الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
في فن الخطاب

2015/02/21 | الکاتب : نــزار حيدر


لكلّ خطابٍ مُتلَقٍّ، وتارةً الهدفُ منه التّأثير واُخرى التّشهير، وتارةً يرادُ لذاته (المُتلقّي) واُخرى لغيره (الرّأيُ العام).

امّا إذا كان للتّشهير والتّسقيط ولنشر الغسيل القذر فلا شُغل لنا به، فهو لا يهشُّ ولا يبشُّ في عمليّة الإصلاح والتّنوير.

امّا إذا كان للتأثير من أجل الإصلاح والتغيير سواء لذات المتلقي أو للآخرين، الرأي العام، فينبغي أن يكون علمياً وموزوناً ومنطقياً وعقلانياً ومنصفاً.

لقد حمّلنا القرآن الكريم مسؤولية الإرشاد والدعوة والتبليغ لرسالات الله تعالى ثم حدّد الطريقة والإسلوب، فقال تعالى في ثلاث آيات:

(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

الملفتُ للنّظر في هذه الآيات هي انها تأمر باستخدام الأسلوب (الحسن) في الدعوة ولكنّها تصرّ على استخدام الأسلوب (الأحسن) عند الجدال والنقاش والحوار، أي انّ هناك اختلافٌ في صيغة الأداء، لماذا؟.

من خلال التّدبّر في السياقات القرآنية يبدو لي انّ في الأمر سراً، وهو؛

انّ الدعوة إلى الله تعالى ورسالاتهِ هي عمليّة تبليغية محضة ليس أكثر، امّا الجدال والنقاش والحوار ففيها جانبُ تحدّي بين الطّرفين، خاصّة إذا كان على رؤوس الأشهاد، ينتبه لها الرّأي العام أكثر من انتباهه لمجرّد التّبليغ، ولذلك ينبغي أن يكون المحاورُ أكثر دقّةً وأكثرُ انتباهاً وهو يختار المفردات والمصطلحات والحجج والبراهين، وأكثرُ التزاماً بأخلاقيات الجدال وأكثر انتباها لمشاعر الرأي العام لأنّه يُجادل ولا يُبلّغ، ولذلك فالعيون مُفتّحة عليه والعقولُ مستنفرةٌ والكلّ يترقّب أيُّ الفريقين يسقط في اختبار المصداقيّة؟.

طبعاً؛ هذا إذا كان المجادلُ والمحاورُ يبتغي التأثير في الآخر أو في الرأي العام من خلال محاججة الخصم.ّ

وَمِمَّا لا شكَّ فيه انَّ التأثير لا يَكُونُ إلا بالشّرط الّذي حدّده الإمام أمير المؤمنين (ع) عندما نهى أصحابه عن سبَّ أهل الشّام، جيش معاوية بن أبي سفيان، قائلاً لهم: (وَلكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ).

فإذا كان القصدُ من وراء المجادلة:

أولاً؛ إصابة القول.

ثانياً؛ الإبلاغ في المحاججة.

إذن؛ ينبغي أن يكونَ الحديثُ وصفاً وذكراً، وصفاً للأعمال وذكراً وتذكيراً بالأحوال، بعيداً عن لغةِ التّسقيط والاستهزاء، فانّ ذلك يساهمُ بشكلٍ كبيرٍ في عملية تنوير الرأي العام، اما إذا كان الغرضُ من كلّ ذلك هو المِراء على حدّ قول الإمام (ع): (فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ)، وتوظيف فرصة لتصفية حسابات أو إفراغ شحنات إضافية من الحقد والضغينة والكراهية، فلا فرق في أن يكون الكلام أيّ شيء، لأنّه ميؤوس منه وغير هادف أبداً، بعدَ أن انتُزعت عنه أيّة إمكانية للتأثير.

لذلك نلاحظ انّه (ع) كان يوظّف كلّ حوارٍ وجدالٍ يجري بينه وبين معاوية عبر المراسلات الكثيرة لتنوير الرّأي العام، لأنه على يقين بأنّ المحاور، معاوية، لن يتأثّر بِشَيْءٍ بعد أن خٓبِرٓهُمُ فعرِفهُم على حقيقتهم، وانّما كانت عينُه على الرّأي العام سواءً في صفوف جيشه أو في صفوف جيش العدو، ولهذا السّبب وظّف الإمام كلّ أنواع المحاججات النّقلية والعقليّة والمنطقيّة والبلاغيّة لإفحام معاوية ليس لذاته وانما للتّأثير بالرّأي العام وتنويره.

يتّضح لنا من كلِّ ذلك انّ العِبرة ليس في المحاججة أو النقد أو الحوار وانما في الهدف منه، فإذا كان الهدفُ هو لتنوير الآخر وتبيين خطأه لتنبيهه بما يُصلح حاله، أو حال الرأي العام، لا فرق، فينبغي أن نبذلَ جُهدنا في البحث عن (أَحسنِ) الحديث، امّا عدم الإكتراث بالهدف فلا يزيدُ النقدَ والحوارَ والجدالَ شيءٌ أبداً، عندها استخدم ما شئت من اللغات، حتى السوقيّة منها، إذ:

مازاد حنّونُ في الإسلامِ خردلةً

ولا النَّصَارَى لهم شُغلٌ بحنّونِ

وبرأيي؛ فانّ واجبنا اليوم ينصبّ باتّجاه التأثير للتنوير والإصلاح والتغيير وليس للتسقيط والتشهير، أليس كذلك؟.

 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 469
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الكلمة الطيِّبة أبلغ لغةً في الخطاب الإنساني
 مسؤولية الكلمة واستثمارها في الخير
 في فن الخطاب
 الكلمة تقرر المصير

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا