الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
عوامل تحضير القلب للصلاة

2015/01/24 | الکاتب : عمار كاظم


في مقابل الغياب والشرود حضور القلب وهو حالة الانتباه والذكر والانشداد إلى الله تعالى، بخلاف حالة الغياب التي هي حالة النسيان والشرود. وعــوامل تحضيـــر القلـــب للصــلاة أربعــة أمور: {التحصين}، {التفريغ}، {والوعي والتعقل}، {والتفاعل} بالتوضيح التالي:

1.      تحصين القلب عن الانشغال بغير ذكر الله.

2.     تفريغ القلب عن الشواغل التي تشغل المصلي عن صلاته.

3.     وعي صفات الله الحسنى الجلالية والجمالية وهو أمر غير تفريغ القلب فقد يفرغ الإنسان قلبه عن كلِّ شاغل ولكن لا يعي من أسماء الله وصفاته الحسنى وجلاله وجماله غير أمر بسيط ساذج على قدر سذاجة معرفته بالله تعالى.

4.     التفاعل مع الخطاب الإلهي في الصلاة.

وهذا التفاعل له مظاهر مختلفة، منها الخشوع في الصلاة والتعظيـــم والتهيب والخوف والرجاء والحياء. فإذا استجمع الإنسان هذه العناصر الأربعة أمكنه الله تعالى من تحضير قلبه للصلاة وفتح الله عليه من كنوز الصلاة ما لا يدركها ولا يتلقاها الذين يقيمون الصلاة في حالة الغفلة والشرود النفسي.

وإلى هذه الحقيقة يشير الحديث الشريف الصلاة معراج المؤمن وفي الصلاة يعرج الإنسان إلى الله ومهما كان عروج الإنسان في صلاته أكثر كان أقرب إلى الله تعالى. وأقرب ما يكون العبد في صلاته إلى الله حالة السجود وروي عن الإمام الصادق (ع): {أقرب ما يكون العبد إلى الله عز وجل وهو ساجد}. وغاية هذه المرحلة هو الله تعالى ويمرّ الإنسان خلال هذه الرحلة على مشاهد بهيجة من الشكر والذكر والاستغفار والدعاء والقنوت والاستعانة والعبادة والتكبير والركوع والسجود والقنوت والتشهد والتسليم والثناء والمدح والتوحيد والاستغفار والتضرع والخشوع.... إلخ. وكلّ واحد من هذه المشاهد روضه بهيجة من رياض الذكر والعبودية يعرف قيمتها وما فيها من لذة وقرة عين أولئك الذين رزقهم الله وعي هذه المباهج واللذات العقلية والروحية وللأسف أن يمرّ الإنسان بهذه المشاهد البهيجة وهو غافل عنها شارد منها لا يسمع ولا يرى من مباهجها شيئاً ولا يستنشق شيئاً من عبيرها. والحضور في هذه المباهج العقلية والروحية في الوعي والتعقل أوّلاً وفي التفاعل والتعاطف الروحي ثانياً. وهما لا يتحققان من دون أن يفرّغ الإنسان قلبه عن كلِّ شيء يشغله عن ذكر الله ولا يتيسر للإنسان هذا الأخير دون أن يحصن الإنسان قلبه عن الانشغال بغير ذكر الله. فإذا جمع الله تعالى له هذه الأربعة وجد الإنسان في الصلاة لذة لا تعادلها لذة وبهجة لا تعادلها بهجة ولا يكاد يشغله عن صلاته وذكره شيء فلا يجد الإنسان في هذه الحالة أمر ألصق بقلبه من الذكر والصلاة حتى يشغله عنها وعندئذ يتفاعل الإنسان مع صلاته بأنواع من التفاعل من الشوق والأنس والخوف والرغبة والرهبة والحياء والتعظيم والخشوع والشكر والاستغفار.

التفاعل امارة حضور القلب:

والتفاعل نتيجة حضور القلب في الذكر والصلاة وفي نفس الوقت امارة حضور القلب في الصلاة. وعن هذا التفاعل يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في خطبة المتقين: {وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وأبصارهم فاقشعرت منها جلودهم ووجلت منها قلوبهم فظنوا أنّ صهيل جهنم وزفيرها وشهيقها في أصول آذانهم، وإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت أنفسهم إليها شوقاً وظنوا أنها نصب أعينهم}.

فضيلة وقيمة حضور القلب:

من المحقق انّ قيمة الصلاة بحضور القلب وليس للمصلي من صلاته إلّا ما أقبل عليها بقلبه وقد دلت الروايـــات على ذلك عن رسول الله (ص): {كم من قائم حظه من قيامه النصب والتعب}. وعنه (ص): {انما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها}. وعن الإمام الباقر (ع): {إذا أقمت للصلاة فعليك بالإقبال على الله فإنما لك من الصلاة ما أقبلت عليه بقلبك}. وعن جعفر الصادق (ع): {لا تجمع الرغبة والرهبة في قلب إلّا وجبت له الجنة فإذا صليت فاقبل بقلبك على الله عزّ وجلّ فإنه ليس من عبد مؤمن يقبل بقلبه على الله عز وجل في صلاته ودعائه إلا أقبل الله عز وجل عليه}. وقد تكون الصلاة فارغة تماماً من كلِّ ذكر واقبال على الله وليس فيها من الصلاة إلّا الشكل والمظهر..... فيضرب بها وجه صاحبها. في الحديث عن رسول الله (ص): {انّ من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر وإنّ منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها وانما لك من صلاتك إلّا ما اقبلت عليه بقلبك}.

نتحدث أوّلاً عن المناهج الأساسية والأولية لتحضير القلب في الصلاة ثم نتحدث عن المناهج الفرعية والثانوية وقد سلك أصحاب العرفان مناهج مختلفة في تحضير القلب للصلاة نذكر أهمها:

1.     منهج الاهتمام :

وليس من شك أنّ الاهتمام من عوامل الانتباه وكلما يكون اهتمام الإنسان بأمر أكثر يكون انتباهه إليه أكثر وبالعكس القضية التي لا تأخذ من اهتمام الإنسان لا ينتبه إليها الإنسان. ولما كانت الدنيا أكثر اهتمامات الناس فإنّها لا محالة تشغلهم عن صلاتهم وتصرفهم عنها فإذا أقبل الإنسان على صلاته يبقى قلبه مشغولاً بما يهمه من أمر دنياه. وهذه قضية واضحة فإنّ الإنسان إذا واجه أمرين وكان اهتمامه إلى أحدهما أعظم من الأخر انصرف إليه بقلبه وإن كان مشغولاً بالأخر بجسده. وانما ينصرف الناس عن صلاتهم إلى ما يهمهم من أمور دنياهم لأنّ اهتمامهم بها أعظم من اهتمامهم بالصلاة فإذا وعي الإنسان قيمة الصلاة وما أودع الله تعالى في هذه الرحلة من مباهج ولذات للعقل والروح ومن الثواب في الآخرة ووعي أنّ {والآخرة خير وأبقى} انقلب الأمر لا محالة وانصرف إلى صلاته وذكره. إذن تحضير القلب يتم بتحويل الاهتمامات وإذا تمكن الإنسان أن يحوّل اهتمامه من الدنيا ومتاعها إلى الله تعالى وجعل اهتمامه للدنيا تبعاً لمرضاة الله تعالى وأمره ونهيه... كانت صلاته اقبال على الله وذكر الله وانصراف وانقطاع إلى الله. إذن الخلفية النفسية لمسألة حضور القلب في الصلاة هي قضية الاهتمامات وما لم يحوّل الإنسان اهتماماته من الأنا إلى الله ومن الدنيا إلى الآخرة... لا يتمكن من أن يؤدي الصلاة أداء حسناً بالاقبال والذكر والانشداد. ولا شك أنّ هذا الأمر صحيح في حدِّ نفسه إلّا أنّ ذلك وحده لا يكفي لتحضير القلب.

2.     المنهج الثاني التركيز:

وهو محاولة التأمل والتدبر في أعمال الصلاة وأذكارها والانتباه إليها وإلى هذه المحاولة يشير الغزالي في إحياء العلوم فيقول: {إذا سمعت نداء المؤذن فاحضر في قلبك نداء يوم القيامة، واعرض على هذا النداء فإن وجدته مملوءاً بالفرح والاستبشار مشحوناً بالرغبة إلى الابتدار فاعلم انّه يأتيك بالبشرى والنور يوم القضاء}. أما النية فإذا انطق به لسانك فينبغي ألّا يكذّبه قلبك فإن كان في قلبك شيء هو أكبر من الله سبحانه، فالله يشهد أنّك كاذب وإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم انّه عدوك ومترصد لصرف قلبك عن الله حسداً لك على مناجاتك مع الله. وإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فانوِّ به التبرك وابتداء القراءة وافهم أنّ معناها أنّ الأمور كلّها لله وإذا قلت الرحمن الرحيم فاحضر في قلبك جميع أنواع لطفه..... ثم جدد الإخلاص بقولك إياك نعبد وحدد العجز بقولك إياك نستعين. وإلى هذا المنهج يوصي جمع من أهل العرفان وطبيعي انّ معاناة المصلي في التركيز في أعمال الصلاة وأذكارها تخف كلما تمرّس الإنسان في المجهود أكثر شأن كلّ جهد ومجهود فكلما يتمرّس الإنسان في عمل يخف عليه الجهد الذي يتطلبه ذلك العمل حتى يقوى على ممارسته في يسر وسهولة ومن غير جهد ولا مشقة. والتركيز يفتح أبواب من معارف القرآن والصلاة والذكر على قلب الإنسان ومهما تدبّر الإنسان وأمعن في التأمل في معاني القرآن والصلاة والذكر فتح الله تعالى له من معارفها ما لم يعرفه من قبل.

3.     المنهج الثالث تفريغ القلب:

وهو منهج مألوف ومعروف عند أرباب العرفان وهذا المنهج يقرّب من المنهج الأول. وأساس هذا المنهج انّ قلب الإنسان إناء واحد لا يتسع لذكرين واهتمامين يقول تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب/4). فإذا كان قلب الإنسان مشغولاً بشواغل الدنيا فلا يستطيع أن ينصرف إلى ذكر الله تعالى وتبقى هذه الشواغل تلاحقه وتطارده حتى في صلاته وهذه الشواغل على نحوين: شواغل خارجية وأخرى داخل النفس والثانية أشق من الأولى. أما الشواغل الخارجية فهي ما يحيط الإنسان ويشغل باله مثل زخرفة مكان المصلى ونقوش الفرش الذي يصلي عليه الإنسان، ولذلك وردت الكراهة في زخرفة المساجد واستقبال الصور والرسوم في الصلاة وكان الصالحون يكرهون الصلاة في المواضع التي توجد فيها الصور والنقوش والزخارف. وقد روي أنّ أبا طلحة من أصحاب الرسول (ص) صلّى في بستان له فأعجبه طير حشر بين أغصان شجر كثيفة الأغصان يلتمس مخرجاً فلا يجده فاتبعه بنظره ساعة ثم لم يدرك كم صلّى؟ فذكر ذلك لرسول الله (ص) ثم قال يا رسول الله صلى الله عليه وآله هو صدقة.

4.     منهج الخطاب:

عندما ننظر في كتاب أو نستمع إلى محاضرة قد نصاب بشرود الذهن وكذلك الأمر عندما نقرأ كتاباً بصوت مسموع ولكن عندما نخاطب أحداً أو نتلقى خطاباً من أحد بالمواجهة لا نصاب بالشرود وهذه أربعة حالات يصيبنا الشرود في الحالتين الأوليين دون الآخيرتين والسبب في ذلك هو وجود عامل الخطاب في الآخيرتين وفقدان الخطاب في الأوليين فعندما يخاطب الإنسان أحداً يشده الخطاب إلى المخاطب وكذلك عندما يتلقى من أحد خطاباً يشده الخطاب إلى المخاطب من دون تكلف ولا معاناة ولا حاجة إلى التركيز. وهذه حالة مشهودة ومحسوسة فلا نحتاج في الخطاب إلى معاناة في التركيز ولا تأمل في المفردات فنحن نتكلّم مع الآخرين وقد نلقي على الآخرين خطاباً يطول أو يقصر بترسل كامل ودون تكلف ومعاناة في التركيز على المفردات وفي فهم الكلمات وكلّنا نعرف هذه الحالة ونشهدها في الخطاب الذي نوجهه إلى الآخرين وفيما نتلقاه من خطاب الآخرين أي في الخطاب الذي نوجهه والخطاب الذي نستقبله والسرّ في هذا الانشداد في الخطابين هو حالة الخطاب. ففي حالة الخطاب يشد الإنسان إلى المخاطب والمخاطب بسبب عامل الخطاب إذن الخطاب من أهم عوامل انشداد المخاطب والمخاطب. وهذا أصل مهم نتوقف عنده ونستفيد منه في الدعاء وأداء الصلاة وقراءة القرآن.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 807
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا