الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المسيح (ع).. رسالة للمحبة والتسامح

2014/12/26 | الکاتب : عمار كاظم


مرّت علينا قبل أيام ذكرى ولادة السيد المسيح (ع)، ولا بد لنا أن نقف أمام هذه الذكرى، لأن السيد المسيح (ع) هو من أنبياء الله، ومن الذين تجلت قدرة الله فيهم، ومن الذين أعطوا العالم رسالة المحبة والتسامح والعدل والخير، من أجل أن يرتفع الإنسان إلى الأعالي في القيم الروحية الأخلاقية في حياته الفردية والاجتماعية.

ولذلك لا بد لنا من أن نركز على نقطتين:

النقطة الأولى: ما هو خط الإيمان الإسلامي؟ هل في إيمان المسلمين عقدة ضد أي دين آخر وأي نبي آخر؟ وهل أن الإيمان الإسلامي ينفتح على كل الأديان التي أنزلها الله على رسله، كما ينفتح على كل رسله؟

النقطة الثانية: ما هي العقيدة الإسلامية للسيد المسيح (ع)؟ لأن الرأي قد اختلف في شخصيته حتى بين النصارى، فهناك الفئة الغالبة التي ترى أنّ الله تجسّد في السيد المسيح، ولذلك فإن يسوع المسيح هو الله عندهم، الله المتجسد في الإنسان، بحيث إن الله تأنسن في السيد المسيح، فهو ليس رسولاً، وليس نبياً، ولكنّه الإله. وتنوّعت العقيدة عندهم، فقد ورد أن الله ثالث ثلاثة، فنجد في صلاتهم أنهم يقولون باسم الأب والابن والروح القدس، ويتبعونها بكلمة إلهاً واحداً، ويقولون إن هذه الكلمة لا تعني الشرك، فالإبنية والأبوية هنا ليست كالإبنية والأبوية في البشر، ولكنها تماماً كما هي إبنية الفكر للفكر، في تحليل فلسفي لسنا في موقع الدخول في جدل حوله.

 

الإيمان بالرسالات والرسل

أما النقطة الأولى، فقد أكد القرآن الكريم أن على المسلم أن يعتقد بالرسالات كلها وبالرسل كلهم، وهذا هو قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا ـ كلام الله ـ وأطعنا ـ الخط العقيدي والعملي ـ غفرانك ربنا وإليك المصير}، وفي سورة آل عمران يطلب الله من رسوله ومن كل الذين يتبعون رسوله أن يؤكدوا الإيمان بصراحة {قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}. ونلاحظ في أن القرآن الكريم عندما تحدث عن الحوار مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أراد أن يكون خطابه خطاباً وحدوياً {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ـ وهو القرآن ـ وأنزل إليكم ـ وهو التوراة والإنجيل ـ وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون}.

هذه هي العقيدة الإسلامية التي تقول إن كل رسل الله يمثلون رسالة الله، وإن الدين الذي أنزله الله على الناس هو دين واحد، وهو الإسلام، إسلام العقل والقلب والحياة {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}، وهذا ما عبر عنه إبراهيم(ع) {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين* ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}، وهكذا كان يقول: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}. وعلى ضوء هذا، فنحن نختلف في إيماننا الإسلامي عن إيمان الآخرين، مع احترامنا لكلِّ الآخرين، لأنّ اليهود لا يعترفون بعيسى(ع) ولا بمحمد(ص) كنبييَّن مرسلين من قِبَل الله، كما أن النصارى لا يعترفون بالنبي محمد(ص) كنبي مرسل من قبل الله، أما المسلمون فقد تحدث القرآن في خطابه لهم: {وتؤمنون بالكتاب كله}، فالمسلم هو الذي يؤمن بكل الكتاب الذي أنزله الله على أنبيائه، كصحف إبراهيم وموسى وعيسى وما إلى ذلك.

لذلك، فمن الممكن أن تجد بعض الناس المتطرفين من غير المسلمين من الأديان الأخرى يشتمون النبي أو القرآن ويسيئون إليهما، ولكننا لا نستطيع أن نشتم أنبياءه وكتبه، لأننا نقدسها بأجمعها، لأن المسلم يحمل رحابة الإيمان والانفتاح على الآخرين، انطلاقاً من القرآن الذي فتح باب الحوار مع الآخرين {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.

إننا كمسلمين نحمل الإيمان الرحب المنفتح على كلِّ الديانات الأخرى، نحمله في نفوسنا ولا نتعصب ضد أي دين آخر، حتى لو اختلف الآخر معنا في تفسير بعض مفردات الإيمان الذي نؤمن به، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى عندما ذمّ اليهود واعتبرهم أعداء، فإنما كان ذلك نتيجة سلوكهم العملي ضد المسلمين، حيث إنهم بدأوا العداوة كالمشركين، بينما نجده تحدث عن النصارى بشكل إيجابي: {لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون}، وقد احتضن نصارى الحبشة المسلمين عندما هاجروا إليهم فراراً من اضطهاد المشركين لهم.

النقطة الثانية: ما هي عقيدتنا في السيد المسيح(ع)، وأؤكد هنا على كل إخواننا من المسلمين والمسلمات، أهمية تركيز الخطوط الفاصلة بين ما هو المعروف في العقيدة المسيحية الحالية وبين ما هو في العقيدة الإسلامية، حتى يؤكد المسلمون ثباتهم على إسلامهم، لأني أسمع بين وقت وآخر، أن البعض من المسلمين الطيبين الذين يعيشون مشكلة اقتصادية أو خدماتية، ربما يخدعون عن دينهم بالمساعدات الاجتماعية والخدمات. وعلى الرغم من أننا منفتحون على الآخرين، إلاّ أننا لا نريد أن تستعمل الخدمات الاجتماعية والمساعدات المادية لإخراج الناس من دينهم، لأن بعض وسائل التبشير قد تستخدم بعض المؤسسات الاجتماعية في هذا الاتجاه، وهذا أمر يشكل بعض الخطر على الإسلام، لأن هذا ليس هو السبيل إلى ذلك، ولذلك ننصح أن لا يستخدم هذا الأسلوب في تغيير أديان الناس وعقائدهم، لأن عمليّة التغيير تتأتّى من ناحية فكرية تتجلّى بإقناع الآخر.

فلنقرأ كيف كانت بداية السيد المسيح(ع) وكيف كانت النهاية من خلال القرآن {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ـ والكلمة هنا تعطي معنى القدرة التي تخلق وتبدع وتوجد ـ اسمه المسيح عيسى بن مريم ـ هو كلمة الله، لأنه لم يولد بالسنّة الطبيعية التي يولد فيها الناس، وإن كان أولئك يولدون بكلمة الله وبإرادته، وكل فيوضات الله كلماته، ولذا نقول بالدعاء: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. فالكلمة سوف تتحوّل إلى إنسان، ليكون هذا الإنسان في عقله وقلبه وحياته هو الكلمة، لأنه يولد بالكلمة ويحمل الكلمة رسالةً للناس ـ وجيهاً في الدنيا ـ فالله سوف يعطيه هذه الوجاهة التي تمتدُّ في الأرض كلها، ليهتف كل الناس باسمه وليعرفوه وليعظموه ـ والآخرة ـ لأنه كان عبداً صالحاً لله، عاش لله وعانى الأذى في جنبه ـ ومن المقربين ـ الذين قربهم الله بإخلاصهم له ـ ويكلم الناس في المهد ـ وفي هذا إشارة إلى ما تحدث الله عنه في سورة مريم عندما واجهها قومها بالاتهام {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً* فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً* قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً* وجعلني مباركاً ـ ويفسر المفسرون معنى المبارك كما ورد عن أئمة أهل البيت(ع): النفاع للناس، للارتفاع بالناس إلى المستوى الروحي الذي يكبرون به ويرتاحون إليه ـ أينما كنت وأوصاني بالصلاة ـ التي هي معراج المؤمن إلى الله ـ والزكاة ما دمت حياً ـ وهي عبادة العطاء ـ وبراً بوالدتي ـ لأنه مظهر الإحساس والاعتراف بالجميل ـ ولم يجعلني جباراً شقياً* والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً* ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} ـ وكهلاً ومن الصالحين ـ لأنه انطلق في خط الصلاح فيما أراد الله للإنسان أن يصلح أمره في عقله وقلبه وحياته.

ـ قالت ربي أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ـ كنايةً عن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة التي تنتج الولد ـ قال كذلك الله يخلق ما يشاء ـ فكما خلق الله آدم من قبل من دون أب وأم، وكما خلق الناس من أب وأم، فإنه قادر أن يخلق إنساناً من أم دون أب ـ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}.

لقد بدأت الآن، وبكل أسف، بعض البرامج في بريطانيا التي تعرض في محطة BBC، تتحدث عن أن مريم لم تكن عذراء، وأنها اغتصبت فولد السيد المسيح. ومن المؤسف أيضاً ونتيجة للقيام بعمليات إحصائية بين رجال الدين المسيحي، تبين أن ما يقرب بنسبة من 25 بالمائة لا يعتقدون أن السيدة مريم عذراء، كما أنه يبرر أن مثل هذه البرامج مفيدة وفيها موعظة للناس. ـ ويعلمه الكتاب ـ وهو الإنجيل ـ والحكمة ـ وهي كيفية تحريك الكتاب في خط الموعظة والتوعية والإرشاد والهداية للناس بطريقة واقعية ـ والتوراة والإنجيل* ورسولاً إلى بني إسرائيل ـ الذين كانوا يعيشون التعقيد والعصبية كأقصى ما يكون، ولذا أرسله الله ليوقظهم من سباتهم ـ اني قد جئتكم بآية من ربكم اني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ـ وهذه النفخة تتجلى كما ورد في آية أخرى {إني خالق بشراً من طين* فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}. كما نفخ في جسد مريم ـ وأبرىء الأكمه ـ الأعمى خلقة ـ والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبّئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ـ لتعرفوا أن البشر لا يملك مثل هذه القدرة، فلو لم أكن مرسلاً من قبل الله وأنه هو الذي أعطاني هذه القدرة، لما استطعت أن أفعل ذلك ـ ومصدِّقاً لما بين يديَّ من التوراة ـ فأنا لم آت لألغي الرسالة التي من قبل، ولكني جئت لأصدق ما جاء بها وأتحدث إليكم مما أعطاني الله وأوصى به إليَّ بكتاب جديد.

ـ ولأحلّ لكم بعض الذي حرّم عليكم ـ لأن الله حرّم على بني إسرائيل بعض الأشياء عقوبة لهم، فجاء عيسى ليقول لهم إن الله بعثني رحمةً ليُحِلَّ لكم بعض الذي حرم عليكم.

ـ وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ـ هذه رسالته ـ إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم* فلما أحسّ عيسى منهم الكفر ـ إذ رفضوه تعصباً وحقداً ولم يفتحوا عقولهم على رسالته.

ـ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون* ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ـ وهو عيسى ـ فاكتبنا مع الشاهدين* ومكروا ـ أي اليهود ـ ومكر الله والله خير الماكرين* إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ـ أي انقضى أجل بقائك في الدنيا، وليس من الضروري أن يكون ذلك بالموت، لأن التوفية هي بلوغ الإنسان حده، سواء بالموت أو بغيره ـ ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ـ من خلال قوة الإيمان وقوة العقيدة وقوة الخط في كل من اتبع الرسالات ـ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون* فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين* وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفّيهم أجورهم والله لا يحبُّ الظالمين* ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم* إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ـ في كونه مظهراً لقدرة الله بشكل غير مألوف عند الناس ـ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون* الحق من ربك فلا تكن من الممترين ـ. ـ فمن حاجّك فيه ـ وذلك بعد أن جاء بعض نصارى نجران إلى النبي(ص) يجادلونه في العقيدة الإسلامية في عيسى(ع) ـ من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ـ وجاء النبي(ص) ومعه علي وفاطمة(ع) والحسن والحسين(ع)، فلما رأوا هذه الجماعة المطهرة قالوا لن نباهلك، لأنهم عرفوا أنه لو لم يكن نبياً متيقناً بما عنده لما جاء بأقرب الناس وأحبهم إليه، ولذلك اعترفوا بأنه على الحق ـ إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم}. هذه هي خلاصة قصة عيسى(ع)، وفي آية أخرى يتحدث فيها عن قصة الصلب {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم} وقد ورد في عبارة شبّه لهم تفسيران: التفسير الأول يقول إن الله ألقى شبه عيسى(ع) على شخص فصلب بدلاً منه، والتفسير الثاني ـ ولعله الأقرب ـ أن الله شبّه لهم أنهم صلبوه أي أنهم تخيّلوا أنهم يصلبونه، ولكن ذلك لم يتحقق في الواقع.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 353
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد
 المبعث النبوي .. حدث عظيم في تاريخ البشرية
 الإمام الكاظم (ع) رحابة الأفق في خُلقه
 رحلتا الإسراء والمعراج.. دروس وعبر
 الإمام علي (ع) وأوجُه العبادة
 زينب «عليها السلام».. نموذج رسالي رائد
 حاجتنا إلى التسامح في المجتمع
 كرامة الإنسان في القانون الإلهي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا