الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإمام الصادق (ع) تجسيد للقيم ومدرسة في العلم والانفتاح

2015/01/10 | الکاتب : عمار كاظم


تمرّ علينا في هذا الشهر شهر ربيع الأول مناسبتان، الأولى هي ولادة النبي محمد (ص) والثانية هي ولادة الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع). وعندما نلتقي بهاتين الولادتين، فاننا نستوحي منهما هذا الامتداد الإسلامي الحركي من النبي (ص) إلى الإمام الصادق(ع)، حيث تلتقي حركة النبوة بحركة الإمامة. وإذا كان النبي (ص) قد أطلق الإسلام في العالم من خلال رسالته ودعوته وجهاده وسيرته، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وانطلق الإسلام نوراً يهدي به الله الناس إلى سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، فانّ حركة الإسلام قد انفتحت على حركة الإمامة التي بدأها الإمام علي(ع)، الذي أعطى الإسلام من عقله وعلمه وجهاده وحركته ما فتح من خلاله آفاق الحضارة للناس كافة، وجعل العالم كلّه حتى الآن يتلمذ عليه(ع) في نهج بلاغته، وفي كلّ رساليته وجهاده الذي عاشه في مرحلة النبوة كما عاشه بعد هذه المرحلة.

أراد الإمام الصادق(ع) أن يربط بين الصبر والحرية، لأنّ الكثيرين من الظلمة يضغطون على الناس في طعامهم وشرابهم وأموالهم وأوضاعهم، حتى يتنازلوا عن مواقفهم ومبادئهم.

مدرسة الانفتاح

وامتدت الإمامة من علي(ع) إلى الحسنين(ع) والإمام زين العابدين والباقر (عليهما السلام)، ووصلت إلى الإمام الصادق(ع) الذي تميزت مرحلته بأنها المرحلة التي انطلق فيها الواقع الإسلامي ليمتلئ علماً متنوعاً في كلّ مواقع المعرفة، حتى انّه(ع) كان في مدرسته منفتحاً على كلِّ المسلمين، فكان يأتي إليه من يلتزم إمامته من المسلمين، كما يأتي إليه من لا يلتزم إمامته، ولكن الجميع يرتشفون من معين علمه. ونحن نعرف أنّ بعض أئمة المذاهب الأربعة، كأبي حنيفة إمام المذهب الحنفي، ومالك إمام المذهب المالكي، تلمذا عليه. وكان(ع) يتحدث بالفلسفة وبالكيمياء الذي أخذه عنه جابر بن حيان، ولم يترك الإمام الصادق(ع) أية قضية تتصل بالإسلام في العقيدة والشريعة والأخلاق والسياسة والاجتماع، إلا وكان له أكثر من حديث فيها، وهذا ما نقرأه في كلّ كتب الحديث، فما من مسألة أو قضية احتاج فيها علماء المسلمين الرأي الإسلامي، إلا ونجد أنّ الإمام الصادق(ع) قد تحدث عنها. وينقل كتاب سيرته عن أحد الأشخاص الذي تحدث عنه، يقول: دخلت مسجد الكوفة، فوجدت فيها تسعمائة شيخ وتعني الأستاذ الذي يعطي الدروس لتلاميذه كلّ يقول: حدثني جعفر بن محمد الصادق، ما يوحي أنّ المدرسة الإسلامية في كلِّ امتداداتها كانت تقرأ الإمام الصادق(ع) وتتلمذ عليه.

ولم يكن الإمام الصادق(ع) منغلقاً على أحد، بل كان منفتحاً على كلِّ الناس حتى من غير المسلمين، فكان يذهب خلال موسم الحج ليلتقي بأصحاب بعض الاتجاهات الفكرية كالزنادقة، فيجلس إليهم، ويستمع إلى كلِّ أفكارهم وشبهاتهم وإشكالاتهم، وكان(ع) يجيبهم عنها، بحيث يسكتهم فلا يحيرون جواباً، حتى قال بعضهم وهو يشير إلى كلّ الحجيج: ما رأيت أحداً يستحق اسم الإنسانية إلا جعفر بن محمد.

وصايا الإمام الصادق عليه السلام:

كان أحد أصحابه قد عاد من بلاد أخرى فسأله الإمام(ع): كيف من خلفت من إخوانك؟ فأجاب الرجل وأحسن الثناء، فسأله الإمام(ع): كيف عيادة أغنيائهم على فقرائهم؟ فقال: قليلة، قال: وكيف مشاهدة أغنيائهم لفقرائهم؟ قال: قليلة، قال: فكيف صلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم؟ فقال الرجل: إنّك لتذكر أخلاقاً قلما هي فيمن عندنا، فقال(ع): فكيف تزعم هؤلاء أنّهم شيعة.

وورد في خطاب الإمام الصادق(ع)، وكان الناس يجتمعون في بيته، والبيت غاص بأهله من جميع البلدان، فقال: يا شيعة آل محمد، أنه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه، ومخالقة من خالقه، ومرافقة من رافقه... يا شيعة آل محمد، اتقوا الله ما استطعتم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكان(ع) يقول لأصحابه: اجعلوا أمركم لله، ولا تجعلوه للناس، فانه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله. ويحدد(ع) شخصية المؤمن فيقول: المؤمن حسن المعونة، خفيف المؤونة، جيد التدبير لأمر معيشته، لا يلدغ من جحر مرتين.

وكان الإمام الصادق(ع) يؤكد مسألة الحرية؛ أن تكون حراً في ذاتك، أن يكون عقلك حراً فلا يخضع لعقول الآخرين إلا إذا اقتنع بها، وأن يكون قلبك حراً وإرادتك حرة وحياتك حرة. والحرية لا تنطلق من الآخرين، بل انها تنبع من ذاتك، حتى لو أدخلت في الزنزانة وبقيت إرادتك حراً فأنت حر، بينما إذا لم تكن إرادتك حرة، فأنت عبد حتى لو انطلقت في الفضاء. القضية هي حرية الإرادة لا حرية الموقع. يقول(ع): انّ الحر حر على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره وإن أسر وقهر. لقد أراد الإمام(ع) أن يربط بين الصبر والحرية، لأنّ الكثيرين من الظلمة يضغطون على الناس في طعامهم وشرابهم وأموالهم وأوضاعهم، حتى يتنازلوا عن مواقفهم ومبادئهم، فإذا كنت حراً، فلا تسقط مهما واجهك الظالمون بالحرمان، بل اصبر وصلب إرادتك وقف مع مبادئك، ولا تجعل الحرمان يضغط عليك لتقدم التنازلات للظالمين، وهذا ما أكده الله تعالى في قوله: {واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور} (لقمان:17)، فالصبر لا يمثل ضعفاً، بل قوة.

وقد أكد الإمام الصادق(ع) في تفسيره قوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (المنافقون:8)، قال: انّ الله فوض إلى المؤمن أموره كلّها، ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا. كن عزيزاً في كلِّ المواقع، كن عزيزاً أمام التحديات وأمام كلّ الظلمة. وفي حديث آخر عنه(ع) قال: إنّ المؤمن أعز من الجبل. انّ الجبل يستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقل من دينه شيء، بل يبقى قويا، ولا يستطيع أحد أن يهدم دينه. وينطلق الإمام (ع) ليطلب من المؤمنين أن يعيشوا الخوف من الله في كلّ أمورهم، يقول (ع): خف الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت إليه بالمعصية، فقد جعلته من أهون الناظرين إليك.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 407
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج
 في اليوم العالمي للشباب...
 فضيلة الصدق وآثارها
 قضاء حاجة المؤمن.. ثقافة تربوية
 الحج.. عبادة وحركة وحياة
 توجيه الشباب نحو الاستقامة والصلاح
 الإهتمام بالأنشطة الشبابية في يومهم العالمي
 العفو والتسامح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا