الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
التسامح والفكر المتسامح

2014/11/17 | الکاتب : عمار كاظم


في أدب القرآن الكريم: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)، وفي الأدب النبوي: «انكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم»، وفي الرؤية الإسلامية للإنسان: الناس «صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» وفي اللغة العربية: «السمح والسماح والسماحة هي الجود. وأسمح وسامح: وافقني على المطلوب. والمسامحة: المساهلة. وتسامحوا: تساهلوا».

والتسامح ملكة في النفس، وصفة في الشخصية، وروحية في البسط والانبساط، تعبر عن نفسها بالسهولة واليسر وقلة التعقيد.

ولذلك، قد لا يكون دقيقاً أن نتعامل مع التسامح على أنه فعل مجرد، بمعزل عن العمق الذي تنبع منه إرادة الفعل؛ فإذا كان التسامح ذهنية وروحية وعنصراً من عناصر الشخصية، فانّ المطلوب عندئذ البحث عن التسامح في تجليات النفس والذات؛ ليكون الفعل الخارجي تعبيراً صادقاً عن واقع غير ظاهر للناس. فقد تقول لإنسان «سامحتك»، وقد تصافحه أمام الملأ كمظهر من مظاهر التجاوز عن عداوة أو خلاف، وقد تبرم معه اتفاقاً أو معاهدة على طي صفحة الماضي، ولكن كلّ ذلك ربما لا يعبر عن التسامح؛ لأنّ الحياء فرض عليك أن تقول له ذلك، أو أن تصافحه، والظروف الخارجية هي التي ألجأتك إلى أن تبرم معه ذلك الاتفاق. والسؤال هنا: هل نستطيع أن نعزل التسامح عن الفكر المتسامح؟ وهل يمكننا أن نحصل على تسامح من دون الارتكاز على فكر رحب متسامح ينسج في عقيدته خطوط التواصل مع الآخر، وينظر لروح إيجابية قائمة على الذهنية المستقبلية التي تقوم على قراءة الماضي لأخذ العبر، ولكنها لا تغرق فيه في غيبوبة عن مسؤوليات الحاضر؟ ثم إذا امتلكنا القاعدة النظرية للتسامح، فهل يكفي ذلك لإنتاج روح أو ذهنية متسامحة؟ أو لا بد من أن يتحول ذلك الفكر إلى برنامج تدريبي على الخلق المتسامح الذي يعالج ولا يكبت المشاعر السلبية، والذكريات الأليمة؛ وإلى سلوك المتسامح الذي يختبر العلاقة مع الآخر من منطلق تثمير الإيجابيات لديهما، وإلى تدريب الذات على أن تخفف من حدة الأنانية والذاتية؟

اننا نتحدث هنا عن برنامج حياة متسامحة، تلقي بظلالها على الذين يعيشون فيها، فتطبعهم بطابعها، وتعدل في اتجاهاتهم العدوانية، وتمارس محوا منهجياً لذكرياتهم الأليمة. مع كلّ الأسف، نريد أن يسود التسامح؛ ونحن بعد لم نصغ لفكر التسامح قواعد راسخة تحكم حركة المجتمعات والدول، والطوائف والمذاهب، وفي تعاليم الأديان كفاية في هذا المجال... ولم نحوّل شعارات التسامح إلى أنماط عيش تنتجه، وإلى سلوكيات تنطلق بعفوية الإنسان الكامن في كلِّ منا.

لا بد أن نستخرج التسامح كفكر ومنهج من عمق الخصوصية الدينية؛ ليكون التسامح مع الآخر جزءاً من تربية المسلم على إسلامه، والمسيحي على مسيحيته، والمذهبي انطلاقاً من مذهبه، لأنّ ذلك هو الطريق الأصح لتحقيق التجانس بين الانتماء إلى الخاص والانفتاح على العام؛ وإلا وقعنا في التأسيس لازدواجية في الشخصية، بين التربية الخاصة المنغلقة، والنفاق السلوكي المحكوم بالظروف المتغيرة؛ وهو ما يبقي التسامح سطحاً في الممارسة، من دون أن يكون عمقاً في الإحساس والتفاعل الإنساني. في سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع)، أكثر من عالم منفتح على الله وعلى الإنسان والحياة، وأكثر من أفق منطلق بالفكر والروح والشعور والحب الإلهي والعرفان الروحي، وأكثر من مساحة مليئة بالقضايا الأخلاقية، والأجواء الإنسانية والمناهج الحركية، وهو (ع) في ذلك كلّه، يمثل وحدة تربط بين كلّ هذه العوالم والآفاق والساحات، لأنّه الإنسان الذي عاش مع الله معنى العبودية الخالصة له أمام ألوهيته المهيمنة على الأمر كلّه، فكانت مسؤوليته في إنسانيته إحدى مظاهر هذه العبودية، وبذلك التقى بالإنسان في كلِّ مواقعه، وانفتح على الحياة في كلِّ مجالاتها، فكان الفكر سر ارتفاع الإنسان في مستوى المعرفة التي تطوف به في آفاق الله، لتمتد معه في أسرار الحياة في ظواهرها الكونية في سنن الله في الكون، وفي ظواهرها الإنسانية الفردية والاجتماعية في سنن الله في الأفراد والمجتمعات..و كان (ع) قدوة في السماح والعفو.

في هذا المجال، تذكر كتب السيرة أنّ مروان بن الحكم كان يعيش البغض والعداوة لعلي ولأبنائه (عليهم السلام).. ودارت الدائرة على بني أمية بعد واقعة الحرة في ثورة أهل المدينة على يزيد، وكان لمروان عائلة كبيرة من أولاده وأحفاده نساءً ورجالاً، ويذكر الطبري في تاريخه في أحداث سنة 63 للهجرة: «ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيد بن معاوية، عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وإظهارهم خلع يزيد بن معاوية وحصارهم من كان بها من بني أمية، وعلى رأسهم مروان بن الحكم». ذكر الطبري أيضا: «أنه لما أخرج أهل المدينة والي يزيد منها، كلم مروان بن الحكم عبد الله بن عمر أن يغيب أهله عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل ذلك، وكلم علي بن الحسين وقال: انّ لي رحماً وحرمي تكون مع حرمك، فقال (ع): افعل، فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين، فخرج بحرمه حتى وضعهم بينبع (منطقة قرب المدينة)، وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسين»، ومكث هؤلاء عند علي بن الحسين (ع) كما تقول كتب السيرة مدة طويلة، حتى انجلى الموقف، وقالت بعض بناته كما ينقل لم نجد من الحفظ والرعاية والعاطفة في بيت أبينا كما وجدناه عند علي بن الحسين (ع). لقد ارتفع (ع) عن الحقد، لأنّه ككلِّ أهل البيت (عليهم السلام)، لا يحملون حقداً على إنسان حتى على الذين صنعوا المأساة في حياتهم. أية شخصية هي شخصية الإمام زين العابدين (ع)؟ ما رأينا على مدى التاريخ موقفاً كموقفه، حيث رأى أباه وأخوته وأعمامه وأبناء عمومته وأصحاب أبيه والأطفال منهم، رآهم مجزرين كالأضاحي ورآهم عطاشى، ما رأينا إنساناً عاش في نصف نهار مثل هذه المأساة التي صنعها بنو أمية في كربلاء.. هل يمكن أن يبقى في قلبه ذرة حب أو عطف على إنسان أموي؟ هل يمكن أن يفكر في الإحسان لأي إنسان أموي؟ ومن هو هذا الإنسان الأموي الذي أحسن إليه الإمام (ع) بأفضل الإحسان؟ انّه مروان بن الحكم الذي أشار لوالي المدينة أن يأخذ البيعة ليزيد من والده الإمام الحسين (ع) بعد موت معاوية، «وإذا رفض ذلك فاقتله قبل أن يخرج».. ونحن نعرف أنّ أهل البيت (عليهم السلام) تعلموا من جدهم رسول الله (ص) ومن خلال القرآن، كيف يتعالون على كلِّ حقد، فلم يحملوا (عليهم السلام) حقداً لأي شخص من الناس، بل كانوا يحملون المحبة حتى لأعدائهم من أجل أن تشارك المحبة في هدايتهم، كما يحملون المحبة لأوليائهم، لقد تعلموا من رسول الله (ص) ما كان يقول: «اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون»، وتعلموا من علي (ع) أنه كان يساعد ويعاون ويشير على خصومه الذين أبعدوه عن الخلافة التي هي حقه الطبيعي، وتعلموا منه (ع) عندما قال: «احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك».

وكان الإمام المجتبى الحسن بن علي (ع) يمثل القمة في سماحته وأخلاقيته وتسامحه وفي عفوه عن الناس، وفي كرمه وإخلاصه لله تعالى، ونقرأ في سيرته (ع)، أنه كان ذات يوم في المدينة ومعه أهل بيته وأصحابه، وجاء شخص من الشام ممن غسلت أدمغتهم في بغض علي (ع) وأهل بيته، فعندما رأى الإمام الحسن وعرفه، تحركت أحقاد هذا الشخص من خلال تربية الأمويين له، وبدأ يسب الحسن وأباه، والإمام (ع) ينظر إليه نظر رأفة ورحمة، فلما انتهى من سبابه قال له الإمام (ع): «أظنك غريباً، ولعلك اشتبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك...». وذهبوا به إلى المنـزل، ورأى في بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، التجسيد للخط الإسلامي الأصيل، وبدأ العمى ينقشع عن عينيه، فما لبث أن قال: «الله أعلم حيث يجعل رسالته».

هذا المنهج الذي نهجه الإمام الحسن (ع)، ينطلق من قاعدة أخلاقية في كيفية التعامل مع بعض الناس، فقد تلتقي مع أناس لا علاقة بينك وبينهم، ولكن تراهم يبغضونك ويحقدون عليك، لأنّهم سمعوا كلاماً سلبياً عنك، وربما تجدهم يتحدثون عن ضلالك وعن سلبياتك، وما إلى ذلك، ولكن الإمام الحسن (ع) فكر بهذا الشامي الذي لا علاقة بينه وبينه، والذي كان يسبه ويسب أباه، ورأى أنّ هذا الرجل قد رباه معاوية على بغض علي (ع) وسبّه كلّ يوم على منابر الجمعة، لأنّه لا يريد أن يبقى حب علي (ع) في نفوس الناس، لأنّ قضية علي هي قضية القيم الروحية الكبرى التي يمثلها، وهي قضية الخط الإسلامي الأصيل، ولأنّ قيمة علي هي ما يتميز به في معرفة الله ورسوله وفي إخلاصه للإسلام، وهذه قيم لا يريد الطاغية للناس أن يلتزموا بها، فأراد الإمام الحسن (ع) أن لا يعنف في رد فعله، حتى انّه منع أولاده وأهل بيته من أن يعرضوا له بسوء، بل أرسله إلى البيت ليستضيفه ليتعرف من هو الحسن بن علي(ع)، ومن هم أهل البيت (عليهم السلام)، وهكذا كان. وعاش الإمام الحسن (ع) ليجسد كلّ المعاني التي كان ينفتح عليها ويتمثل بها رسول الله (ص).

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 358
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الأبعاد التربوية لشهر رمضان المبارك
 شهرُ الصيام
 الرحمة والتراحم في خطبة النبيّ محمّد (ص)
 التثقّف بالقرآن في الشهر الكريم
 عطايا الشهر الفضيل
 شهر رمضان.. تربة صالحة لنمو الفضائل
 حكَم الصيام وآثاره
 الخشوع الصادق في الصلاة
 معنى الجهاد في الصوم
 الحكمة من فريضة الصوم

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا