الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحب والدين

2015/02/15 | الکاتب : عمار كاظم


الحبّ عاطفة إنسانية غرسها الله سبحانه في الإنسان، وفي قلب كلِّ حيوان، فتلك المخلوقات تحبّ الحياة وتحبّ أبناءها وأزواجها وتحبّ جمال الطّبيعة. فبالحبِّ يقترب الأحباب، وتتمازج النّفوس والأرواح، وتعمر القلوب بالسّعادة والطّمأنينة، وبالقُرب والتآلف والتعاون، وبالعفو والتّسامح، وبالعطاء المتبادل، يشعر النّاس بالحبِّ ولذّة الحياة. فالمحبّ يريد الخير لِمَن يحبّه، ويعفو عنه إذا أخطأ، ويتعاون معه إذا احتاج أو عجز، ويدافع عنه ويحميه إذا هُدِّد بخطر. وبالحبِّ يُضحِّي الإنسان ويؤثر على نفسه. فبالحبِّ يعيش الحبيب في أعماق النّفس، ويستقرّ في شغاف القلب، وبدافع الحبّ للخير والجمال يصنع الإنسان حياة الخير، ويحبّ كلّ جميل في هذه الحياة. يحبّ الصِّدق والأمانة ومكارم الأخلاق، كما يحبّ الإبتسامة الصّادقة، والكلمة الطّيِّبة، ونغمة الصّوت الجميل، وبلاغة القول، وتناغم الحركة، وتآلف النور والألوان. ولكلِّ هذه المعاني جاءت رسالات الأنبياء، لذا نقرأ أجمل تعريف وتلخيص للعلاقة بين الدِّين والحبّ في الحديث الشريف: وهل الدِّين إلّا الحبّ. وعندما يغيب الحبّ تجتاح الكراهية أعماق النّفوس، وتعيش القلوب حياة البؤس والشّقاء، ويشعر فيها بعذاب الحياة، فتستحيل تلك الحياة إلى جحيم ونفور وأزمات وصراع وعدوان. قد يقود البعض إلى الفرار وحتّى إلى الانتحار عندما يستحكم هذا المرض في النّفوس. ويتحدّث القرآن الكريم عن حبّ الله للخير، وحبِّه للإنسان، حبّ الله الذي يغمر القلوب بالسّعادة والنّور والإنفتاح، إنفتاح عالم الغيب على القلوب الوالهة المفعمة بالحبِّ والعشق الإلهي المقدّس. إنّ هذا الحبّ يُجسّد في كلّ علاقة بين الإنسان المُحبّ لله وبين الآخر. يصوغ الرّسول الهادي محمّد (ص) هذا البيان بقوله: إنّ من أوثق عرى الإيمان أن تحبّ في الله، وتبغض في الله، وتعطي في الله، وتمنع في الله. يخاطب القرآن النّاس على لسان نبيِّه الكريم محمد (ص): (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران/ 31). إنّ اتِّباع الرسول (ص)، اتِّباع الحقّ والعدل والخير والإحسان، هو تعبير عن حبِّ الله. إنّ حبّ الله هو حبّ الحقّ والخير والجمال، وسيُبارك الله سبحانه هذا الإنسان المُحبّ، ويُقرِّبه منه درجات، وسيفيض عليه إشراقات الحبّ والتكامل، فتغمر نفسه ومشاعره مباهج السّعادة والشوق الدائم إلى عظمة الجمال والجلال، وتلك هي نفحات الحبّ الإلهي المقدّس، وإشراقات النّور المضيء لكلِّ معاني الحياة. ويتلو القرآن على مسامع الإنسان تلك القِيَم والمآثر التي يحبّها الله في الإنسان. إنّه يُحبّ التّوّابين، الذين تركوا حياة المعصية والجريمة والضّلال، وعاد بهم الحبّ والشّوق إلى الله، إلى حياة الطّهر والنّقاء والإستقامة، إنّه يُحبّهم ويُسجِّل هذا الحبّ لهم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) (البقرة/ 222). ويُحبّ المُتطهِّرين من الذنوب، قال تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التوبة/ 108). ويُحبّ المُقسطين الذين يُقيمون القسط والعدل في ربوع هذه الأرض. قال تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة/ 42). إنّ إفاضة هذا الحُبّ الإلهي، أو سلبه ممّن لا يستحقّه، يُجسِّد أمامنا حقائق كُبرى في هذه الحياة، وهي القيم والسّلوكيات التي يحبّها الله، فنحبّها ونملأ الحياة بعطائها ونمائها، نحبّ ما يحبّه الله ونكره ما يكرهه الله، ونُجسِّدها سلوكاً ومشروعاً حضاريّاً وثقافيّاً رائداً، كما تتجسّد أمامنا السّلوكيّات الأخرى التي يبغضها الله ويكرهها، فتنطلق في نفوسنا الكراهية لكلِّ تلك السلوكيّات الشِّرِّيرة والإبتعاد عنها، ونُطهِّر المجتمع من آثارها وآثامها.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 282
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفهوم النية والإخلاص فيها
 ممارسة الديمقراطية.. فهماً ومعنى
 بيعة الإمام عليّ (ع) بالخلافة
 يوم المباهلة.. يوم بيان برهان الصادقين
 الديمقراطية.. معانٍ وأهداف
 إعلاء كلمة الحق في يوم المباهلة
 أهمية الوقت في حياة الشباب
 محو الأمية والتنمية المستدامة
 الحقّ في التعليم
 توجيه الشباب نحو القيم الفاضلة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا