الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
كلمـات الإمام العسكري في التوحيـد

2015/01/31 | الکاتب : عمار كاظم


  في باب التوحيد، هناك عدّة أحاديث في جانب العقيدة بالله سبحانه وتعالى، حيث كان الجدل يدور في المراحل الّتي عاش فيها الأئمَّة من أهل البيت (ع)، منذ عهد الإمام الباقر (ع) حتى عهد الإمام العسكري (ع)، حول صفات الله، فكان بعضهم يتحدّث عن أنَّ الله جسم، والبعض يتحدّث عنه على أنّه صورة وما إلى ذلك، وكان الأئمّة (ع) يتبعون في توجيه الناس منهجاً يعتمد لغة القرآن بأسلوبه ومفرداته في العقيدة، ليوجّهوا الناس إلى الأخذ بالعناوين الكبرى في العقيدة من القرآن، وألا ينطلقوا من خلال أسلوب الفلسفة، لأنّ هذا الأسلوب، بالرغم مما يحمله من إيجابيّات، فإنه لا يملك أن يتحدّث عن الله سبحانه وتعالى كما هو الحديث عن صفاء العقيدة، لأنَّ التعقيدات الفلسفيّة قد تردّ الشّبهات، ولكنَّها لا تستطيع أن تبني العقيدة.

فعن يعقوب بن إسحاق، قال: «كتبت إلى أبي محمد (ع) أسأله: كيف يعبد العبد ربّه وهو لا يراه؟ فوقّع (عليه السلام): يا أبا يوسف، جلّ سيّدي ومولاي والمنعم عليّ وعلى آبائي أن يُرى ـ «لاَّ تُدْر.كُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْركُ الأَبْصَارَ». «لَيْسَ كَمثْله شَيْءٌ» ـ قال: وسألته: هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ربّه؟ فوقّع (ع): إنّ الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ».

فلقد رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ربّه، ولكنّه لم يره بالعين الباصرة، بل بعين قلبه، لأنَّ القلوب تبصر من الحقائق ما لا تستطيع العيون أن تبصره: «فَإ.نَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَك.ن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّت.ي ف.ي الصُّدُور.». فمشكلة بعض النّاس أنهم يملكون العيون المفتوحة والقلوب العمياء، والخطورة، كلّ الخطورة، أن يكون القلب أعمى.

وعن الكليني عن سهل: «قال: كتبت إلى أبي محمد (ع) سنة خمس وخمسين ومئتين: قد اختلف يا سيّ.دي أصحابنا في التوحيد ـ وهذا يدلّ على أنَّ الجدل الكلامي في التوحيد كان يدور حتى في أوساط أتباع أهل البيت (ع) ـ منهم من يقول: هو جسم، ومنهم من يقول: هو صورة، فإن رأيت يا سيّدي أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه، فعلت متطوّلاً على عبدك ـ والعبوديّة هنا من باب التّواضع ـ فوقّع بخطّه (ع): سألت عن التّوحيد، وهذا منكم معزول، الله واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، خالق وليس بمخلوق، يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام وغير ذلك، وليس بجسم، ويصوّر ما يشاء وليس بصورة، جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه أن يكون له شبه، هو لا غيره، ليس كمثله شيء، وهو السّميع البصير».

فلقد أراد الإمام العسكريّ (ع) أن يقول للسَّائل الا يستغرق في الجدل الكلاميّ والتعقيدات الفلسفيّة عندما يتحدَّث عن الله سبحانه وتعالى، ولكن طلب إليه أن يقرأ كتاب الله فيما أنزله من آياته، فهو أعرف بنفسه من مخلوقاته كلّها، لأنّ المخلوق لا يستطيع أن يعرف من ربّه إلا ما عرّفه ربّه، وإلا، فما يمكن أن يدركه العقل من صفاته، فهو ليس بجسم، لأنه خالق الأجسام، وهو ليس بصورة، لأنه خالق الصّورة ومبدعها.

وهناك أحاديث كثيرة عن الإمام العسكريّ وعن الأئمَّة (ع)، تذكر أنَّ بعض الناس كان يسمع الجواب من الإمام عما كان يدور في ذهنه وهو يفكّر، أي لم يطرح السّؤال بعد، حيث إنَّ الملكة القدسيَّة تجعله (ع) يعرف ما يضمر هؤلاء من قبل أن يتحدَّثوا به ـ وقال: تعالى الجبّار، العالم بالأشياء قبل كونها، الخالق إذ لا مخلوق، والرّبّ إذ لا مربوب، والقادر قبل المقدور عليه، فقلت: أشهد أنّك حجّة الله ووليّه بقسط، وأنك على منهاج أمير المؤمنين». فلقد أكّد له أنَّ المخلوقين يحتاجون إلى معرفة الأشياء في صورتها الوجوديّة، أما الله، فهو الَّذي يخلق الوجود، فهو يعرف ما يريد أن يخلقه قبل أن يخلقه.

 

نعمة الكلام

إنّ كلَّ نعمة الهية مهما كان حجمها تستوجب الشكر لله، ومعنى الشكر هنا هو ليس كما يقوم به بعض المتملقين من التلاعب بالألفاظ، إذ ينبغي أن يكون في داخل القلب إحساس بالشكر والامتنان، هذا أوّلاً، وثانياً ألا يكون هذا الشكر متوجهاً للذات الإلهية المقدسة وهو الله الصمد الذي لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كلّ أحد، فلا الشكر باللسان ولا امتنان في القلب يمكنهما أن يقدما شيئاً لله سبحانه وتعالى.

إنّ شكر النعمة في الواقع هو أن نعرف واجبنا تجاهها، ومن ثمّ أداءنا كذلك الواجب. إنّ واجبنا تجاه كلّ نعمة من نعم الخالق لا يدعو الاستفادة من تلك النعمة بالشكل المعقول والمناسب في إطار «التكليف» وتحت عنوان «أداء الواجب».

فاللسان والقدرة على الكلام واحدة من نعم الله الكبرى التي وهبها للإنسان، حتى أنّ الفلاسفة اعتبروا أنّ ميزة الإنسان الوحيدة عن الحيوان هي القدرة على البيان والكلام، إذ يعتبر ذلك مظهراً من مظاهر الإدراك وممثلاً عن الفكرة والعقل.

يقول القرآن الكريم «الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإنْسَانَ* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» (الرحمن/ 1-4)، وعلى أساس هذا تمكن الإنسان من إبراز ما يختلج في باطنه من معانٍ ونقلها للآخرين وللأجيال، ولولا ذلك لما أمكن الإنسان أن يحيا حياته الاجتماعية.

إنّ هذه النعمة تستوجب الشكر، الشكر الذي يتجلّى في استخدام اللسان في التعبير عن الحقّ. والحقيقة وتجنب الكذب والغيبة والنميمة.

لقد خلق الله الإنسان ليكون داعياً إلى الحقّ. وهادياً إلى الصراط المستقيم، لا وسيلة للخداع والضلال والضياع والنفاق.

يقول الإمام عليّ (ع): «إنّ من عزائم الله في الذكر الحكيم، التي عليها يثيب ويعاقب ولها يرضى ويسخط أنّه لا ينفع عبداً ـ وإن أجهد نفسه وأخلص فعله ـ أن يخرج من الدنيا لاقياً ربه فيما افترض عليه من عبادته أو يشفي غيظه بهلاك نفس أو يَعُرّ بأمر فعله غيره، أو يستنجح حاجة الناس بإظهار بدعة في دينه أو يلقى الناس بوجهين أو يمشي فيهم بلسانين».

وفي مناسبة أخرى يقول (ع): «ولقد قال لي رسول (ص) أني لا أخاف على أُمّتي مؤمناً ولا مشركاً، أمّا المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم كلّ منافق الجنان، على اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون».

ظاهره حمل وديع وباطنه ذئب كاسر. إنّ هذا اللسان الذي هو نعمة من نعم الله، يمكنه أن يكون أكبر الكبائر عندما يكون وسيلة للكذب والنفاق والبهتان والغيبة وغير ذلك.

 

التسامح.. نصف السعادة

في هذا العصر، الذي كثرت فيه الفتن وعصفت فيه أمواج العنف والتطرف والتعصب، لا يختلف اثنان في أنّ نشر ثقافة الحوار والتسامح قد أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، بل أصبحت ضرورة من ضرورات العصر، ليس فقط على مستوى الأفراد والجماعات، وإنما على مستوى العلاقات بين الأُمم والشعوب المختلفة.. ولا سبيل إلى التعايش السلمي وحل المشكلات وتجنب النزاعات والخلافات إلّا من خلال الحوار والتسامح. فالتسامح من القيم الأخلاقية الإسلامية الرفيعة التي حثّ عليها ديننا الإسلامي الحنيف في كثير من النصوص، بل ودعت له الفطرة الإنسانية والعقول السليمة، فهو قاعدة أساسية للتعايش والسلام، وأساس التعامل هو التسامح الراقي الذي يحكم علاقة الناس بعضهم ببعض. لقد جاء الإسلام بالحبّ والتسامح، والصفح، وحسن التعايش مع كل البشر، ووطد في نفوس أبنائه عدداً من المفاهيم والأسس من أجل ترسيخ هذا الخلق العظيم ليكون معها وحدة متينة من الأخلاق الراقية التي تسهم في وحدة الأُمّة، ورفعتها والعيش بأمن وسلام ومحبة وتآلف. ومن تلك المفاهيم: العفو، والتسامح، والصفح عن المسيء، وعدم الظلم، والصبر على الأذى، واحتساب الأجر من الله تعالى.. حيث جاءت نصوص قرآنية وأحاديث نبوية لتأكيد هذه المفاهيم، وإقامة أركان المجتمع على الفضيلة، وحسن الخلق ومنها: قوله تعالى: «خُذ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بالْعُرْف وَأَعْرضْ عَن الْجَاهلينَ» (الأعراف/ 199). وقال تعالى: «فَاصْفَح الصَّفْحَ الْجَميلَ» (الحجر/ 85). وقال تعالى: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحبُّونَ أَنْ يَغْفرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ) (النّور/ 22).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 318
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته
 من وصية الإمام الصادق (ع) لصاحبة النجيب زيد الشحّام

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا