الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الصراع بين الحق والباطل

2014/11/15 | الکاتب : عمار كاظم


منذ خروج رسول الله من مكة، لم يستكن لمنطق الغلبة التي كانت عليه قريش، بل عمل، وبكلِّ جهده، لقلب الموازين، وليرجح الكفة لأصحاب الحق، لاولئك الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) (الحج/39-40)، ولهذا عاش الرسول (ص) والمهاجرون أمر عودتهم إلى مكة باعتباره وعداً إلهيا، وعدا بالنصر والفتح. وما بين الوعد والفتح، انجز المسلمون الكثير الكثير، خاضوا حروباً، وسيروا سراياً وغزوات، وانفتحوا على محيطها لتوسيع الدعوة محلياً وأقليمياً، فعقدوا تحالفات، وحصنوا الجبهة الداخلية، واهتموا بالإنماء والتعليم. انّ هجرة الرسول وبقية المسلمين من مكة إلى المدينة، لم تكن فقط خروجاً من المكان من أجل النجاة، بل كانت أيضاً خروجاً من سلطة الباطل إلى سلطة الحقّ، ومن سلطة الطغاة إلى سلطة العادلين، ومن سلطة الضعف والخوف إلى سلطة صناعة القوة والعزة، وهذا كلّه ما أسس للعودة. لقد كانت يثرب النقطة التي انطلق منها مشروع الرسالة إلى العالمية، ومكة كانت القلب الذي ينبض، والحقّ الذي يجب أن يستعاد. لم يفتح الرسول مكة لاستعادة دار فيها طغاة قريش، ولا لتخليص أموال سرقوها، كان الحقّ واستعادة الحقّ هو البوصلة، هو الهدف. والرسول يريد أن يعلم أمته انّ الحقَّ يؤخذ ولا يستجدى، وما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. كان هدف فتح مكة تطهيرها من الشرك، ومن الباطل الذي حاصرها به المشركون، وإعادتها إلى سيرتها الأولى التي أسسها إبراهيم (ع) كما أمره الله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج/ 26). وبصرف النظر عن مكانة مكة وموقعتها الدينية، فإنّ المسلمين اخرجوا من ديارهم بغير حقّ، وعودتهم إليها باتت قضية محقة بحد ذاتها، ولا يمكن أن تطوى أو يصرف النظر عنها تحت أي اعتبار. وهذا ما نجد ترجمة له في أهم قضية معاصرة، هي قضية فلسطين، بكلِّ تفاصيلها وتداعياتها. انّ الدفاع عن الحقِّ والمطالبة به، فريضة فرضها الله على الناس، لأنّ التخلي عن هذه الفريضة وعدم أدائها في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني ببساطة أنّ المجتمع سلم قراره وإرادته لمن هو أكثر قوة وسطوة وجبروتا، والنتيجة، كما قال الإمام علي (ع): «ما ترك الحقّ عزيزاً إلا ذل، ولا أخذ به ذليل إلا عز وما ضاع حقّ وراءه مطالب» انّ التفريط بعزتنا ليس أمراً متروكا لنا، فالله سبحانه لم يفوض للمؤمنين أن يكونوا أذلاء، ويحنوا هاماتهم للباطل، لذلك يقول القرآن: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (المنافقون/ 8). وقد ورد في الحديث: «انّ الله فوض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا. ممارسة العزة والتمسك بها جزء من إيماننا، وهي الطريق والبوصلة والمحفز كي نتمسك بحقنا، والقرآن يؤسس لنا القاعدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران/200). ما دامت الحياة قائمة على الأرض فإنّ الصراع بين الحقِّ والباطل قائم ودائما، الوعد الإلهي حاضر (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص/ 5) وفي كلِّ مرة يندلع فيها الصراع تكون هناك جبهتان، جبهة مستكبرين تجعل من أهوائها أصناماً تتعبد لها وجبهة حق ترفض الذل والخنوع والاستكانة في قضايا الحقّ والعدل لا مجال للحياد في الإسلام لأنّ الحياد في مثل هذه الحالات هو كذب ونفاق أو هروب وإدارة ظهر وتنصل من حمل المسؤولية التي يفرضها الإيمان. علمنا الإسلام انّ المؤمن لا يكون مؤمناً إلا إذا وقف مع الحقِّ ولو كان على نفسه، وأمير المؤمنين (ع) كان القدوة، كانت حياته دائماً مع الحقِّ لهذا كانت وصيته «كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا» هذا الخيار وهذا الموقف هما اللذان يصنعان عزة المؤمن. ما يجري اليوم في القدس الشريف وتمادي العدو الصهيوني في سياسته الاستيطانية المنظمة في محيط القدس والضفة الغربية، وحصاره لغزة، وأعماله العدوانية، وإقفاله للمسجد كمقدمة للسيطرة عليه، تحت عنوان تقسيمه زمانياً ومكانياً. فهل ردة فعل المسلمين والعرب خصوصاً على مستوى مسؤولياتهم التي يحملهم إياها انتماؤهم ودينهم؟ الكيان الصهيوني يحتل قلوب المسلمين والعرب وعقولهم أكثر مما يحتل أرض فلسطينهم وأقصاهم. انّ الكيان الصهيوني باطل والباطل وهم وهو شيء مصنوع ومزور ولا أساس ولا جذور تجعله ثابتاً في الأرض وأنصار الحقّ سلاحهم الإيمان مثل أن يكون سيفاً أو صاروخاً. أنصار الحقِّ ينصرون قضاياهم لأنّ دينهم الوفاء والتضحية والصدق ولا يخافون إلا الله تعالى، اما أنصار الباطل فانّ أول ما يخشونه هو ضياع المصالح والمكاسب. الكيان الصهيوني كيان معتد ظالم مستكبر يدنس المقدسات سلب الفلسطينيين الأرض والوطن والحقّ في البقاء في الوطن وحتى الانتماء إلى وطن اسمه فلسطين. يدنس المسجد الأقصى ويعتدي عليه والعرب والمسلمون في سبات عميق وكأن الأقصى لا يخصهم ولا يهمهم. أصحاب الفتاوى للجهاد في العراق والشام أين هم من القدس الشريف؟ أين هم من احترقت قلوبهم وجمعوا الأموال والسلاح أين هم من القدس الشريف؟ ألا تثير هذه التساؤلات علامات استفهام ينبغي للمسلمين - إذا كانوا يحترمون إسلامهم - أن يبادروا إلى التخطيط للمواجهة في سبيل حماية مقدساتهم الدينية التي تمثل هويتهم الإسلامية، باعتبار انّ القدس هي الرمز المقدس للإسلام كلّه وللمسلمين كلّهم.

إنّ هذا الواقع الخطر، يستدعي عملاً جاداً من الجميع من دون استثناء، لمواجهة هذه الهجمة الشرسة، ويتطلب موقفاً من الدول التي أقامت علاقات مع هذا الكيان، بدلاً من التلهي بصراعات طائفية ومذهبية، حتى لا يمر المشروع الصهيوني في فلسطين والقدس، أيها العرب، أيها المسلمون، اخرجوا من انقسامكم وتمزقكم، وعودوا إلى إسلامكم، إسلام الوحدة، وإلى أديانكم، أديان الرحمة والمحبة، وإلى عروبتكم، عروبة النخوة والحمية لحفظ البلاد والأعراض. ونحيي الشعب الفلسطيني الصامد المجاهد الذي يقف بالمرصاد لمخططات الكيان الصهيوني في تهويد القدس الشريف وتغيير معالمه وتدنيسه (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد/7).

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 300
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح
 أسباب نشوء التمييز العنصري
 الحث على عمل المرأة
 مكارم أخلاق فاطمة الزهراء (ع)
 الزهراء (ع).. مظهر حي للقيم الفاضلة
 الشباب.. عطاء وطموح
 شذى وأريج الصلاة
 النصف الجميل من المجتمع

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا