الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
شهر رجب الحرام

2015/05/07 | الکاتب : عمار كاظم


ما نستوحيه من هذا الشهر الحرام، فهو أن الله تعالى أراد له أن يكون شهر سلام في العالم، تماماً كالأشهر الحرم الثلاثة ذي القعدة وذي الحجة ومحرّم: {إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم}.

الأشهر الحُرُم: روحية السلام

وخصوصيّة الشهر الحرام، أن الله تعالى حرّم فيه القتال، يعني جعله في الحالات الطبيعية للحرب شهر هدنة وسلام من أجل أن يتخفّف الناس من ضغط الحرب التي تتحرك في مدى الزمن، ليدرسوا النتائج السلبية والأخطاء التي ارتكبوها، وما تنتجه الحرب من أحقاد وعداوات وبغضاء قد تسقط واقع الناس.

كما إن الله تعالى شرّع منطقة جغرافيةً جعلها المنطقة الحرام، وهي منطقة الحرم، أي مكة وما يتصل بالحرم ومنها «منى» والمشعر الحرام، فكانت هذه المنطقة منطقة السلام، حتى إن الإنسان إذا دخل إلى الحرم ورأى قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء، لأن الله تعالى حرّم فيها العنف والقتال، وهذا مما توارثه الناس في الجاهلية منذ عهد النبوّات الأولى، ولا سيما عهد إبراهيم (ع). فالله تعالى يريد من خلال الأشهر الحرم، ومنطقة الحرم، أن يعيش الناس في بعض الزمان والمكان روحية السلام، ليفكّروا في الطريقة التي يتفادون فيها الحرب ويلتقون فيها على السلام، لأن للسلام دوره في إنتاج كل الخير للناس. ولكن هناك حالة واحدة من حالات الرخصة في الحرب هي حالة العدوان، والله تعالى يقول: {يسألونك عن الشهر الحرام قتالٌ فيه قل قتال فيه كبير وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر}، فالمسألة كانت في حال الضرورة كما إذا اعتدى عليك أحد في الشهر الحرام، كما نلاحظه الآن في العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، والعدوان الأميركي على أكثر من بلد إسلامي، فإن للمسلمين الحق في مواجهة هذا العدوان حتى في الشهر الحرام، لأن حرمة المسلم والمستضعف أعظم من حرمة الزمن. إننا نستوحي من دخولنا في هذا الشهر، كيف نستطيع أن نعيش السلام في حياتنا الخاصة والعامة، ونحن نعرف أن السلام يفرض على الناس أن يعيشوا روحيته، فلا أحد فيه يحقد على أخيه وأهله وعلى الناس من حوله، بل يحمل كل إنسان في نفسه المحبّة للآخرين، لأن الحقد ينتج العنف والحرب، بينما المحبة تنتج اللقاء والتعاون وما إلى ذلك.

التخفّف من الأحقاد

ولهذا فإن علينا أن نجاهد أنفسنا في بداية هذا الشهر، أن نتخفّف من كلِّ أحقادنا وعداواتنا. فإن علينا كثيراً من الناس يصومون هذه الأشهر الثلاثة، رجب وشعبان ورمضان، يصومون استحباباً وتقرباً إلى الله، ولكن علينا إلى جانب صيامنا عن الطعام والشراب، أن نصوم عن الحقد والعداوة والبغضاء والشر، هذا هو الصوم الحقيقي، حتى إن الصوم الذي فرضه الله تعالى في بعض الشهور وجعله مستحباً في شهور وأيام أخرى، إنما أراده الله أن يكون وسيلة للتقوى، لمراقبة الإنسان ربه في نفسه وفي الناس وفي الحياة. ويتميّز هذا الشهر بنقطة مهمة، وهي أنه الشهر الذي انطلق فيه الإسلام في بعثة رسول الله (ص)، ففي السابع والعشرين من هذا الشهر كانت ولادة الإسلام، وهناك رواية أنّ الله تعالى في سنة أخرى سرى بعبده وهيأ له العروج إلى السماء في هذا الشهر، حتى ترتبط حركة البعث الإسلامي بحركة العروج إلى الله والانفتاح على مواقع الأنبياء في بيت المقدس، ولذلك فهو شهر ينفتح على تاريخ الإسلام، وهو شهر نلتقي في الثالث عشر منه بولادة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

الإمام الباقر (ع): مدرسة في القيم الإسلاميَّة

الإمام محمد الباقر عليه السلام هو الَّذي استطاع أن يغني الواقع الإسلاميّ في العمق وفي الامتداد، ذلك أنّ الظروف السياسيّة كانت تضغط بين وقت وآخر على هذا الإمام أو ذاك، فتمنعه من أن يبلّغ رسالته كاملة غير منقوصة، بفعل الاضطهاد الجسدي، والاضطهاد المعنوي، ومصادرة الحريات، وما إلى ذلك، ما منع بعض الأئمة (ع) من أن يزيدوا في عطائهم الإسلامي، فيما يتضمَّنه الإسلام من عقائد وقضايا ومفاهيم ومناهج ووسائل وأهداف، فقد كانت مشكلتهم مع أكثر من حاكم في تلك المراحل، هي أنَّ هؤلاء الحاكمين كانوا يعرفون ما يملكه أئمَّة أهل البيت (ع) من غنى الفكر والرّوح والحركة، مما لو اطّلع النّاس عليه، لأقبلوا عليهم كما يقبل الظّامئ على الماء.

أسلوب الإمام (ع)

أمّا كيف كان أسلوب الإمام (ع)، فهو أسلوب القرآن وأسلوب النبيّ(ص) وأسلوب الأئمة (ع)، الَّذي يهدف إلى تركيز المجتمع وبنائه على القاعدة الفكريّة الإسلاميّة، بحيث لا ينحرف المجتمع عن الخطّ الإسلاميّ الأصيل في غلّو هنا أو عداوة هناك، حتى في المسألة التي تتّصل بأهل البيت (ع)، حيث رأى أنَّ فرصة تسلّمه للحكم لم تكن واقعيّة آنذاك، ولكنه كان يرى أنَّ مسؤوليّته تقع في خارج الحكم، وأنّ بناء المجتمع على قاعدة ثابتة منفتحة واسعة يوازي مسؤوليّته عندما يحكم. وهكذا كان الإمام عليّ (ع)، فلم يتوقّف عطاؤه عندما كان خارج الخلافة، لأنه كان يشعر بأنّه مسؤول عن الإسلام خارج الحكم، كما هو مسؤول عنه في داخل الحكم، لأنّ عليه أن يحفظ الإسلام: «فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم هذه، التي إنما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، أو كما يتقشّع السّحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدّين وتنهنه».

مواجهة الغلو

كما أراد الإمام الباقر (ع) أن يركّز القاعدة الفكريّة، وأن يخطّط للخطط العمليّة التفصيليّة في حركة القيم، من خلال علاقات المجتمع بنفسه، أو علاقاته ببعضه البعض، فنقرأ في البداية كيف كان يخاطب الشّيعة، فقد كان يخاف على التشيّع من أن يدخل في دائرة الغلوّ، انطلاقاً من أنّ الحبّ عندما يزداد، فإنه قد يتجاوز الحدود، ولذلك، أراد أن يركّز القاعدة على أساس التوازن الذي أراده الإسلام. فعن أبي جعفر (ع) (أي الباقر) قال: «يا معشر الشيعة شيعة آل محمد كونوا النمرقة الوسطى»، وهي الوسادة الصّغيرة التي يجلس عليها الإنسان بارتياح، فلا هي عالية، ولا هي منخفضة، «يرجع إليكم الغالي»، ليجد الاعتدال عندكم، «ويلحق بكم التالي». فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد: «جعلت فداك من الغالي؟ قال: «قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا»، فقد يرتفعون بنا إلى ما يقترب من الخالق الّذي لا يقترب منه أحد، فهم ينسبون إلينا ونحن المخلوقون صفات الخالق، «فليس أولئك منّا ولسنا منهم»، قال: فما التالي؟ فقال (ع): «المرتاد، يريد الخير يبلغه الخير يؤجر عليه». ثم أقبل علينا فقال: «والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة، ولا نتقرّب إلى الله إلا بالطاعة». فالطاعة هي التي يتقرّب بها الأنبياء إلى الله، لأنهم يؤدّون رسالته، ويتحرّكون في الحياة على أساس تجسيد الرسالة في أنفسهم وفي الناس. وهكذا الأولياء والأئمّة: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}. «فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا»، فالولاية قاعدة لقبول العمل، ولكنّها ترتكز على خطّ الإسلام والإيمان والتقوى، «ومن كان منكم عاصياً لله، لم تنفعه ولايتنا. ويحكم، لا تغترّوا! ويحكم، لا تغترّوا!» هذا هو الخطّ الذي أراد الإمام الباقر (ع) أن يركّزه، بحيث يستقيم الناس عليه، حتى لا يكون التشيّع شيئاً زائداً عن الإسلام، بل ينطلق من عمقه، ويتحرّك في خطّه، وينفتح على الدعوة إلى الإسلام في كلّ ما قاله الله وما صدق الرّواة فيه عن رسول الله (ص).

العلاقة بين المؤمنين

وكان (ع) يؤكّد علاقة المؤمنين مع بعضهم البعض في المجتمع، بالدّرجة العليا الّتي يصبح فيها المجتمع كالجسد الواحد، فقد سأله بعض أصحابه، وهو سعيد بن الحسن، قال: «أيجيء أحدكم إلى أخيه، فيدخل يده في كيسه، فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟ فقلت: ما أعرف ذلك فينا. فقال أبو جعفر (ع): فلا شيء إذاً»، أي أين إيمانكم إذاً؟ وأين الوحدة الإيمانيّة بين المؤمنين؟! وأين الجسد الواحد الّذي يمثّله المجتمع المؤمن؟! «قلت: فالهلاك إذاً. فقال: إنّ القوم لم يعطوا أحلامهم بعد»، أي لم تكتمل عقولهم بعد، ولا يزال إيمانهم غير ناضج، فهم بحاجة إلى تعميق للإيمان أكثر، وإلى وعي لمسؤوليّة الإيمان في العلاقة بين المؤمنين أكثر. وكان (ع) يريد من المؤمنين أن يشعروا بأنّ قصّة الأخلاق تتصل بالإيمان اتصالاً وثيقاً، فمن حسنت أخلاقه كمل إيمانه، ومن ساءت أخلاقه كان إيمانه ناقصاً، فبمقدار ما تكون حسن الأخلاق أكثر، تكون مؤمناً أكثر، وهذا ما جاءت به الكلمة عن الإمام (ع): «إنّ أكمل المؤمنين إيماناً، أحسنهم خلقاً»، لأنّ الله يؤكّد الأخوة الإيمانيّة بين المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.

ولذلك، فإنّ المسألة تفرض أن يعيش الإنسان امتداد الأخوّة في العلاقات، بكلّ العناصر التي تتمثّل فيها الأخوّة في إيجابية تعاطي الإنسان مع الإنسان الآخر، وحتى مع غير المؤمنين، فالله يصف عظمة الرّسول(ص) في أنه على خلق عظيم، وأنّه كان رقيق القلب لطيف اللّسان، وكان الرؤوف الرحيم، وكان الإنسان الّذي يتألّم لمن حوله إذا تألموا، وكان يحرص على من حوله عندما يسيرون في خطّ الضّياع.

مقابلة النّاس بالبسمة

كان (ع) يحدّث الناس بذلك، وكان يريد للناس في المجتمع عندما يلتقون ببعضهم البعض، أن لا يكون لقاؤهم بوجه عابس أو كئيب، لأنّ وجهك في تقاطيعه الإيجابيّة أو السلبيّة، يترك تأثيراً إيجابياً أو سلبياً في الذي تلتقي به، فإذا كنت ضاحكاً، منبسطة أساريرك، فإنّ ذلك يمثّل إشراقةً تدخل قلب الذي تلتقيه، بحيث تشرق بسمته في قلبك قبل أن تشرق في عينيك. لذلك، كان من صفات رسول الله(ص)، أنّه كان لا يُرى إلا مبتسماً، وهذا ما تحدّث عنه (الفرزدق) في مدحه للإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع)، الّذي عاش العبادة كما لم يعشها أحد بعد رسول الله(ص) وأمير المؤمنين (ع): يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته فلا يكلَّم إلا حين يبتسم كان المبتسم دائماً، بل كان حتى في حزنه بذكرى كربلاء، وحزنه بين يدي الله، يبتسم في قلب الحزن بكربلاء، وفي قلب الخوف بين يدي الله، لأنّه كان يشعر بأنه في العمق من طاعة الله، وفي القرب القريب منه. لذلك، قال (ع) وهو يروي عن رسول الله(ص) قال: «أتى رسول الله رجل فقال: يا رسول الله، أوصني، فكان فيما أوصاه أن قال: ألق أخاك بوجه منبسط».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 215
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد
 المبعث النبوي .. حدث عظيم في تاريخ البشرية
 الإمام الكاظم (ع) رحابة الأفق في خُلقه
 رحلتا الإسراء والمعراج.. دروس وعبر
 الإمام علي (ع) وأوجُه العبادة
 زينب «عليها السلام».. نموذج رسالي رائد
 حاجتنا إلى التسامح في المجتمع
 كرامة الإنسان في القانون الإلهي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا