الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
انطلاقة الإيمان

2015/05/18 | الکاتب : عمار كاظم


في خطوط الإيمان الروحية والعملية، روي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قوله: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، فهو يمتد في كلِّ حياة الإنسان، في أوضاعها الفردية والاجتماعية، وفي كلماته، وفي أفعاله وعلاقاته، «فأفضلها» أي أفضل هذه الشعب: «قول لا إله إلا الله»، لأنّ هذه الكلمة تمثل انطلاقة الإيمان في آفاق التوحيد؛ لأنّها تجعل الإنسان يتأمّل في كلِّ الواقع الإنساني، ويفكّر فيه، ويتابعه، في كلِّ ما يواجه به الناس أصحاب المواقع الكبيرة التي يخضعون لها، من حيث تصوّرهم لهم في موقع الآلهة. وهذا ما نقله التاريخ عن فرعون الذي كان يدّعي الربوبية، وذلك على لسان القرآن الكريم: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) (الزخرف/ 51)، فقد كان فرعون يعتبر أنّ ما يملكه من الثروات مبرّر لأن يكون هو الإله، ولذا كان يقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى) (النازعات/ 24)، وقد قال عنه تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) (الزخرف/ 54)، حيث كان يعمل على أن يستغلّ هذه الثروة والسلطة ليجعل قومه يخضعون له، ويستخفون أنفسهم أمامه، ويصدِّقون أنّه الإله، خصوصاً أنهم لا يملكون الثقافة العميقة الواسعة في مفهومهم للإله. وكذلك كان هناك جماعة ممّن يعيشون التخلف من خلال عبادتهم للأصنام، فكانوا يعتبرونها آلهة، ومنهم مَن كان يعبدها بشكل مباشر، لأنّهم كانوا يعتقدون أنّها تمثل الأسرار الإلهيّة. وهذا ما كان الأنبياء يواجهونه بنقد هذه العقلية المتخلفة، فكيف يكون إلهاً من لا يسمع ولا يبصر ولا يملك أي حالة من حالات الوعي، كما جاء في حوار إبراهيم النبي (ع) مع أبيه: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) (مريم/ 42). إنّ كلمة (لا إله إلا الله) توحي للإنسان بأن يقوم بجولة في كلِّ التاريخ، وبجولة في كلِّ الواقع الذي يضمّ هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم في مواقع الآلهة أو أنصاف الآلهة، ليتصوّر كلّ هؤلاء بصورتهم الحقيقية، سواء كانوا أحجاراً لا تملك أي شيء من الحياة، أو كانوا أشخاصاً يملكون بعض الثروات أو السلطات وما إلى ذلك. وهنا يندفع الإنسان، في تصوره لله سبحانه وتعالى، ليكون الله هو ربّه المطلق، المرتكزة ربوبيته على خالقيته التي لا يشاركه فيها أحد، ورازقيته التي ينقطع فيها العباد إليه، وقدرته غير المحدودة، وعلمه الذي لا حدّ له، وكلّ صفاته التي لا يدانيه فيها أحد. ونشير هنا إلى الدور الذي تضطلع به سورة الإخلاص بالنسبة إلى تركيز مسألة التوحيد في وجدان الإنسان، وذلك من خلال عفويّتها وبساطتها، والتي تنطلق في عقيدة التوحيد من عناصر الفطرة الإنسانية. قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ)، الذي يُصمد بمعنى: يرجع إليه في كلِّ أمور الإنسان وحوائجه، (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)، فهو تعالى لا يخضع لأي خصوصية من خصوصيات البشرية، فالبشر ولد من شخص آخر بعد أن كان عدماً، ويلدُ شخصاً آخر انطلاقاً من أجواء اللذة والحاجة، ولكن الله هو الموجود الأزلي الأبدي السرمدي الغنيّ، و(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص/ 1-4).، أي لا يساويه أحد. وهكذا نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى وهو يصف نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى/ 11)، ليعيش الإنسان تصوّر الألوهية من خلال تصور الله، بحيث إنّه عندما ينطلق في وجدانه في كلمة التوحيد، فإنّه يتصور الله من دون أن يتصور معه أحداً في أي جانب. وهذا هو الذي يمثّل حقيقة الألوهية والربوبية. وبذلك، فإنّ كلمة (لا إله إلا الله) تمثّل كلّ عمق الإيمان وكلّ امتداده؛ لأنّ الإنسان عندما يستغرق في معنى الله وفي صفاته وأسمائه، فإنّه لا يجد هناك موقعاً يقف عنده، بل يمتد في كلِّ امتدادات صفاته التي لا تقف عند حدّ. وقد ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «أوثق عرى الإيمان: الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله»، وذلك بأن تكون علاقتك بالناس منطلقة من علاقتك بالله، فعلاقتك بالله هي التي تركّز لك أسس علاقتك بالناس، فتوالي أولياء الله، وتحبّ من يحبه الله، وتبغض من أبغضه الله. أن لا تفصل بين مشاعرك وعواطفك وأحاسيسك والتزاماتك في حياتك العملية الإنسانية، وبين إيمانك بالله، حتى لا تتحرك حالتك الشخصانية في غير خطوط إيمانك، بحيث توالي من عادى الله، أو تحب من لا يحبه الله، أو تبغض من لا يبغضه الله سبحانه وتعالى.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 177
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد
 المبعث النبوي .. حدث عظيم في تاريخ البشرية
 الإمام الكاظم (ع) رحابة الأفق في خُلقه
 رحلتا الإسراء والمعراج.. دروس وعبر
 الإمام علي (ع) وأوجُه العبادة
 زينب «عليها السلام».. نموذج رسالي رائد
 حاجتنا إلى التسامح في المجتمع
 كرامة الإنسان في القانون الإلهي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا