي عنه من كتابه إلى أخيه محمد بن الحنفية وقد كتبه إليه وهو في مكة: «بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم. أما بعد...... فإنّ من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام». لقد رأينا الحسين (ع) يوم عاشوراء رغم الجراح والآلام والتعب والنصب والجوع والعطش يعيش حالة من الفرح الروحي لا نظير لها يسقط أمامه الشهيد تلو الشهيد من أنصاره وإخوانه وأبنائه فلا يزيده ذلك إلا إصراراً وعزيمةً وإيماناً ويقيناً، وكلما اشتدت عليه الخطوب ونالت منه الرماح والسيوف وأطبقت عليه الرجال والخيول كان يزداد توهجاً وإشراقاً ويتلألأ وجهه نوراً كما وصفه بعض خصومه. وهكذا نجد أنّ الفرح الروحي ينسحب على كلِّ أصحاب الحسين (ع) الذين استقبلوا الموت بصدور عارية ونفوس مطمئنة وكانوا يترنمون بأراجيز وأشعار تعبر عن روح عالية ورباطة جأش وإخلاص وشهامة قل نظيرها. وإنّ مشهد زينب (ع) بعد مصرع الإمام الحسين (ع) وأصحابه وأهل بيته وهي تشق صفوف الجيش المحتشد والذي كان يترقب منها البكاء والعويل وإذا بها تُفاجئ الجموع عندما تضع يدها تحت جسده الطاهر وهو جثة بغير رأس ثم تقول: {اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان}، انّ هذا المشهد الملحمي البطولي خير دليل على أنّ زينب هي المنتصرة على عمر بن سعد وجيشه وأنّ الحسين (ع) هو المنتصر على يزيد وأزلامه، فالنصر يخرج من رحم المعاناة والجراح والهزيمة هي انهزام الذات وانحدار القيم.

 

إنّ العهد كان مسؤولاً

من الآيات الكريمة التي كان يرددها الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء كلما استقبل صحابياً من أصحابه أو فرداً من أهل بيته وهو يستأذنه للقتال. كان يتمثل بهذه الآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (الأحزاب/23) وكأنه بذلك كان يريد أن يقارن بين هؤلاء الذين ثبتوا معه وبين أولئك الذين حاربوه، فالذين حاربوه كانوا قد عاهدوه من خلال رؤسائهم وفعالياتهم ومن خلال الأفراد الذين بايعوا مسلم بن عقيل في الكوفة باسمه وعاهدوه على أن ينصروه ويواجهوا الحكم الظالم معه وأن يكونوا الجنود المجندة في موقفه من ذلك الحكم الظالم... ولكن عندما خوفهم الطغاة واستيقظت نقاط ضعفهم في داخلهم ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه وأخذوا يقطعـــــون ما أمـــــر الله به أن يوصــل ومشوا في خط الفساد في الأرض فانطبقــــت عليهــــم الآيــــــة الكريمـــــــة (الَّذِينَ يَنقُـــــضُونَ عَهْــــدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) (البقرة/27)، لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل العهد في كلِّ موقع يعاهد فيه إنسان إنساناً سواء كان عهداً بين القيادة والناس أو كان عهداً بين الناس أنفسهم أو بين القادة أنفسهم، فانّ هذا العهد يمثل عهد الله لأنّ الله أمر بأن يفي الناس بعهودهم في قوله تعالى: (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (الإسراء/34). وهكذا أعطى هؤلاء العهد من أنفسهم أمام الله على أساس أن ينصروا الإمام الحسين (ع) وألزموا أنفسهم بأن يصلوا ما أمر الله به أن يوصل وهم أهل البيت، الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وكان الإمام الحسين (ع) هو البقية الباقية من أهل البيت (ع) آنذاك. لقد انطلقوا وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل وأفسدوا في الأرض باعتبار انّ كلَّ فئة تساند ظالماً وتقاتل معه وتنضم إليه تكون من فئة المفسدين في الأرض، لأنّ حكم الظالم يمثل حكم الفساد في الأرض وأوضاع الظالم تمثل أوضاع الفساد في الأرض، والإمام الحسين (ع) هنا أراد أن يقول: أيها الناس قارنوا الموقف بين المعسكرين بين معسكر النار والظلم في الأرض، وبين المعسكر الذي انضم إلى الإمام الحسين (ع) وقد تحدث الله عنهم في كتابه المجيد في قوله: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِليْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ به أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ) (الرعد/19ـــ21).

 

الالتزام بالحسين إماماً

وهكذا أراد الإمام الحسين (ع) تركيز هذه القيمة الإسلامية من خلال الناس الذين وقفوا معه واتبعوه وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، ذلك أنهم عندما جاءتهم المشاكل وأراد منهم الآخرون تغيير موقفهم رفضوا التبديل وأصروا على البقاء مع الإمام الحسين (ع)، حتى عندما وقف الحسين (ع) ليحلهم من بيعته إذ قال لهم: «إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم حرج مني ولا ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا» ولكنهم لم يغيروا ولم يبدلوا بل قالوا: «لا نتخلى عنك يا ابن رسول الله حتى لو قتلنا وقطعنا وأحرقنا» لأننا ننطلق في الوقوف معك والالتزام بخطك من خلال كونك ولي الله وابن وليه، ومن خلال كونك إمام هذا الدين وقائد المسلمين قالوا له: يا ابن رسول الله لقد التزمنا بالإسلام بكلِّ أحكامه ومفاهيمه والتزمنا بقيادتك على أساس انها القيادة الإسلامية التي ركزها رسول الله (ص) بقوله: «حسين مني وأنا من حسين» وبقوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا» فالتزمنا قيادتك لأنّ رسول الله (ص) أراد لنا أن نلتزم قيادتك في إمامتك. وحين صرخت: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، وحددت طبيعة ثورتك الإصلاحية كونها تسعى لإصلاح ما أفسده الظالمون والمنحرفون من الواقع الإسلامي الذي تحرك في أمة رسول الله (ص) سرنا معك لأنّ الله أراد منا أن نصلح أمور أمتنا أيضاً فلست وحدك المسؤول عن ذلك بل نحن أيضاً مسؤولون عن دعم حركة الإصلاح وتقويتها بالانطلاق معك تثبيتاً لموقفك لأنّ كلَّ مسلم ومؤمن مسؤول عن طلب الإصلاح في أمة رسول الله (ص) لأنّ رسول الله قال للأمة كلها: « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

 

الإصلاح مسؤولية الجميع

إنّ الإصلاح في أمة رسول الله (ص) هو مسؤولية كلّ فرد من أفراد هذه الأمة، كلّ بحسب دوره وإمكاناته في كلّ المجالات، لذا قالوا له يا ابن رسول الله لقد قلت: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر لأنك رأيت المعروف الذي يتمثل في طاعة الله في كلِّ قضايا الإنسان والحياة يترك ورأيت أنّ الناس يتركون طاعة الله في عبادتهم ومعاملاتهم وفي حربهم وسلمهم وفي كلِّ علاقاتهم، ورأيت المنكر وهو كلّ ما حرمه الله وأنكر أن يفعل قد عم فالناس يرتكبون المحرمات ويلتزمون الظالين ويدعمون المنحرفين ولا يرفعون في وجوههم صوتاً.. لذلك قلت: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وكنا يا ابن رسول الله معك لأنّ الله حمل كل مسلم مسؤولية أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر ولأنّ رسول الله (ص) حذر المسلمين من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنذرهم أنهم في هذه الحال سيقعون في مصائب كثيرة وبلايا عديدة وقال في ما قال: « لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر او ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم». وأمر رسول الله (ص) هذا موجه للجميع ولهذا فنحن مأمورون بأن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر كما أنت يا ابن رسول الله مأمور بذلك، مأمورون بأن ندعم الذين يأمرون بالمعروف إذا كانوا في موقع القيادة أو المسؤولية وأن نثور معهم على الظلم إذا ثاروا، وأن نكون معهم في خط العدل وقد قلت: « فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق».

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 463
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا