الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
القادة العظام يصنعون أمجادا والقادة الصغار يبددون أوطانا

2015/03/28 | الکاتب : د. إبراهيم أبراش


في كلّ الشعوب توجد (قيادات) عابرة لا يترك رحيلها أثرا، لا على واقع حياة الشعب ولا في الذاكرة الوطنية، وإن تركوا أثرا فذكريات مريرة عن ما الحقوه بشعوبهم من خراب ودمار، إنهم الذين صَيرتهم الصدفة أو أطراف خارجية إلى مواقع القيادة والحكم. وفي المقابل هناك قيادات تصنع تاريخا لنفسها ولشعبها، لذا تبقى في الذاكرة الوطنية ومن حق الشعب أن يُخلِد ذكراها ويجعل منها قدوة للأجيال، ليس من خلال استنساخ الشخصية بل استلهام التجربة.

هذا ينطبق على شعبنا الفلسطيني الذي أنجب وصنع خلال تاريخ نضاله الوطني قادة عظام: الحاج أمين الحسيني، عبد القادر الحسيني، أحمد الشقيري، ياسر عرفات، جورج حبش وآخرون، صحيح أنهم لم يحرروا الوطن ولكنهم انتشلوا الشعب من حالة التيه والضياع ووضعوه على طريق الحرية والاستقلال، أما الذين صَيرتهم الصدفة أو التوازنات والحسابات الخارجية في موقع القيادة اليوم فإنهم يبددون ما أنجزه الشعب تحت قيادة الأولين، حيث يقبلون ما رفضه الأولون حتى وإن كانت سلطة وحكومة هزيلة على بقايا أشلاء وطن.

نعم، إنّ الشعوب تصنع تاريخها بنضالها وبريادة قيادات وطنية، وفي تاريخنا الفلسطيني، سواء الحضاري الممتد طوال أكثر من أربعة آلاف عام  أو السياسي الحديث الممتد لأكثر من مائة عام، محطات مُشَرِفة كثيرة، علينا أن نفتخر بها ونبني عليها، ليس أقلها الحفاظ على الثقافة والهوية الوطنية واستمرار قضيتنا الوطنية حاضرة في الضمير والوجدان العربي والعالمي. صحيح، الفلسطينيون لم يحرروا وطنهم بعد، ولم يهزموا إسرائيل عسكريا، ولكن في المقابل لم يستسلموا أو يتخلوا عن حقوقهم التاريخية، وصمودهم يعني فشل إسرائيل في تحقيق مشروعها الصهيوني حتى الآن. هذا التاريخ وهذه الإنجازات صنعها الشعب تحت قيادة قادة عظام ما زال الشعب يخلد ذكراهم بعد رحيلهم.

نعم، لو بحثنا عن سر صمود الشعب الفلسطيني لوجدنا وراء ذلك – بالإضافة لعظمة الشعب وشرعية حقوقه الوطنية وصبره وقوة تحمله - تكمن حركات وقيادات سياسية وطنية المنشأ والمنطلق والأهداف، كانت قريبة من نبض الشعب ومتفاعلة مع معاناته ومستعدة لقيادته في معركة التحرير.  هؤلاء القادة لم يكونوا ملائكة، ولم يكونوا منزهين عن الخطأ، إلا أنهم لم يفكروا بسلطة أو جاه، ولم يساوموا على استقلالية القرار الوطني، أو يلتحقوا ويُلحقوا معهم القضية بهذا المحور أو ذاك، أو هذه الأيديولوجيا أو تلك، بل وظفوا كل المحاور والأيديولوجيات لخدمة المشروع الوطني التحرري. قادة رفعوا شعار (فلسطين أولا)، شعار جسدوه بالبندقية وبالاشتباك المباشر مع الكيان الصهيوني وبثقافة وهوية وطنية صهرت الكل الفلسطيني في بوتقتها بالرغم من الشتات والغربة.

لم تكن عظمة القادة الأوائل للمشروع الوطني الفلسطيني تكمن في قوة حسهم وانتمائهم الوطني فقط، بل أيضا في قوة بصيرتهم وتلمسهم أن القيادة ليست موقع فخري يُدِر المال والحياة المرفهة، فحياتهم اتسمت بالزهد والتقشف، بل القيادة مسؤولية جماعية، ومن هنا كانوا قادة عظام أوجدوا إلى جانبهم قادة كبار ليقودوا معهم قاطرة التحرير، وهذا للأسف ما يفتقده النظام السياسي الفلسطيني اليوم، حيث يقوده غالبا قادة صغار يصنعون ويحيطون أنفسهم بقادة اصغر منهم شأنا ورؤية، هم أقرب إلى الأتباع والمريدين منهم إلى القادة. هذه (القيادات) ومهما كثر عددها وتعاظم مالها المشبوه لا تنشئ مؤسسة قيادة بل تؤسس علاقة خضوع وتبعية كتلك التي تنشأ بين الشيخ ومريديه، الشيخ يستمر متسيدا على مريديه، وهؤلاء  يسترون عيوبه وأخطائه دون أن يجرؤوا على نقده أو مناقشة نهجه.  

الشعب الفلسطيني يعاني اليوم من أوضاع صعبة على كافة المستويات وهناك انغلاق للأفق السياسي، فهل إسرائيل وحدها مَن يتحمل المسؤولية؟. لا شك أن قادة إسرائيل مسؤولون مسؤولية كبرى عن الوضع المأزم للقضية الفلسطينية . لكن لمعادلة الصراع طرفين، أحدهما إسرائيل وقادتها، والثاني النخبة السياسية الفلسطينية التي تقود الشعب، سواء في مسار المفاوضات والتسوية أو في مسار المقاومة المسلحة. فكيف نتحدث عن فشل نهج التسوية والمفاوضات ولا نتحدث عن فشل أصحاب هذا النهج من النخبة السياسية الفلسطينية؟!، وكيف نتحدث عن فشل نهج المقاومة المسلحة ولا نتحدث عن فشل أصحاب هذا النهج من نخب وحركات سياسية؟ والفشل في جميع الحالات يتطلب المحاسبة، أو على الأقل ممارسة النقد الذاتي والمراجعة الاستراتيجية، وهذا للأسف لم يحدث، حيث تستمر نفس القيادات المأزومة والفاشلة على رأس النظام السياسي، بل لا تخجل هذه القيادات من الحديث عن الانتصارات!.

هذا التحول في النخبة السياسية وفي القيادة يَصلح كأساس لتفسير الخلل في النظام السياسي الفلسطيني، وفي  تفسير الاهتمام الكبير للشعب الفلسطيني بإحياء ذكرى رحيل قادته الكبار، فاستحضار ذكراهم وإن كان يعبر عن حب وتقدير لأشخاص هؤلاء القادة إلا أنه في نفس الوقت يعبر عن حنين لمرحلة ولنهج في العمل الوطني نفتقده اليوم، حنين لزمن كان يحكم فيه قادة كبار لم يسمحوا للخلافات الأيديولوجية ولا لأصحاب الأجندة الخارجية ولا للمال السياسي، أن يكون سببا في الاقتتال الداخلي وفي الانقسام وتدمير المشروع الوطني، زمن كان القادة الكبار يختلفون ويتنافسون ولكن على قاعدة المصلحة الوطنية، ولم تكن خلافاتهم تصل إلى درجة تكفير أو تخوين بعضهم البعض.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 223
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 حتى لا ننسى: إسرائيل عدونا والاستقلال هدفنا
 الجزائر تكسر الحصار وتفتح أبواب الأمل
 معركة الأقصى قيادة رشيدة وشعبٌ عظيمٌ
 قضية المسجد الأقصى
 الأقصى واللغة الفلسطينية الجديدة
 لكي لا تنحرف البوصلة العربية عن فلسطين
 المجدُ للأقصى في الأعالي وعلى فلسطين السلام
 أهل الأقصى أدرى بالخطر !
 بواباتٌ إلكترونية لحماية الأقصى من الإرهاب الصهيوني
 صفقة القرن تسقطها القدس ويشطبها الأقصى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا