الصفحة الرئيسية » عالم الاعمال
حبّ العمل.. هوس أم إدمان؟

2015/01/19 | الکاتب :


  الاجتهاد والطموح مطلوبان بحدود

من الجيّد أن تكون رجل مجتهد مهتم بتطوير مستواه المهني، وطموح تسعى إلى الوصول إلى أفضل المراكز. لكن، هذا لا ينبغي أن يكون على حساب حياتك الشخصية وعلاقاتك الخاصة، ولا على حساب صحتك. حب العمل أيضاً له حدود إن تجاوزها، تحوّل إلى إدمان على العمل.

أصبح مشهداً معتاداً أن تجد نفسك ممسك بهاتفك الذكي طوال الوقت، وأنت في البيت أو مع الأصدقاء لكي تتفقّد إيميلات العمل، وأن تأخذ معك ملفّات من العمل لكي تشتغل عليها في البيت، أو أن تدخل أحد المقاهي متأبّط حاسوبك المحمول لكي تجلس في هدوء لإنهاء بعض الأوراق. لكن إذا كان هذا أمراً عادياً بالنسبة إليك فهذا خطأ كبير، لأنّ تخصيصك وقتاً للعمل تأخذه من وقتك الشخصي يجب أن يكون استثناءً وليس أمراً يتكرر كلّ يوم. لماذا تجد نفسك في هذا الوضع؟ هل أنت من الناس مدمني العمل، الذين يتركون المكتب في وقت متأخر من الليل، ومع ذلك يبقى تفكيرهم معلّقاً بالعمل حتى وهم في البيت؟

ولكن، كيف تعرف أنك مدمن عمل أم لا؟ أوّلاً ما هو إدمان العمل؟ يقول باسكال سانك صاحب كتاب "التحرّر من أشكال الإدمان": "إنّ الإدمان ليس أمراً يمكن تحديده في الإدمان على الأكل أو الخمور أو المال فحسب، بل هناك أنواع أخرى من الإدمان، هناك أيضاً إدمان سلوك معيّن، وهناك اليوم مجموعة من السلوكيات التي يمكن أن تتحول إلى إدمان، منها استعمال الإنترنت، الهاتف النقّال، التسوّق، الألعاب الإلكترونية، وطبعاً العمل. فالبعض يعمل أكثر من ستين ساعة في الأسبوع، ومع ذلك يسعى إلى تحمّل مسؤوليات وأعباء جديدة في العمل. هذه السلوكيات جميعها تبدأ عادية ثمّ ما تلبث أن تأخذ أشكالاً أخرى مرضيّة، ولأنّها مرتبطة بعصرنا الحالي فإنّ الكثيرين يطلقون عليها اسم "أمراض العصر".

 

هوس أم اجتهاد؟

مدمنو العمل أشخاص يعملون كثيراً ليس لأنّ ذلك أمر ضروري، أو لأنهم مضطرون إلى ذلك، ولكن لأنهم يحتاجون إلى ذلك، الأمر راجع في الدرجة الأولى إلى طبيعتهم. يقول باسكال سانك: "هؤلاء الأشخاص، طبيعتهم القلقة تجعلهم يتصرفون بطريقة هوسيّة، يتركز تفكيرهم كلّه في العمل، بل يصبح بادياً على وجوههم أنهم غير قادرين على منع أنفسهم من العمل. هناك مثلاً من لا يستطيع أن يمنع نفسه وهو في فراش النوم من استرجاع أحداث اليوم في العمل، أو التفكير في قضايا العمل حتى وهو في الحمّام. أما إجازات نهاية الأسبوع التي يقضونها في البيت، فلا تمر من دون أن يأخذوا معهم بعض الملفات ليشتغلوا عليها في البيت، وطبعاً فهم يسافرون خلال الإجازات خارج البلاد، ويأخذون معهم أجهزة الكمبيوتر المحمول (أو اللوحي) وهواتفهم الذكية المزوّدة بخدمة الإنترنت. في الأغلب، هؤلاء الأشخاص لا يتخلّفون عن حضور حفلات مدارس أطفالهم وأعياد الميلاد العائلية، فيسبّب ذلك لهم توتراً في علاقاتهم الأسرية ويؤثر سلباً في حياتهم الخاصة. هذا الإدمان لا يهدّد فقط حياتهم الخاصة بل وصحّتهم، إذ كثيراً ما يؤدي ضغط العمل وعدم تخصيص وقت للاسترخاء والترفيه، إلى الانتحار أو الإصابة بأمراض مزمنة.

 

نكران:

من المعروف أنّ المدمن غالباً ما ينكر حقيقة أنّه مدمن، وإذا اعترف بإدمانه فإنّ ذلك يعتبر نصف طريق العلاج من الإدمان. المدمنون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أشخاص تأقلموا مع بيئة عملهم، وأنّ المجتمع يتطلّب ذلك الاجتهاد، فهم دائماً يعثرون على ما يبررون به سلوكهم. لكن هذا لا يمنعنا من رؤية المشهد الحقيقي كما هو، فالتأثيرات السلبية لهذا السلوك غير السويّ، وهو إدمان العمل أكثر بكثير من نتائجه الإيجابية. لهذا، لكي نتخلص من هذا الإدمان، ينبغي أوّلاً على المدمن أن يعترف بإدمانه.

رفض مدمن العمل الاعتراف بأنّه كذلك، يؤكد أنّه فعلاً مدمن عمل. إضافةً إلى نكرانه هذا، هناك مجموعة من المعايير التي على أساسها يمكن تأكيد هذا النوع من الإدمان، ومنها: تخصيص أكبر جزء من وقته للعمل وأي شيء آخر إنما يفعله في وقت الفراغ، التأثير السلبي لذلك في عائلته وفي حياته الاجتماعية عموماً، فشله في التوقف أو التقليل من الانهماك في العمل، على الرغم من من محاولاته الكثيرة، الشعور بالنقص والقلق والعصبية، عندما يحوّل أيّ ظرف طارئ بينه وبين إنجاز مهامه في العمل (أن يعلق في زحمة المرور أو أن ينقطع اتصاله بالإنترنت، أو أن يسافر في إجازة وينسى حاسوبه...) وبالنسبة إلى بعض المتخصصين، فإنّ الموضوع يصل إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير من مجرّد إدمان، فقد يصل إلى حد أن يصبح "اضطراب الإدمان الهوسي". وفي هذه الحالة تسيطر على المريض أفكار معيّنة، ويصبح مهووساً بطقوس معيّنة وسلوكيّات كلّها ذات طابع إدماني.

 

علاج:

أكثر ما يمكن أن يعيق رحلة علاج الشخص مدمن العمل، عدم اعترافه بإدمانه هذا، لأنّه في الأغلب، لا يدرك حالته إلا بعد مروره بتجربة قاسية (مثل هجران شريك الحياة له، أو الإصابة بمشكلة صحية كبيرة تضطره إلى التوقف عن العمل ولو مؤقّتاً). إذا كنت تعتقد أنك ربما تكون مدمن عمل ولا تستطيع التأكد حتى بعد إجراء الاختبار الذاتي، فعليك أن تزور طبيباً نفسياً متخصصاً لتشخيص الحالة وتقديم العلاج المناسب إن ثبت أنك مدمن في عملك.

علاج إدمان العمل ليس علاجاً سحرياً أو سريعاً، كلّ ما يمكن فعله هو محاولة تخصيص وقت أطول للأسرة والأصدقاء ووقعت أطول للراحة وممارسة الهوايات. وبذل المريض مجهوداً من أجل تغيير سلوكياته هو أهم علاج، حيث عليه أن يبرمج إجازاته وعطلاته بعيداً عن عمله، ومن دون تلقّي أي اتصالات أو إيميلات تتعلق بالعمل أثناء الإجازة، ويحاول أن يخرج من مكان عمله في وقت خروج باقي الموظفين وألّا يتأخر بعدهم. نجد بعض مراكز العلاج الأمريكية تنظّم مجموعات علاجية للأفراد المصابين بالحالة المرضية ذاتها، حيث يتحدث كلّ فرد عن حالته بكلِّ حرّية في وجود آخرين، من دون أن يذكر اسمه أو أي معلومات تكشف هويته. ويستفاد من هذه التجربة أنّ المريض يتعرف إلى حالات مشابهة لحالته، تجعله يدرك مشكلته جيداً كما لو كان يرى نفسه في مرآة، ويتفاءل ممّا يعطيه أملاً أكبر في نجاح العلاج.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 599
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 إختبر مدى حبّك لوظيفتك
 العثور على الرضا في العمل
 مفهوم الرضا الوظيفي
 مـزاج جيد = عمـل جيد
 إدراك الحافز في العمل
 خلق نظام ثقة إيجابي في العمل
 العمل= قوة ونشاط
 حبّ العمل.. هوس أم إدمان؟

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا