الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
وجوب التوبة

2015/01/19 | الکاتب : عمار كاظم


لمّا كانت التوبة قراراً إنسانياً حاسماً بالرجوع عن المعصية، والإعراض عن الشرّ والرذيلة، والعودة إلى حياة الاستقامة والطاعة. ولمّا كانت نتائجها العملية خطيرة في سجلّ الإنسان ومصيره.. كانت التوبة واجبة على كلّ عاصٍ، ومجرم، ومنحرف، بحكم العقل وإدراكه خطر المعصية وضرر الانحراف والجريمة. ففي الانحراف والمعاصي خطر على حياة البشرية وإضرار بمصالحها في الحياة الاجتماعية، بما يقارف الجناة والمجرمون من مخالفات لنظام الحياة، وتحدٍّ لمبادئ الأخلاق، وقيم السلوك المستقيم، فيهدِّدون أمن البشرية وينغصون عيشها، ويعرّضون حياتها للخطر. وبالانحراف والمعاصي يعرِّض الإنسان نفسه لغضب الله فيبيع سعادته بالألم والعذاب، ويختم حياته بآخرة شقيّة تعيسة. وبذا يخسر العاصي دنياه وآخرته، ويضرّ نفسه وغيره. وليس في العقلاء من يقوِّم هذه النتيجة المأساوية فيرضى بها، ولا يسعى إلى رفضها وتغييرها. لذا، كانت التوبة واجبة على كلّ مسلم، بل على كلّ إنسان بحكم العقل وبإدراكه للمصالح البشرية الراجحة. ويتطابق حكم العقل هذا بوجوب التوبة، مع حكم الشرائع الإلهيّة جميعاً، فهي جاءت لتطهِّر الإنسان العاصي من الذنوب، وتنقذه من متاهات الضّلال والانحراف، وتدعوه إلى حياة الطُّهر والاستقامة. وانطلاقاً من هذه المبادئ جعل الإسلام التوبة ركناً من أركانه، وخطوة مهمّة في منهاج الإنقاذ والهداية البشرية، فأكّد القرآن الكريم والسنّة النبويّة وجوب التوبة والعودة إلى الله، والدعوة إلى فتح صفحة جديدة في سجلّ الإنسان، والتجافي عن الماضي البغيض. فدأب القرآن على رفع صوته في أوساط العاصين، وإعلان عفوه في جموع المنحرفين، بفتح باب التوبة والعفو الإلهي لهم، فخاطبهم: «... وتوبوا إلى الله جميعاً أيُّها المؤمنون لعلكم تفلحون» (النور/31). «هو أنشأكم من الأرض واسْتَعْمرَكُم فيها فاسْتغْفِروه ثم توبوا إليه إنَّ ربِّي قريبٌ مجيب» (هود/ 61).

«يا أيُّها الذين آمنوا توبوا إلى اللهِ توبةً نصوحاً...» (التحريم/ 8). ولهذا صار واجب الإنسان أن يستجيب لهذا النداء ويستفيد من هذه السانحة الفريدة، قبل يوم الحسرة والندامة.. يوم يقول: (... يا حَسْرَتى على ما فرَّطتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كنتُ لَمِنَ الساخرين» (الزمر/ 56).

فباب التوبة مفتوح وأُفق الرّحمة متّسع لهذا الإنسان، إذا ما هو استفاق من غفلته، واستيقظ ضميره، وأحبّ العودة إلى حياة الطّهر والاستقامة. وبذلك بنى الإسلام موقفه من التائب على أساس واقعي وتقويم عملي لحقيقة السلوك والآثار الناتجة عنه، فالسلوك هنا هو سلوك منحرف، وهو حقيقة وقعت، وأنّ ارتباط الإنسان بها ومسؤوليته عنها ما زالا قائمين، إلاّ أنّ الله تعالى بعفوه قد أعطى الإنسان فرصة فك هذا الارتباط الأثيم من الفعل والتخلّص من تبعاته. فلم يعد مسؤولاً عنه، ما زال ارتباطه النفسي والعقلي قد انقطع به.

 

كفّارة الذنب الندامة

فيكون التائب بريئاً أمام نفسه ومجتمعه الّذي يحيط به من كلّ تبعة، أو فعل صدر منه ثمّ تاب منه، لأنّ المجتمع الإسلامي يفهم معنى التوبة، ويؤمن بآثارها المترتبة عليها. فاذا عُرِفَ من المجرم والعاصي توبته غفر له ما كان يُعرَف به، وبدّل نظرته عنه. لأنّ الله المالك المتصرف في هذا الخلق، قد فتح له باب العودة والدخول في رحاب الحياة النقيّة المستقيمة: «التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له». وعلى أساس هذا الإحساس الجديد تولد مشاعر الإنسان الجديدة، ونظرته إلى نفسه، وتقويمه لنظرة الناس إليه، فيتحوّل من إنسان يحس بالازدراء والرّفض من قبل المجتمع وباليأس والشذوذ والتفاهة من قِبَل نفسه إلى إنسان يشعر بكرامته على الله، وعلى المجتمع الّذي يحيط به، فيغمره حبه لله، وحبّ الله له، واحترام الآخرين لموقفه الجديد، فيكون اندفاعه نحو الخير مخلصاً، واتّجاهه نحو الإصلاح صادقاً، بعد أن قاسى تجربة الانحراف وعانى مرارة البُعْد عن الله، والطّرد من رحمته، والشعور بوخزات الضمير، ونقد المجتمع اللاّذع له. قال تعالى: «قل يا عباديَ الذينَ أسْرَفُوا على أنفُسِهم لا تقنطُوا مِنْ رَحمةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغفرُ الذنوبَ جميعا إنّهُ هُوَ الغفورُ الرحيم» (الزمر/ 53).

 

كيف تتعامل مع الناس؟

يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات/ 13). ويقول الإمام الباقر (ع): «صانع المنافق بلسانك، واخلص مودتك للمؤمن، وإن جالسك يهودي، فأحسن مجالسته». ويقول الإمام عليّ (ع): «بحسن العشرة تدوم المودة». ويقول (ع) أيضاً: «بحسن العشرة تأنس الرفاق». ويقول الرسول الأعظم (ص): «أحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلماً». ويقول الإمام عليّ (ع): «خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم».

 

أصالة وضرورة العلاقات الاجتماعية

من نِعَم الله العظيمة على الإنسان أن جعله اجتماعياً بالفطرة، ومن هنا جاءت تسميته بالإنسان، وهي من تأنّس، وتألّف، وضد توحّش. وعليه، فإنّ الإنسانية تعني الاجتماع، والتآلف، والإلفة، وضد الوحشية، ولأنّ الله – سبحانه وتعالى – فطر الإنسان على الاجتماع، وحبه، فإنّه كرّس في كتابه الحكيم ضرورة الاجتماع مع عباده. وهكذا الحال بالنسبة إلى سنة الرسول الأعظم (ص)، وروايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، إذ نجد الكثير من الأحاديث والروايات الشريفة، التي تحث الإنسان على الاجتماع بالناس، وحسن المعاملة والعشرة معهم، والتودد إليهم، ومعرفة طبيعتهم البشرية، وذكرهم بالحسن، وعدم التكلف معهم، باعتبار أنّ المعاملة لا تتم إلا عن طريق الاتصال، وأنّ الاجتماع ميدان واسع لذلك الاتصال، وهو ساحة كبيرة لاختبار حكمة الناس، وعقلانيتهم، في التصرف، والسلوك الفردي، والاجتماعي. وبما أنّ الله تعالى فطر الإنسان على الاجتماع، والإلفة مع الناس، وخلق العلاقات الاجتماعية والصداقات معهم فالجدير بالإنسان أن يعي الجانب الاجتماعي – في حياته – جيداً، لكي يتعامل مع الناس وفق الأسس الاجتماعية الإلهية، ليكون سعيداً في حياته، ومحبوباً بين بني البشر، وبالتالي مرضياً عند الله – سبحانه وتعالى – باعتبار أنّ الخلق هم عيال الله، والتآلف معهم، وخدمتهم، خدمة الله. أما الأهداف من الاجتماع فواضحة، فبه يتم التعاون بين الناس من أجل توفير متطلبات المعيشة، ومن أجل عمارة الأرض، وتبليغ رسالات الله، بل لولا الاجتماع لتعطلت مسيرة الحياة. ومن هنا كان التعامل مع الناس قضية ضرورية مهمة، ولأنّها ضرورية، فهي يجب أن تكون تحت إمامة الدين والعقل والحكمة، لكي تأتي ثمرات التعامل بناءة ومثمرة. فإذا كان التعامل مع الناس بحكمة، قضية حياتية مهمة باعتبار أنّ سعادة الإنسان لا تقاس بمفرده، وإنما بنجاحه في الاجتماع بالناس، فكيف نتعامل معهم؟ وفي الحقيقة لو أنّ الإنسان طبق المبادئ، والقيم الاجتماعية في الإسلام، لسعد في حياته مع الناس. ولو أنّه استفاد من عقله على الوجه الأصلح، لاكتشف بنفسه الطريقة الفنية والحسنة في تعامله معهم، باعتبار أنّ الحكمة هي العقل. وما نورده هنا من قواعد في التعامل الحكيم مع الناس ليس إلا اهتداء بالرؤى الإسلامية، من القرآن، والأحاديث الشريفة، وروايات أهل البيت، وتذكيراً بها، وبدور العقل في توجيه التصرفات الإنسانية، وإقامتها، ووقايتها من اللاحكمة والجهل والانحراف. وكيف تتعامل مع الناس سؤال يمكن الإجابة عليه باختصار: أنّ المعاملة معهم يجب أن تقوم على أساس ما أمر الله به، واستخدام العقل على الوجه الأصلح.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 366
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا