الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
«اتقوا الله وكونوا زيناً لنا..»

2014/12/31 | الکاتب : عمار كاظم


يقول الله تعالى في كتابه المجيد: (إنما يُريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). من أهل هذا البيت الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري(ع)، الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت (ع) ، حيث كان الأئمة من أهل البيت (ع)، منذ عليّ (ع) إلى الإمام العسكري (ع)، كانوا يعيشون مع الناس ويبلّغون رسالة رسول الله(ص)، ليقوّموا ما انحرف، وليصححوا ما أخطأ الناس فيه، وليؤصّلوا المفاهيم الإسلامية، وليمثلوا القدوة التي يقتدي الناس بها، لأنهم كانوا في علمهم وكل سيرتهم يمثلون التجسيد الحيّ للقرآن الكريم، فكانوا قرآناً ناطقاً يتمثّل الناس فيهم كل قيم القرآن ومفاهيمه، وهذا ما جعلهم الأئمة للإسلام كله، بالرغم من أن الكثيرين لم يعرفوا درجتهم في الإمامة، وعاشوا ـ كما عاش جدهم رسول الله (ص) ـ المعاناة والآلام والكثير من الضغط على حرياتهم، حتى استشهد منهم من استشهد، وسجن من سُجن، واضطُهد من اضطهد.

الدارس للتاريخ الإسلامي، والمتأمل في مسيرة الأحداث والوقائع التاريخية في حياة هذه الأمة يلاحظ ظاهرة الإمامة المتمثلة في أهل البيت عليهم السلام ، عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - والذرية المباركة من أبنائه ، أبناء فاطمة بنت الهادي محمد صلى الله عليه وآله، يلاحظ تلك الظاهرة كأبرز قضية في تاريخ هذه الأمة تجلى دورها في كل مجال من مجالات الحياة ، تجلى في مجال الفكر والعقيدة والسياسة والمعارف والعلوم الإسلامية فأغنت دنيا المسلمين بالعلم والأخلاق والأدب والوعي السياسي والاجتماعي ومنحت المسيرة الحضارية لهذه الأمة الحيوية والقدرة على العطاء والنمو والتكامل والإصلاح السياسي والاجتماعي.

لقد حفظت لنا كتب التاريخ والرواية العديد من وصايا الإمام العسكري وكتبه الموجهة إلى بعض أصحابه يشرح فيها بعض الأفكار والمفاهيم الإسلامية ويوضح فيها الأحكام الشرعية ويبين مسائل الحلال والحرام ، ويورد بها المواعظ والإرشادات والدعوة الى تقوى الله وعبادته . قال ابن شهر آشوب مشيرا إلى الجوانب المهمة التي حوتها بعض رسائل الإمام: «وخرج من عند أبي محمد - عليه السلام - في سنة خمس وخمسين ومائتين كتاب يشتمل على أكثر علم الحلال والحرام وأوله أخبرني علي بن محمد بن موسى وذكر الحميري في كتاب سماه مكاتبات الرجال عن العسكريين علي الهادي وولده الحسن من قطعة ومن أحكام الدين».

ومما كان يدعو به الامام - عليه السلام - إليه أصحابه ويربيهم عليه عمل المعروف وفعل الخير فكان يذكرهم بثواب الآخرة ويحثهم على ذلك قال أبو هاشم : سمعته يقول : "إن في الجنة بابا يقال له المعروف ، لا يدخله إلا أهل المعروف"، فحمدت الله في نفسي وفرحت بما أتكلف من حوائج الناس فنظر إلي ، وقال : "نعم فدم على ما أنت عليه فإن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة جعلك الله منهم يا أبا هاشم ورحمك" . ومن وصية الإمام - عليه السلام - لعلي بن بابويه القمي : "أوصيك بتقوى الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإنه لا تقبل الصلاة من مانع الزكاة وأوصيك بمغفرة الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم ومواساة الإخوان والسعي في حوائجهم في العسر واليسر والحلم عند الجهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمور والتعاهد للقرآن وحسن الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: (لا خَيْرَ فِيْ كَثِيرٍ مِن نَجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أو إِصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ) واجتناب الفواحش كلها. وعليك بصلاة الليل فإن النبي صلى الله عليه وآله أوصى عليّ - عليه السلام - فقال: "يا عليّ! عليك بصلاة الليل عليك بصلاة الليل، ومن استخف بصلاة الليل فليس منا" فاعمل بوصيتي وأمر جميع شيعتي بما أمرتك به، حتى يعملوا عليه وعليك بالصبر وانتظار الفرج فان النبي صلى الله عليه وآله قال: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج". وهكذا يربي الإمام - عليه السلام - أتباعه وتلامذته على مكارم الأخلاق وقيم الإسلام والتمسك بها ليكونوا قدوة في العلم والزهد والعبادة والخلق والجهاد كما كان يربي فيهم الوعي السياسي والحس الاجتماعي واليقظة الفكرية ليصنع منهم شخصيات اسلامية تمثل مدرسة أهل البيت عليهم السلام وتمثل نظرتهم الى الدين والحياة .

ونحن عندما نستذكر هؤلاء الأئمة (ع)، نتذكر هؤلاء الذين عصمهم الله بعصمته، وأذهب عنهم الرجس الفكري والعاطفي، ففكرهم فكر الحق، وعاطفتهم عاطفة الحق، وأذهب عنهم رجس الانحراف العملي، فعملهم هو خط الاستقامة الذي أراده الله تعالى في صراطه المستقيم، فإذا كانوا قد مضوا إلى رحاب الله في الزمن، فإن تراثهم وسيرتهم وروحانيتهم لا تزال تفيض علينا بما يملأ حياتنا روحاً وفكراً واستقامة في الحياة.

وعلينا أن نقرأ قراءة صحيحة كلّ تراثهم، كيف قدّموا لنا الإسلام، وكيف أرادوا لنا أن نرتفع إلى المستويات العليا في الحياة، على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي، لأنهم أرادوا لنا أن نملأ الحياة إسلاماً، ليكون الإسلام في نفوسنا عقيدة وعملاً، وفي بيوتنا نهجاً وممارسةً، وفي حياتنا وحدة وقانوناً وشريعة، وفي ساحة التحديات قوة وصلابة وثباتاً ومواجهة، كما أراد الله تعالى لنا ـ وله القوة والعزة جميعاً ـ أن تكون لنا العزة كل العزة، والقوة كل القوة، والحكمة كل الحكمة، أن نعرف أهل البيت(ع) ، ولا بدّ لنا أن نقف بهم حيث عرّفونا، وأن نكون معهم على أساس ما قاله الإمام الباقر (ع) في ما روي عنه: "من كان وليّاً لله فهو لنا وليّ، ومن كان عدوّاً لله فهو لنا عدوّ".

والإمام العسكري (ع) كان خاتمة هذه الإمامة الظاهرة، وكان المقدَّم في مجتمعه، مع أنه لم يتجاوز مرحلة الشباب، حتى أنه كان إذا انطلق في أي موقع ـ حتى في مواقع الدولة ـ كان الناس يقومون له ويعظّمونه ويحترمونه لما له من الهيبة في القلوب والعقول، لأنه فرض نفسه بما أعطى من علم وما اتّصف به من خلق، وبما تحرك به من سيرة، حتى كان المثال الحيّ الناطق للإسلام كلّه. وكان هذا الامتداد الشعبي في محبة الناس له يخيف الخلفاء في زمانه، ولذا كانوا يضطهدونه بين وقت وآخر، خشية أن يمتد إلى مواقعهم ليسقطهم عن هذه المواقع.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 274
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد
 المبعث النبوي .. حدث عظيم في تاريخ البشرية
 الإمام الكاظم (ع) رحابة الأفق في خُلقه
 رحلتا الإسراء والمعراج.. دروس وعبر
 الإمام علي (ع) وأوجُه العبادة
 زينب «عليها السلام».. نموذج رسالي رائد
 حاجتنا إلى التسامح في المجتمع
 كرامة الإنسان في القانون الإلهي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا